• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
شؤون سياسية

ترامب وإيران.. ما الذي تستطيع أن تفعله واشنطن؟

untitled

مواقف متناقضة للرئيس المنتخب بشأن الاتفاق النووي خلال حملته الانتخابية
• انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية لن يلغيها لبقاء الأطراف الأخرى الموقعة عليه في تنفيذه
• يساوي المبلغ الذي تم الإفراج عنه لصالح إيران المبلغ الذي أنفقته الحكومة الأميركية على خطة مارشال

واشنطن: إيلان بيرمان

تتصدر علاقة الولايات المتحدة بإيران قضايا السياسة الخارجية التي سوف تواجه الرئيس المنتخب دونالد ترامب.

مثل كثير من المرشحين الجمهوريين الآخرين، كان ترامب معارضا قويا منذ البداية للاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي الإيراني، وهو الاتفاق الذي أُبرم في الصيف الماضي بين ست قوى عالمية وإيران. ولكن اتخذ ترامب مواقف متناقضة بشأن الاتفاق على مدار حملته الانتخابية، إذ وعد في بعض الأحيان بتمزيق الاتفاقية، وفي أحيان أخرى أشار إلى أنه سوف يُعَدِّلها فقط.

من المرجح أن يفضل ترامب حكومته، المسار الثاني. ربما يكون من غير العملي لأسباب عدة أن تطيح إدارته بالاتفاقية تماما. ولكن هناك الكثير الذي يمكن أن تفعله واشنطن فيما يتعلق بإيران، وخاصة عن طريق تنفيذ الاتفاقية النووية بصرامة أكبر وتقييد محاولات التوسع الإيرانية.

ترتيبات عنيدة

يعني وضع الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي كاتفاق صادر بقرار رئاسي، وعدم كونها معاهدة رسمية، أن الرئيس المقبل يستطيع أن يلغي التزامات واشنطن بموجب الاتفاقية. ولكن ذلك لن يحل الاتفاقية بالكامل لأنها متعددة الأطراف. وحتى لو انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق فقد تستمر الأطراف الأخرى الموقعة عليه في تنفيذه على الرغم من ضغوط الإدارة الجديدة لاتخاذ موقفا أكثر صرامة تجاه طهران.

في الحقيقة يمكن أن يقرر ترامب فرض (أو إعادة فرض) عقوبات أحادية الجانب على شركات أميركية تقيم نشاطا تجاريا مع الجمهورية الإسلامية، غير أن ذلك في حد ذاته لن يحقق الكثير من أجل الحد من أنشطة الشركات الأجنبية التي بدأت تعود للعمل في السوق الإيرانية، حيث إن تلك الشركات لن تتأثر بأي قيود جديدة تُفرض على مؤسسات أميركية. وعلى الرغم من أن احتمالية اتباع نهج صارم تجاه إيران قد توقف نشاط تلك الشركات الأجنبية لفترة، فإن واشنطن لن تستطيع في النهاية سحب الاتفاق دون المخاطرة بالوقوع في نزاعات تجارية كبرى مع دول مثل الصين وفرنسا، اللتين تنشغلان الآن بزيادة أنصبتهما الاقتصادية في الجمهورية الإسلامية. وبذلك لن ترغب إدارة ترامب المتحمسة لتهدئة الأسواق العالمية شديدة التقلب في اللجوء لتلك الاحتمالية.

بمعنى أنه بغض النظر عن وعود حملته الانتخابية، قد يكتشف الرئيس الجديد عدم وجود إيجابيات كثيرة في إلغاء الاتفاقية، وأن هناك سببا قويا يدعو لتعديل بنودها وعقوباتها قدر الإمكان.

أطماع حكومة طهران

منذ البداية سعى الاتفاق النووي إلى الحد من جانب واحد فقط من سلوك إيران المارق والمتعلق بمطامعها النووية المستمرة. بيد أن الفوائد التي عادت على إيران منذ تنفيذ الاتفاق النووي كانت أوسع نطاقا، حيث عززت قوة الاستراتيجية التي تتبعها طهران إقليميا وعالميا.

وفقا لأحد الشروط الأساسية في الاتفاق النووي، وافقت الولايات المتحدة وشركاؤها في مجموعة 5+1 (الصين وفرنسا وروسيا وبريطانيا وألمانيا) على السماح لإيران بالوصول إلى نحو 100 مليار دولار من عائدات النفط المعلقة سابقا بناء على التنفيذ الرسمي للاتفاق الذي تم في يناير (كانون الثاني). بالنسبة لإيران يمثل ذلك مكسبا هائلا إذ يصل إلى نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي للدولة. يشبه ذلك المبلغ نسبيا حصول الولايات المتحدة على دفعة أموال بقيمة 4.2 تريليون دولار. ووفقا لقيمة الدولار في الوقت الحالي، يساوي المبلغ الذي تم الإفراج عنه لصالح إيران تقريبا المبلغ الذي أنفقته الحكومة الأميركية على خطة مارشال، التي غطت 17 دولة أوروبية لمدة أربعة أعوام بعد الحرب العالمية الثانية.

عززت من تلك الفائدة المباشرة مجموعة من الإجراءات الأخرى، بداية من إعادة اندماج إيران في الأسواق العالمية عبر آليات مثل نظام السداد الإلكتروني الذي تديره جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك لتسهيل حصول إيران على الدولار الأميركي، إلى التخفيف العام للعقوبات المفروضة على إيران، مما تسبب في زيادة الأنشطة التجارية مع الدولة. إذا جمعنا هذه الأمور معا، سنجد أن تلك التغييرات وضعت إيران على طريق التعافي الاقتصادي. توقع صندوق النقد الدولي في الشهر الماضي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في إيران إلى 4.5 في المائة في العام المقبل بفضل الاتفاق النووي.

تعزيز وجود إيران العسكري في المنطقة

إذا كانت التوقعات الاقتصادية في إيران تحسنت في الأساس منذ إبرام الاتفاق النووي، فإن المشهد السياسي لم يتحسن. على الرغم من أن البيت الأبيض مارس ضغوطا لصالح الاتفاق النووي بالدفع بأن الاتفاق سوف يساعد على تمكين القوى المعتدلة داخل إيران، فإنه لم يحدث أي شيء من هذا القبيل. لم يؤد الاتفاق النووي إلى تعزيز قوة الإصلاحيين في إيران، بل ساعدت الانتخابات في الشهور الأخيرة فقط على رسوخ الوضع الراهن للمحافظين في البلاد. كذلك يستمر العداء الذي تكنه طهران تجاه الولايات المتحدة كما هو، بل ويحذر مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى، منهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، من تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. معنى تلك التطورات واضح. إيران ربحت جيدا من الاتفاق النووي، إلا أنها ليست مهتمة بإقامة علاقات أكثر هدوءا مع الدولة المسؤولة في الأساس عن جعل هذا الاتفاق ممكنا.

ولكن ما نجح الاتفاق في فعله هو إحياء المطامع الإيرانية العالمية. بعد معاناة استمرت لأعوام تحت وطأة العقوبات الدولية، وبإمكانيات محدودة لتحويل رؤيتها في السياسة الخارجية إلى واقع، تشن الجمهورية الإسلامية الإيرانية حملة توسعية كبيرة في الخارج. بداية من تعزيز وجودها العسكري في سوريا وحتى سعيها المتجدد للتعاون مع أميركا اللاتينية، لا شك في أن إيران تسير في ذلك الاتجاه.

النفوذ والالتزام

سوف يكون التعامل مع إيران التي أصبحت أكثر جرأة واحدا من المهام الأساسية التي تواجه الإدارة القادمة، وسوف يتطلب وضع استراتيجية تركز على ثلاث أولويات.

أولا، تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة فرض نفوذها الاقتصادي ضد إيران. ولعل أسوأ نتائج الاتفاق النووي هو رفع نظام العقوبات العالمي ضد الدولة. تسببت إدارة أوباما، من خلال جهودها في تشجيع زيادة التجارة مع إيران واستثمارها الفعلي في برنامج طهران النووي عن طريق شراء المياه الثقيلة الزائدة من المفاعلات الإيرانية، في الإضرار بنظام العقوبات الذي تم وضعه بمشقة ضد الجمهورية الإسلامية على مدار العقد ونصف العقد الماضيين.

سوف تمتلك الإدارة الجديدة مصداقية أكبر من الإدارة الحالية في تغيير هذا الاتجاه. كانت البنوك والمؤسسات المالية الأخرى تتحرك ببطء نحو التعاون مع إيران قلقا من حدوث نتائج عكسية ومكلفة. وقد أكد انتخاب ترامب غير المتوقع ما يحذرونه. قد تستطيع إدارة ترامب، عن طريق وضع هيئات إيرانية إضافية على القوائم السوداء بسبب علاقاتها بالإرهاب أو لنشر صواريخ باليستية أو لانتهاكات حقوق الإنسان، وكذلك بفرض غرامات كبيرة على الشركات التي تتعامل معها، أن تزيد مخاطر التعامل مع إيران، مشيرة بوضوح إلى أنها لا تسمح بعودة العمل كالمعتاد مع الجمهورية الإسلامية. والهدف من مثل تلك الخطوة له وجهان: التأكيد على جدية الولايات المتحدة في تنفيذ شروط الاتفاق، مع الحد من المصادر التي تستطيع إيران استخدامها لتنفيذ مطامعها الاستراتيجية. (ربما تغضب الحكومة الإيرانية بشأن أي قيود جديدة، ولكن من جهتها يمكن أن تخفف رد فعلها إدراكا منها للتداعيات المدمرة نتيجة الضغوط السابقة متعددة الأطراف).

ثانيا، يجب أن تركز إدارة ترامب على التزام إيران بالاتفاق. كانت إدارة أوباما التي تبنت الاتفاق وصدقت في إمكانية حدوث انفراجة مع طهران تنأى عن مساءلة النظام الإيراني سواء عن خرق الاتفاقية أو عن أنشطة ذات صلة تنتهك روح الاتفاقية – مثل تجارب إطلاق الصواريخ الباليستية المتكررة. في أثناء حملته الانتخابية، تعهد ترامب بفرض عقوبات على إيران بسبب تلك الانتهاكات. ويمكن أن تبدأ إدارته هذه العملية بإصدار تفويض لإجراء عمليات مراقبة أكثر صرامة على التزام إيران ببنود الاتفاقية، عبر فرق تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وطرق أخرى مستقلة، وتوضيح العقوبات (الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية) التي سوف تفرضها واشنطن إذا فشلت طهران في الوفاء بتعهداتها – وهو جانب غائب عن نهج إدارة أوباما حتى الآن.

وأخيرا يجب أن تركز إدارة ترامب على تقييد المغامرات الإيرانية. يبدو أن الاتفاقية الشاملة للبرنامج النووي سمحت لإيران بالتوسع في أهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط وما وراءه إلى حد كبير. في يونيو (حزيران) عام 2015، قبل إتمام الاتفاق النووي رسميا، كشف خامنئي عن خطة التنمية السادسة لحكومته، والتي تدعو إلى زيادة ميزانية الدفاع الوطني بمقدار الثلث (وكانت تبلغ حينها 14 مليار دولار)، لتصل إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في إيران. ويبدو أن هذه الزيادة تعتمد على قدرة إيران على الحصول على موارد إضافية نتيجة للاتفاق النووي. ومنذ ذلك الحين، نجحت إيران في تحقيق هذه الأولوية، حيث عقدت اتفاقيات للحصول على معدات عسكرية بقيمة مليارات الدولارات مع كل من الصين وروسيا، ورفعت حجم الدعم الذي تقدمه إلى وكلائها المتطرفين في المنطقة (مثل «حزب الله» والميليشيات الشيعية في العراق). بالنسبة لواشنطن، يتوقف دعم الاستقرار في الشرق الأوسط على إيقاف ذلك التقدم وعلى تنفيذ سياسات – من ترتيبات الدفاع الصاروخي الإقليمية وتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع حلفاء أميركا – يمكن أن تردع إيران التي أصبحت أكثر جرأة أو تواجهها بقوة متوازنة.

الخطاب والواقع

ليس من المفاجئ أن يتلقى مسؤولون إيرانيون انتخاب ترامب غير المتوقع بسلسلة من الإدانات. صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن الرئيس الجديد لا يمتلك سلطة إلغاء الاتفاق النووي لأن «اتفاق» إيران في المسألة النووية وضع علاقاتها مع دول أخرى في «طريق نمو لا رجعة فيه». ولكن يكمن خلف الوعيد الإيراني شعور بالفزع من أن إيران، التي تمتعت بحرية هائلة في عهد أوباما، قد تصبح من أكبر الخاسرين نتيجة لسياسة ترامب الخارجية.

هذا خوف له مبرر. من المحتمل أن ينذر قدوم ترامب إلى البيت الأبيض بتحول هائل في أسلوب الولايات المتحدة مع إيران. ويظل حجم ذلك التغيير الجوهري غير معلوم، ولكن الرئيس الجديد لديه دافع واضح لسحب سياسة إدارة أوباما تجاه الجمهورية الإسلامية. وكما هو واضح، يملك ترامب وسيلة البدء في ذلك.

* إيلان بيرمان: نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأميركية (فورين أفيرز).

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.