• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
الرأي

سياسته ترامب الخارجية تجاه سوريا

donald_trump2

عقب انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، نُشر عدد كبير من المقالات التي تتكهن بشكل سياسته الخارجية، وخاصة تجاه سوريا. بالتأكيد، أعربت هذه المقالات عن الاتجاه الذي سيتخذه الرئيس المنتخب بمجرد حلف اليمين الدستورية، والحقيقة هي أنه لا يزال الحديث عنه سابقا لأوانه.
تظل هناك بعض الشكوك في أن القضية السورية ستكون أحد التحديات الرئيسية التي يجب على الرئيس الجديد معالجتها. في حين أننا لا نستطيع الحديث عما سيفعله، نستطيع الحديث عن كيف تبدو الأمور في الوضع الراهن وبعض السيناريوهات التي سوف يواجهها الرئيس الجديد بمجرد أن يتولى مهام منصبه.
قبل الانتخابات الأميركية بفترة، حركت روسيا أصولا بحرية كبيرة لتعزيز القوة النيرانية لقواتها المتمركزة في سوريا. تقدم هذه القوة الروسية الدعم للحملة التي تقودها إيران لاستعادة الجزء الشرقي الذي يسيطر عليه المعارضون في حلب. تدرك روسيا تماما أنه خلال الأشهر القليلة المقبلة، على الأقل حتى يغادر الرئيس أوباما منصبه، سيكون لديها مطلق الحرية في تعزيز وجودها في منطقة البحر الأبيض المتوسط وتصعيد الموقف في سوريا دون أي مخاوف من ردة فعل الولايات المتحدة.

جاء التصعيد الروسي بعد شهور من إجراء مفاوضات مع إدارة أوباما من جهة موسكو وطهران لتحقيق أكبر قدر من مصالحهما في سوريا. وعلى وجه التحديد، انتقلت قوات تقودها إيران وقوات النظام لتأمين المناطق المحاصرة منذ فترة طويلة حول دمشق. أدى الحصار والمجاعة الناتجة عنه في الضواحي والبلدات القريبة من دمشق وحولها، وكذلك في مناطق أخرى في حمص، إلى عقد صفقات لإجلاء السكان إلى محافظة إدلب. ومع ذلك، استمرت القوات الجوية الروسية والتابعة للنظام في استهداف مكثف للمحافظة. أعطت إدارة أوباما غطاء لهذا القصف المستمر في إدلب، بعدما اعترفت بأن العمليات الهجومية ضد جبهة فتح الشام، التي تتمتع بقوة في إدلب، مقبولة.
وفي الوقت ذاته، من جهة المعارضة، فإن أهم عملية على الساحة السورية هي «درع الفرات»، التي تدعمها تركيا في شمال شرقي حلب. بدأت عملية «درع الفرات» بعد أن كانت أنقرة على وشك فقدان السيطرة على حدودها مع سوريا، من حلب وحتى الحدود العراقية، لصالح وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من روسيا والولايات المتحدة. تحركت تركيا لخلق مساحة جديدة من خلال تتبع المناطق الباقية تحت سيطرة تنظيم داعش. تعطي عملية «درع الفرات» فرصة لقوات المعارضة للحصول على مكاسب عقارية قيمة. ومن المؤكد أن تركيا تعطي أولوية لمنع الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني و/ أو الأسد وحلفائه من السيطرة على طول الحدود. بيد أنه من خلال تأمين هذه الأراضي، تحافظ تركيا أيضا على الخيارات المتاحة لها ولواشنطن أيضا.

ومع ذلك، عقّدت سياسات إدارة أوباما هذه الخيارات بدرجة كبيرة، إذ إن اتجاه عملية «درع الفرات» جنوبا نحو مدينة الباب التي يسيطر عليها تنظيم داعش سوف يؤدي من جديد إلى وقوع مصادمات مع وحدات حماية الشعب الكردي التي تدعمها الولايات المتحدة. يزيد ذلك احتمالية أن تنفذ تركيا تهديدها بطرد وحدات حماية الشعب خارج منبج. سوف تسعى هذه الوحدات إلى الاستفادة من تعاونها مع الولايات المتحدة، وأيضا روسيا وقوات الأسد – وربما علاقاتها المزدهرة مع الميليشيات الشيعية في العراق – لإبعاد تركيا عن مدينة الباب. وسوف تتعرض العلاقات الهشة بين تركيا وروسيا للاختبار، خاصة إذا انتقلت عملية درع الفرات غربا وشكلت ضغطا على قوات النظام شرق حلب أو وحدات حماية الشعب التي تمثل الآن منطقة عازلة للنظام في شمال حلب. يبقى السؤال عن كيف ستتفاعل الإدارة الجديدة مع هذه السيناريوهات.
في المقابل، لم يشهد جنوب سوريا مثل ذلك الحراك. وذلك لأن الأردن، وبتشجيع من إدارة أوباما، جمد الجبهة الجنوبية للثوار منذ العام الماضي. رفع ذلك الضغط عن دمشق، وسمح للنظام بخنق المناطق التي يسيطر عليها المعارضون من حولها.

لكن ثمة سيناريو محتمل أن تحول القوات التي تقودها إيران اهتمامها إلى الجنوب، على افتراض أنها سوف تستعيد شرق حلب. إذا حدث ذلك، يتعين على الأردن وإسرائيل أن يقاوما من أجل دفع إيران بعيدا عن حدودهما دون إثارة التوترات مع روسيا. وسيكون من المهم وجود موقف أميركي واضح بدعم هذين الحليفين.
أعلن نظام الأسد، الذي تتمثل سيادته فقط على الورق، عن اعتزامه استعادة كل شبر من سوريا. ويسعى الأسد إلى أن تقف أوروبا والولايات المتحدة في صفه. وقد سلمت إدارة أوباما غرب سوريا. كما ساعدت على تمكين ذراع حزب العمال الكردستاني في سوريا، والذي يفتح الباب أمام تسوية مؤقتة مع النظام تحت مظلة روسية.
وفي حين يسعى الأسد لاستعادة السيطرة على حلب، ينشغل بإبراز صورة المنتصر، وبأنه سيبقى في السلطة، وأن الانتفاضة لم تعد تشكل تهديدا استراتيجيا له، وأن الولايات المتحدة وأوروبا لن يجدا خيارا سوى تسوية الوضع معه. يتصور الأسد أنه إذا نجح في مسعاه، سوف يتخلى العالم عن أعدائه، ويبدأ في العودة للتعاون معه ومنحه فرصة الحصول على أموال لإعادة الإعمار.

تتوقف إمكانية تحقق أمنية الأسد على الأسلوب الذي سيقرر الرئيس المنتخب ترامب اعتماده. رغم كل ما يقوله الأسد عن نصره الحتمي، من الممكن جدا قلب مكاسبه وتحويل الضغوط ضده. ويعد دعم تركيا لـ«درع الفرات» خيارا متاحا، وكذلك أيضا إحياء الجبهة الجنوبية، وإذكاء هجمات المعارضة في حماه وجبهة اللاذقية من إدلب. ولكن كل ذلك يتطلب قيادة أميركية واستيعابا واضحا لما يتعرض للخطر في سوريا. فلنرَ إذا ما كان الرئيس الأميركي سيوافق.

Previous ArticleNext Article
طوني بدران
كاتب وباحث لبناني مقيم في نيويورك ،متخصص في شؤون الشرق الأوسط ، نشر مقالات رأي في صحف ومجلات كبرى منها « لوس أنجلوس تايمز» و«واشنطن بوست» و«فورن أفيرز» وكاتب رأي في لبنان الآن. وزميل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ( FDD ) في واشنطن .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.