الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يضع الاقتصاد المصري على خطى الإصلاح - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد

الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يضع الاقتصاد المصري على خطى الإصلاح

مصري يقوم بتعبئة سيارة بالبنزين.
مصري يقوم بتعبئة سيارة بالبنزين.
مصري يقوم بتعبئة سيارة بالبنزين.

• «ستاندرد آند بورز»: الاستهلاك المحلي سيتعرض لضغوط جراء زيادة التضخم في الأجل القريب بفعل تخفيض قيمة العملة المصرية وتقليص الدعم ورفع أسعار الفائدة

القاهرة: حسين البطراوي

تلاشى التعافي الاقتصادي في مصر خلال السنة المالية 2016 بسبب أزمة الصرف الأجنبي، وتقلصت حركة السياحة، والبيئة الخارجية غير المواتية، وجاءت الإجراءات الحكومية الأخيرة بتحرير سعر الصرف وتحريك أسعار المحروقات وتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لتعيد الأمل في انتعاش اقتصادي جديد، لكن الانتعاش مشروط بقدرة حكومة المهندس شريف إسماعيل على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية.

يتوقع البنك الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي المصري خلال عام 2016 بنسبة 3.8 في المائة منخفضا، مقارنة بالعام المالي 2015 الذي حقق 4.2 في المائة، ويتوقع للنمو في 2016 أن يكون مدفوعا بمرونة الطلب المحلي وقدرته على التعافي، إذ لا يزال الاستهلاك قويا، ولا تزال الاستثمارات العامة تجتذب القطاع الخاص، وعلى الجانب الآخر فإن صافي الصادرات لا يزال يشكل عبئا على كاهل النمو بسبب نقص العملات الأجنبية والمبالغة في تقدير سعر الصرف الحقيقي، ومن المتوقع للنمو على الأمد المتوسط أن ينتعش مع المضي قدما في الإصلاحات الاقتصادية وتعافي القطاعات الرئيسية.

وترى مؤسسة «ستاندرد آند بورز» أن الاستهلاك المحلي سيتعرض لضغوط جراء زيادة التضخم في مصر في الأجل القريب بفعل تخفيض قيمة العملة وتقليص الدعم، إضافة إلى رفع أسعار الفائدة.
وبحسب بيانات وزارة التخطيط، مثل الاستهلاك 94.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي الماضي 2015 – 2016، وساهم الاستهلاك المحلي بالنسبة الأكبر من النمو الاقتصادي خلال العام المالي الماضي، بنحو 4.2 في المائة، وكانت حصة الاستثمار 1.7 في المائة من النمو.

وكان بنك الاستثمار (أرقام كابيتال) قد توقع تراجع معدل نمو الاستهلاك إلى 3 في المائة في العام المالي الحالي، مقابل 4.5 في المائة في 2015 – 2016، نتيجة معدلات التضخم المرتفعة، ويتوقع البنك الدولي أن يعاود الاقتصاد المصري النمو خلال الأعوام المقبلة ليحقق 4 في المائة عام 2017، و4.2 في المائة عام 2018.

كما يتوقع البنك الدولي لعجز الموازنة أن ينخفض على الأمد المتوسط، بافتراض قيام الحكومة بتنفيذ الإجراءات المقررة لضبط الأوضاع المالية، لكن من المتوقع أن تسوء حسابات مصر الخارجية خلال السنة المالية 2016 بسبب الانخفاض الحاد في حركة السياحة، وتدني التحويلات، قبل أن تتعافى ببطء بعدها.

تحديات اقتصادية

البنك الدولي حدد ثلاثة تحديات للاقتصاد المصري وهي: إصلاح الخلل الرئيسي في الاقتصاد الكلي، وخفض نسبة الفقر والقضاء على التباينات المكانية في النواتج الصحية والتعليمية، وتحقيق انطلاقة في النمو من خلال تنفيذ الإصلاحات الهيكلية.

وتبشر الإصلاحات، بحسب البنك الدولي، باستعادة استقرار الاقتصاد الكلي، لكن الآثار الانكماشية والتضخمية المرتبطة ببعض الإجراءات مثل تحريك أسعار المحروقات لا بد من تخفيف حدتها بانتهاج سياسات ترمي إلى تحسين بيئة أنشطة الأعمال وتدعيم شبكة الضمان الاجتماعي لتوفير حماية للفقراء.

نمو احتوائي

أما تقرير صندوق النقد الدولي الصادر مع توقيع الاتفاق مع مصر، فقد أشار إلى أن عدم الاستقرار السياسي والقضايا الأمنية الإقليمية وتباطؤ الاقتصاد العالمي أثر تأثيرا سلبيا على الاقتصاد المصري، حيث تسبب في تضخيم المشكلات الهيكلية طويلة الأمد.

وأكد التقرير أن تثبيت سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي لم يكن في صالح الاقتصاد المصري، فقد أضعف تنافسية مصر الخارجية، واستنزف الاحتياطات الأجنبية، وأدى إلى نقص العملة الأجنبية الذي أثر سلبا على الاستثمار، وتسبب في تراجع الثقة، إضافة إلى نقص السلع الغذائية في بعض الأحيان.

ومع ضعف الإيرادات والدعم غير الموجه إلى مستحقيه وتضخم فاتورة أجور القطاع العام، أصبح العجز كبيرا، وارتفع مستوى الدين العام مقتربا من 100 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وظل النمو وتوظيف العمالة مقيدين بالمعوقات الهيكلية القائمة منذ أمد بعيد. فلم يكن النمو احتوائيا ليشمل كل شرائح المجتمع ولم يولد وظائف كافية، لا سيما للشباب والمرأة.

مكونات البرنامج

تتضمن مكونات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي حصلت مصر بموجبه على قرض صندوق النقد الدولي عدة سياسات تشمل:

الحفاظ على نظام لسعر الصرف المرن: مما سيساعد على تحسين تنافسية مصر الخارجية، ودعم الصادرات والسياحة، وجذب الاستثمار الأجنبي، وإعادة بناء احتياطات مصر الدولية. ومن المقرر أن تركز السياسة النقدية على احتواء التضخم، وخفضه على المدى المتوسط إلى رقم متوسط في خانة الآحاد.

زيادة الإيرادات الحكومية: حيث ستساعد ضريبة القيمة المضافة التي أقرت في أغسطس (آب) الماضي على تعزيز إيرادات الموازنة العامة. ولحماية أقل الفئات دخلا في المجتمع، تتضمن ضريبة القيمة المضافة الجديدة إعفاءات لمعظم السلع الغذائية الأساسية التي يستهلكها الفقراء.

تنفيذ إصلاحات دعم الطاقة: لا يوجه دعم الطاقة بدقة إلى المستحقين ويستفيد من معظمه غير الفقراء، وهو يتسبب أيضا في انحراف الإنتاج نحو الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وبعيدا عن المشروعات كثيفة العمالة التي تخلق فرص عمل للمواطنين. ومن شأن إصلاح هذه النظم أن يحرر موارد للاستخدام في أولويات مثل الصحة والتعليم والبحوث والتطوير والحماية الاجتماعية.

تعزيز برامج الحماية الاجتماعية: سيتم توجيه نسبة من وفورات المالية العامة تعادل نحو 1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي إلى مزيد من الدعم والتحويلات النقدية لكبار السن والأسر الفقيرة. كذلك سيتم الحفاظ على الموارد الموجهة للبرامج الاجتماعية، مثل الوجبات المدرسية ودعم ألبان وأدوية الأطفال والتدريب المهني للشباب، مع زيادة كبيرة في الوجبات المدرسية المجانية.

تشجيع النمو: من خلال إصلاحات هيكلية واسعة النطاق، تمثل الإصلاحات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال، وستؤدي هذه الإجراءات لزيادة خلق فرص العمل والمساعدة على معالجة البطالة المرتفعة، التي بلغت مستوى حادا بين الشباب والنساء بوجه خاص. وستؤدي إتاحة مزيد من دور الحضانة العامة وزيادة أمان وسائل النقل العام إلى تيسير عمل المرأة المصرية خارج المنزل. ويتوقع الصندوق أنه مع التنفيذ السليم للبرنامج، يمكن أن يتعافى النمو مسجلا 6 في المائة بحلول عام 2021.

مخاوف مشروعة

لكن قرارات الحكومة المصرية بتحرير سعر الصرف وتحريك أسعر المحروقات أدت إلى موجة عنيفة من ارتفاع أسعار السلع في الأسواق، رغم محاولات الحكومة كبح جماح التضخم، ومن ناحية أخرى بدأت القطاعات الرئيسية في الاقتصاد في الشكوى من ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج بنسبة تصل إلى 100 في المائة، مما يهدد كثيرا من الصناعات بالتوقف، خصوصا التشييد والبناء والأدوية والغزل والنسيج والصناعات التحويلية، التي تعتمد على ما بين 60 و90 في المائة على استيراد مكوناتها من الخارج.

فتحرير سعر الصرف ليس الحل السحري لمعالجة الخلل في الاقتصاد المصري، فسعر العملة يعكس الخلل في معاملات مصر الاقتصادية مع العالم، والخلل الأكبر في بنية الإنتاج والتصدير والاستيراد، والإجراءات الأخيرة قد تسمح بعودة الثقة للمستثمرين بعد توقيع اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي، واستعادة تدفقات العملة الصعبة للبلاد، لكن الحل يكمن في وضع سياسات تعالج الخلل في هيكل الإنتاج، وتعطي إشارات بوجود سياسة اقتصادية سليمة ومستقرة، ووضع سياسي آمن، لذلك فإن تحريك سعر الصرف ليس سوى حل قصير الأجل ومؤقت، بينما العلاج الحقيقي يكمن في تغيير هيكل الإنتاج وبنية الصادرات وتركيبة الواردات في الأجل المتوسط.

نجاح التعويم

ويضع خبراء الاقتصاد عدة شروط لنجاح عملية تعويم الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، منها فك الأرصدة الدولارية المكتنزة لدى الأفراد والشركات على نطاق واسع، وتدفقها إلى القطاع المصرفي، واستقطاب تحويلات المصريين العاملين في الخارج، التي غذت السوق الموازية للعملة خلال السنوات الأخيرة، ونجاح سياسة أسعار الفائدة الجديدة في تحويل جانب كبير من الودائع الدولارية في الداخل والخارج إلى شهادات ادخار بالجنيه المصري، فضلا عن ضرورة توافر العملة الأجنبية لدى البنوك لسد احتياجات القطاع الصناعي والاستيراد، فالطلب الحقيقي على العملة الصعبة في السوق يأتي جانب كبير منه من القطاع الصناعي لتلبية احتياجاته من مستلزمات الإنتاج المستوردة. وسهولة حصول الأفراد على العملة من البنوك، للقضاء على السوق السوداء، وسهولة تحويل أرباح الشركات العاملة في مصر للخارج.

الاستقرار الاقتصادي

ومن المتوقع أن يؤدي قرار تعويم الجنيه إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستفادة من انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار، شريطة الاستقرار السياسي والأمني، وخلق مناخ ديمقراطي، وإنهاء حالة الاحتقان الداخلي، وإجراء إصلاحات تشريعية لقوانين الاستثمار والضرائب، وتبني سياسات إصلاحية حقيقية في مواجهة معدلات الفساد المرتفعة، وزيادة معدلات الشفافية.

ويتوقع خبراء الاقتصاد أن تحصل مصر على سيولة دولارية بعد قرار تحرير أسعار الصرف على الأمد المتوسط، ويقول مديرو صناديق إن عدم التيقن الذي يكتنف الاقتصاد يعني أن تدفق أموال محافظ الاستثمار من الخارج لن يكون سريعا.

ومن المتوقع أن يكون تغير الاستثمار الأجنبي المباشر البالغ 6.8 مليار دولار بطيئا فقط، لأن قرارات الشركة تمر بعملية معقدة. ويعتمد الاقتصاد المصري بشكل كبير على الاستيراد، ومن المستبعد أن يشهد طفرة تصديرية في أي وقت قريب. فكثير من المستثمرين الأجانب غير مستعدين لضخ الأموال في أصول بالعملة المحلية ما لم يقتنعوا بأن الجنيه بلغ أقصى درجات الهبوط، وهو ما قد يكون بعيدا. وتسعر العقود الآجلة غير القابلة للتسليم الجنيه عند 17 جنيها مقابل الدولار في 12 شهرا.

تأثيرات مباشرة

رصدت مذكرة بحثية لبنك استثمار «برايم» تأثير تحرير سعر الصرف على بعض القطاعات الحيوية للاقتصاد المصري، حيث أشارت إلى أن أسعار الأغذية والمشروبات والرعاية الصحية ستكون الأكثر تأثرا بتعويم الجنيه. وبررت ذلك بأن قطاعات الأغذية والمشروبات والصحة كانت تعتمد على الجهاز المصرفي في توفير الدولار كونها ضمن قائمة السلع الأساسية التي تحظى بأولوية في توفير العملة الصعبة على عكس قطاعات أخرى كانت تعتمد على السوق السوداء.

وتوقع بنك استثمار «بلتون فاينانشيال» أن يشهد معدل التضخم موجة ارتفاع كبيرة خصوصا في النصف الأول من عام 2017، وأنه قد يصل إلى مستويات تتراوح بين 25 و30 في المائة خلال هذه الفترة، نتيجة تعويم الجنيه ورفع أسعار المحروقات.

يذكر أن الحكومة المصرية رفعت أسعار بنزين 80 إلى 2.35 جنيه للتر بدلا من 1.6 جنيه، بزيادة 46.9 في المائة، وبنزين 92 إلى 3.5 جنيه للتر بدلا من 2.6 جنيه بزيادة 34.6 في المائة، والسولار إلى 2.35 جنيه للتر من 1.8 جنيه بزيادة 30.6 في المائة. وأبقت على سعر بنزين 95 عند 6.25 جنيه للتر، من دون دعم. كما رفعت سعر غاز السيارات إلى 1.6 جنيه للمتر المكعب من 1.1 جنيه بزيادة 45.5 في المائة، وأسعار أسطوانات البوتاجاز المخصصة للمنازل من 8 جنيهات إلى 15 جنيها، والتجارية من 16 جنيها إلى 30 جنيها، بزيادة 87.5 في المائة.

سلاح ذو حدين

ويضع خبراء الاقتصاد عدة شروط لنجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي في مصر، محذرين من أن عدم تمكن الحكومة من الاستفادة من هذا الإجراء بأقصى قدر ممكن على المستوى الاقتصادي، في شكل تعظيم تدفقات النقد الأجنبي، وتحسين الأداء الاقتصادي بشكل عام، فمن المتوقع أن يفاقم هذا الإجراء من المشكلات الاقتصادية التي تعاني مصر منها.

وطالب الخبراء حكومة المهندس شريف إسماعيل بالعمل فورا على تلافي الآثار السلبية الناجمة من القرارات الأخيرة، خصوصا أن تحرير أسعار الجنيه أدى إلى خفض دخول أصحاب الدخل الثابت، وأصحاب المدخرات الصغيرة بنسبة تتراوح ما بين 48 في المائة إلى 60 في المائة، فور صدور القرار، وهو ما يتطلب رفع الحد الأدنى للأجور من 1200 جنيه إلى 1500 جنيه، ورفع الحد الأدنى للمعاشات بنفس نسبة انخفاض الدخول الحقيقية، فضلا عن إضافة نحو 4.5 مليون أسرة إلى برنامج «تكافل وكرامة»، وتأمين حصول المواطنين على المقررات التموينية، ورفع كميات السلع المقررة على بطاقة التموين، واستمرار العمل بالتخفيضات للطلبة والموظفين وأصحاب المعاشات على خطوط النقل العام، والإسراع في تطبيق التأمين الصحي الشامل، وتفعيل دور الدولة في مراقبة الأسواق ومنع احتكار السلع.

وعلى مستوى السياسات الاقتصادية، أكد الخبراء ضرورة الإسراع في إصدار قانون الاستثمار الجديد، وتحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد، مشيرين إلى أن اعتماد الحكومة على المشروعات القومية فقط – رغم أهميتها – لن يؤدي إلى النمو الاقتصادي المنشود، والاهتمام بقضية الإنتاج المهملة عبر عقود طويلة، وإعادة هيكلة الاقتصاد المصري ليكون معتمدا على الاقتصاد الحقيقي مثل الصناعة والزراعة بدلا من المصادر الرعوية، والعمل على زيادة الإنتاج، والاهتمام بالإنتاج الصناعي والزراعي والصناعات التحويلية، والتوسع فيها وتطوير صناعات الغزل والنسيج والحديد والصلب، ورفع نسبة الاكتفاء الذاتي من السلع الرئيسية، ووضع خطة عاجلة لتطوير صناعة الدواء.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.