• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
الطب البديل

مقاه مصرية تخصص غرفا لـ«صراخ الزبائن» جراء الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المصريون

سيدة مصرية تفرغ طاقة غضب بالصراخ (غيتي)
سيدة مصرية تفرغ طاقة غضب بالصراخ (غيتي)
سيدة مصرية تفرغ طاقة غضب بالصراخ (غيتي)

القاهرة: عصام فضل

في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المصريون وشعور البعض بالإحباط لجأ شبان إلى ابتكار طريقة للتعامل مع الغضب وتفريغ الطاقة السلبية فيما سموه «scream room» أو «غرفة الصراخ»، وذلك للمساعدة في التعبير عن شحنات الغضب وتفريغ الطاقة السلبية بحرية.
الفكرة ابتكرها عدد من الشباب من بينهم مجموعة قامت بافتتاح مقهى «كافيه» بمدينة السادس من أكتوبر غرب القاهرة، ويحوي المقهى أنشطة مبتكرة إلى جانب المشروبات المعتادة بالمقاهي، بينها مكتبة مجانية وفرقة موسيقية ودروس لتعليم الموسيقى، إضافة إلى غرفة الصراخ التي تم تصميمها لتكون عازلة للصوت حيث يمكن لأي من رواد المقهى الدخول إليها مجانا.
يجب أن يدخل الشخص للغرفة وحيدا بعد أن يترك هاتفه الجوال وكافة متعلقاته، ثم يبدأ في الصراخ كما يريد إلى أن يقوم بتفريغ شحنات الغضب بداخله. وبعض القائمين على توفير «غرف الصراخ» يعتزمون تطوير المشروع. وعلى سبيل المثال يعتزم أصحاب مقهى أكتوبر إضافة ما سموه «مجسم فش الغل» وهو عبارة عن مجسم مبطن يشبه ذلك الذي يستخدمه لاعبو الملاكمة في التدريب، وسوف يتمكن أي شخص من رواد المقهى من إحضار صورة أي شخص يريده ويقوم بتثبيتها على المجسم ثم يضربها كما يشاء.

مقهى «باب الدنيا»

يقول مدير مقهى «باب الدنيا» عبد الرحمن سعد، وهو طالب بكلية الحقوق وصاحب فكرة غرفة الصراخ هنا، لـ«المجلة»: «فكرة إنشاء مقهى عبارة عن مجمع ثقافي كانت تراودني منذ سنوات. وبالفعل بدأت مع بعض الأصدقاء افتتاح المقهى قبل نحو عامين بمدينة السادس من أكتوبر، حيث يوجد فيه مشروبات ومكتبة بها كتب متنوعة يمكن لأي من الزبائن قراءتها داخل المكان إضافة إلى إقامة بعض الحفلات لفرق (أندر جراوند) وكذلك دروس لتعليم الموسيقى».
ويضيف «قبل أسابيع فكرت مع أصدقائي في إضافة شيء جديد للمشروع يقدم خدمة للرواد، وبالفعل افتتحنا غرفة الصراخ، وهي عبارة عن غرفة عازلة تماما للصوت لا يوجد بها سوى الموكيت ذي اللون الأسود الذي يبطن جدرانها الداخلية وآلة درامز، وقد وضعت بعض المعايير لتنظيم الدخول إلى الغرفة أهمها أن الدخول مجاني، وكل شخص من رواد المقهى يريد الدخول عليه فقط أن يسجل بياناته ويترك كل المتعلقات الشخصية بما فيها هاتفه الجوال ويتاح له عشر دقائق يدخل منفردًا ليصرخ كما يشاء».
ويتابع: «سوف أضيف للغرفة في الفترة المقبلة مجسما مبطنا يشبه الذي يستخدمه لاعبو الملاكمة وسوف أسميه مجسم (فش الغل). ويمكن للرواد إحضار صورة لأي شخص ووضعها على المجسم وتوجيه الصراخ والضربات وكل طاقة الغضب نحوها».

شعور الإنسان بالقهر

ويرى استشاري الطب النفسي وأمراض المخ والأعصاب الدكتور جمال فرويز أن الصراخ والبكاء يخرج الطاقة السلبية. ويضيف لـ«المجلة» أنه عندما يشعر الإنسان بالقهر أو الضغط أو الروتين تتكون لديه طاقة سلبية ويحتاج إلى الصراخ. ويوجد نوعان من الغضب أحدهما سلبي والآخر إيجابي. ويعتبر الصراخ في غرفة مغلقة بشكل عام صورة سلبية من الغضب الإيجابي. كما أن المشاركة في الاحتجاجات والمظاهرات أيا كان موضوعها هو صورة من صور تفريغ الطاقة السلبية.
ويتابع: «النفس البشرية مثل البرميل كل ضغط يصنع طبقة ما وتتعدد الطبقات إلى أن يمتلئ البرميل فنحتاج إلى إفراغه، لذلك تجد المصريين يقولون (كفاية) و(فاض بي)، وتجد النساء يذهبن إلى الجنازات ويبكين ويصرخن بحرقة شديدة، رغم أنهن لا يعرفن الميت. وبالنسبة لغرفة الصراخ ربما يشعر الشخص ببعض الهدوء عقب قيامه بالصراخ مباشرة لكن النتيجة تظهر بشكل كامل في اليوم التالي».

ويروي أحد رواد المقهى تجربته مع غرفة الصراخ قائلا: «لأني من سكان مدينة أكتوبر فقد سمعت عن المقهى منذ نحو عام، وحضرت عدة مرات للقراءة. وعندما افتتحوا غرفة الصراخ انتابني الفضول. وبرغم شعوري ببعض الحرج قررت أن أجرب، ودخلت الغرفة وبدأت في الصراخ ولم يكن الغريب أنني لم أعرف أنه لدي هذا القدر من الرغبة في الصراخ فقط، وإنما الأغرب أنني شعرت براحة كبيرة بعد خروجي لدرجة أني أحسست أن تركيزي في القراءة أكثر بكثير عن ذي قبل».
وحول ما إذا كان قد جرب غرفة الصراخ بنفسه يقول صاحب الفكرة عبد الرحمن سعد: علي أن أعترف أولا أنني لم أتوقع هذا النجاح للفكرة. وفي البداية ترددت في تجربتها بنفسي إلا أن الفضول وذلك القدر الكبير من الارتياح النفسي الذي شاهدته على وجوه زوار الغرفة دفعني لأجربها بنفسي بالفعل. ولا أبالغ حين أقول: إنني اكتشفت شيئا ما جديدا في شخصيتي لم أكن أعرفه من قبل. فأنا شخص هادئ وغير غضوب ولكن حينما انفردت بنفسي داخل الغرفة وبدأت في الصراخ كنت في ذهول من كمية الشحن النفسي الموجود بداخلي وما إن خرجت وجدت نفسي أشعر براحة وهدوء لم أتذوقهما من قبل وشعرت بتجديد وكسر للروتين.

غرفة صراخ بمقهى مصري (المجلة)
غرفة صراخ بمقهى مصري (المجلة)

تجربة الغرفة

ويضيف: «الكثير من الزوار يدفعهم الفضول إلى تجربة الغرفة. كما أن الأمر يتحول إلى مزاح وضحك خلال انتظارهم لدورهم. ولأن المقهى لم يكن ناجحا جدا قبل تجربة غرفة الصراخ حيث لم يكن يغطي تكاليفه كمشروع، لكن منذ افتتاح الغرفة حققنا نجاحا كبيرا. لذلك أشعر بأنني مدين لرواد المقهى وأعاملهم كأنهم أصحاب المكان وكأنهم في منزلهم. وأحاول أن أعرف هواية كل شخص ثم أعرفه على أشخاص آخرين يشاركونه نفس الهواية».

وترى خبيرة علم الاجتماع السياسي الدكتورة هدى زكريا أن المجتمعات التي تفرض انضباطا اجتماعيا كبيرا يتعرض أفرادها لضغط كبير نتيجة كبت مشاعرهم. وكلما كان المجتمع صارما ومتزمتا كان الكبت أكبر. لذلك عندما اكتشفت المجتمعات حجم ما يمارسه المجتمع من ضغوط أخلاقية ونفسية، كان لا بد من البحث عن مساحة للتنفيس.
وتضيف لـ«المجلة»: جيل زمان في مصر أيام الطبقة المتوسطة كانت طاقتها السلبية يتم التعبير عنها بشكل إيجابي حضاري بناء، بالفن والإبداع بكل أشكاله. فعندما تستمع لأغنية من ذلك الزمن ومهما كان فيها من شجن أو غضب أو ألم فإنها تخرج ما بداخلك من طاقة سلبية. أما الأغاني في الوقت الحالي فإنها مجرد صراخ يزيد من شحنك بطاقة سلبية.
وتتابع زكريا: «عندما خرج المصريون يصرخون (كفاية) خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبغض النظر عن الموضوع أو القضية السياسية التي حددها قادة حركة (كفاية) كسبب للمظاهرة، لكن المصريين عندما هتفوا (كفاية) لم يكن احتجاجا سياسيا في مجمله، وإنما كان احتجاجا على ما حدث للروح المصرية من ضغوط.. خرجوا ليقولوا كفى على ضخ الطاقة السلبية في جسد وروح المصريين».

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.