مصطفى أمين يتذكر... قال لي عبد الناصر: السادات سيخلفني لأنه أكبر متآمر فينا! - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مذكرات

مصطفى أمين يتذكر… قال لي عبد الناصر: السادات سيخلفني لأنه أكبر متآمر فينا!

مصطفى أمين يروي ذكرياته لـ«المجلة»
مصطفى أمين يروي ذكرياته لـ«المجلة»

خاص بـ«المجلة».. مذكرات مصطفى أمين :هؤلاء عرفتهم (الحلقة الأولى)
•اعتقلني مجلس قيادة الثورة مع أخي علي.. ثم اعتذر منا عبد الناصر ومحمد نجيب
•عرفت السادات منذ الأربعينات..وكنت أحد الشبان الذين تمنوا أن يقتلوا أمين عثمان..وتبنت «أخبار اليوم» الدفاع عن المتهمين باغتياله
•قال لي المحقق في قضية قتل أمين عثمان إن الزعيم الحقيقي لـ «العصابة» هو السادات ولكننا لا نستطيع أن نمسك عليه أي دليل

القاهرة: مكتب «المجلة»

تبدأ «المجلة» بإعادة نشر ذكريات الكاتب والصحافي الكبير الأستاذ مصطفى أمين.
وقد تم تسجيل هذه الذكريات خلال شهر أبريل(نيسان) عام 1982، وهي تتضمن معلومات وتفاصيل وحكايات حصرية لـ «المجلة».
هذه المرة، يتذكر مصطفى أمين الشخصيات السياسية البارزة التي عرفها في حياته، ومنها خصوصا الرئيسان الراحلان جمال عبد الناصر وأنور السادات.
وهذه هي الحلقة الأولى من ذكريات الراحل مصطفى أمين الذي توفي في 13 أبريل عام 1997:

مدخل يمكن للإنسان أن ينفذ منه إلى ما تحويه ذاكرة مصطفى أمين؟ تلك الذاكرة الناصعة «الدقيقة» المدهشة. التي لا تغفل أدق التفاصيل التي مضى عليها عشرات السنين. بدءًا من ترتيب الجلوس حول مائدة الغذاء في يوم ما من عشرينات هذا القرن، إلى نص كامل لزجل ذاع يوما، أو حوار، أو عنوان موضوع صحافي نشر في مجلة أصبحت الآن مجهولة.
ذاكرة مصطفى أمين كالبحر، عميقة كالتاريخ، عريضة كالأيام، متدفقة كالأحداث، عاش تاريخ مصر من داخل بيت الأمة، وعلى مختلف المستويات، منذ عشرينات هذا القرن، حتى عصرنا الحالي، عاش الأحداث الكبيرة، وحياة المجتمع المصري من خلال شبكة نادرة من العلاقات الخصبة المتنوعة، ربما اختلف معه البعض في الماضي البعيد، ولكن الماضي القريب يحمل له موقفًا مشرفًا رائعًا في سبيل الديمقراطية. كتابات مصطفى أمين في الأعوام الأخيرة من حكم السادات تراث هام وغني يضاف إلى تراثنا الديمقراطي. كما كانت مواقفه شجاعة، ورائعة. ومصطفى أمين يتمتع بقدرة عالية وموهبة رفيعة في الحكي، أو القص، إنه متدفق، حي، يحمل دائما على وجهه تعبير الدهشة، التي تشبه إلى حد ما دهشة من يستمع إلى حدث ما لأول مرة.

مصطفى أمين مع عبد الناصر
مصطفى أمين مع عبد الناصر

من أين المدخل إلى ذاكرة مصطفى أمين؟
كيف يمكن أستخراج بعض ما تحويه؟
لقد عاش الرجل تاريخ مصر بأكمله، وعرف حكامها، وزعماءها، وكبار فنانيها، وكتابها عن قرب. فلنحاول إذن استعادة ذكرياته عنهم. ولأن الماضي القريب أكثر سخونة، ولأننا لا نزال نعيش بعضا من آثاره المؤلمة. لذلك قبل مصطفى أمين أن يتحدث عن الذين عرفهم في رحلة معكوسة.
رحلة معكوسة تبدأ بأنور السادات، وتنتهي بسعد زغلول. ولندع مصطفى أمين يتذكر:
في تدفق وتلقائية، يحكي مصطفى أمين:
عرفت السادات منذ الأربعينات، والسبب أنه عندما وقع حادث 4 فبراير (شباط)، كنت أحد الشبان الذين تمنوا أن يقتلوا أمين عثمان. الوزير المصري والعميل الإنكليزي الذي قال «إن مصر قد تزوجت من إنكلترا، زواجا كاثوليكيا، لا طلاق فيه». ولو كنت قادرا على قتله لفعلت. كنت أعرف الدور الذي لعبه في إقناع مصطفى النحاس بقبول تأليف الوزارة في حماية الإنكليز. اعتقدت أنه قتل صديقي مصطفى النحاس، وشعرت أن من واجبي أن أقتله أيضا، فلما جاء أناس آخرون وقتلوه، شعرت كأنني أحد المتهمين، وتبنت «أخبار اليوم» الدفاع عن قتلة أمين عثمان. وكان من بينهم أنور السادات. جاءني كامل قاويش رئيس النيابة الذي يحقق في القضية وقال لي إن الزعيم الحقيقي للعصابة هو أنور السادات، ولكننا لا نستطيع أن نمسك عليه أي دليل؛ لأن أعصابه قوية جدا ولا ينطق بكلمة. وقال إنه يبدو من التحقيقات أن هناك جناحا عسكريا. وأنه مشترك في هذا الجناح، أو على الأقل يمثل همزة الوصل بين القتلة وبينه. وقفت «أخبار اليوم» تؤيد منع إعدامهم، ونجحت في تهيئة الرأي العام لذلك، ثم صدر الحكم وكان مخففا جدًا. حكم على حسين توفيق المتهم الأول بعشر سنوات سجن، وتمت تبرئة عدد كبير من المتهمين، كان منهم أنور السادات نفسه. وفي هذه الأثناء هرب حسين توفيق من السجن بل من مصر بأكملها، وفجأة قبض عليه في الأردن وهنا شعرت أن من واجبي أن أذهب إلى الأردن وبالفعل سافرت وقابلت الملك عبد الله ملك الأردن وقتئذ.

اللقاء مع ملك الأردن

قلت للملك عبد الله ملك الأردن: «أنت في مصر، ليست لك شعبية كبيرة ولكن يمكنك أن تحسن صورتك أمام الشعب بعمل واحد فقط»
قال: ما هو؟
قلت: أن تفرج عن حسين توفيق؛ لأن حسين توفيق قتل عميل بريطانيا. فعندما تقبض عليه سيقول الناس، طبعًا، إنه يقبض عليه لأنه عميل مثله، ولكن إذا أفرجت عنه فسيختلف الأمر.
اقتنع الملك وقال لوزير الحربية فوزي الذي كان موجودا أثناء الحديث: «اذهب مع مصطفى أمين إلى السجن وأخرجا حسين توفيق».
ذهبت إلى السجن حيث اصطحبت حسين توفيق إلى الفندق. وقضيت معه ليلة كاملة جعلته يكتب فيها مذكراته بخصوص حادثة مقتل أمين عثمان، وعدت إلى القاهرة لأنشرها في «أخبار اليوم».
تلك كانت بداية صلتي بأنور السادات.
من ناحية أخرى كان هناك صحافي في «أخبار اليوم» متهم في قضية أمين عثمان، وهو سعد كامل، وكان صديقي جدا، وكان سعد كامل أحد الذين دبروا هرب حسين توفيق، وكان على صلة بأنور السادات أيضا. فكرت أن أتصل بأنور السادات وأن أعرض عليه كتابة مذكراته في «أخبار اليوم» ولكنني فوجئت به ينشر مذكراته في «دار الهلال».
وقد كنت أتمنى أن تنشر في «أخبار اليوم». وكثيرا ما أجد بعض الأشياء منشورة في صحف أخرى. وأتمنى لو أنها كانت منشورة في صحف «أخبار اليوم» وكانت هذه المذكرات التي نشرت بعنوان «48 شهرًا في السجن» أحد هذه الأشياء. ثم مضى الزمن، حتى قامت ثورة 23 يوليو 1952. وفوجئت بأنهم قبضوا علي أنا وأخي علي أمين. ودهشت..

السادات يشرف على الصحافة

دهشت لأنني كنت أمهد للثورة من خلال سياسة «أخبار اليوم» أذكر أن عبد الناصر قال في أحد اجتماعاته بالصحافيين: إنه قرأ لي مقالا بعنوان «البحث عن قائد» قبل الثورة، وأن هذا المقال أثر فيه كثيرا. وكنت أحدد فيه الشروط المطلوبة في قائد جديد للبلاد. عندما قبضوا علينا. اعتقدت أنهم يتحفظون علينا لحرصهم على ألا ينشر خبر عزل الملك فاروق في «أخبار اليوم» التي كانت تصدر صباح السبت وكانت لدينا معلومات تؤكد أن رجال الثورة في نيتهم عزل فاروق، قلت: ربما أرادوا ألا ننشر الخبر ولهذا اعتقلونا، ثم سجنونا في معتقل كانوا قد أعدوه في مبنى الكلية الحربية.

محمد نجيب يسلم مصطفى أمين جائزة الصحافة سنة 1953
محمد نجيب يسلم مصطفى أمين جائزة الصحافة سنة 1953

في اليوم التالي كنا نقرأ جريدة «المصري» عندما فوجئنا بخبر منشور يقول إنه تم القبض على اثنين من أصحاب الصحف؛ لأنهما اتصلا بلندن، وبالتحديد بوكيل وزارة الخارجية البريطانية، وطلبا منه التدخل لوقف الثورة وقمعها.
دهشنا جدًا، واعتقدنا أنها مؤامرة لذبحنا. بعد ثلاثة أيام فوجئنا بأنور السادات يزورنا في الزنزانة. قال لنا: إن أحد الأشخاص ذهب إليهم وقال إنكما طلبتما لندن بالتليفون صباح 23 يوليو 1952، وإنكما طلبتما من وكيل وزارة الخارجية البريطانية التدخل ضد الثورة، وهناك شريط مسجل عليه الحديث. وقال إنه كان من رأي بعض الضباط الأحرار أن تضربا بالرصاص. ولكن تم الاتفاق في النهاية على سجنكما. وبعد أن تم إبعاد الملك فاروق، ذهبنا إلى مصلحة التليفونات وطلبنا الشريط المسجل عليه المكالمة، ولكنهم في مصلحة التليفونات قالوا إن «أخبار اليوم» لم تطلب لندن على الإطلاق، لا يوم 23 يوليو، ولا يوم 24 يوليو، ولا 22 يوليو وأن علي ومصطفى أمين لم يتحدثا إلى لندن تليفونيًا أبدًا طوال شهر يوليو؟
ويطرح السؤال نفسه: من كان وراء هذه الوشاية؟
.. كان الواشي محررا في جريدة منافسة على صلة قوية بثروت عكاشة، وتشاء الظروف أن يحكم عليه بعد سنتين بعشر سنوات سجن في تهمة تخابر مع بريطانيا.
ذهبنا إلى مجلس قيادة الثورة فور الإفراج عنا، وهناك التقينا باللواء محمد نجيب، وجمال عبد الناصر، وبغدادي، وكمال الدين حسين، وصلاح سالم. قال محمد نجيب: نحن آسفون جدا لهذا الخطأ، لقد بحثنا الموضوع فلم نجد له أي أساس من الصحة. وهنا قال عبد الناصر:
أظن أنه من حقكما أن نصدر بيانا نوضح فيه حقيقة ما جرى، ونقول فيه إننا آسفون جدا، وإنه تبين لنا أنكما بريئان. وبالفعل أعد البيان، وأذيع في الإذاعة أربع مرات في يوم واحد.
بعد ذلك تقرر أن يشرف أنور السادات على الصحافة، وكان يأتي إلى «أخبار اليوم». كان مكتبي وقتئذ في الطابق الثاني، ولم تكن «أخبار اليوم» تتكون إلا من طابقين فقط، كان يجيء يوميا ويدير عمله من مكتبي.

«السادات أكبر متآمر فينا»

ضحكات بين انور السادات ومصطفى أمين
ضحكات بين انور السادات ومصطفى أمين

كان يجيء ويتصل بالصحف. وبالإذاعة. وبهذا أتيحت لي ملاحظته عن قرب. كانت فكرتي عنه أنه متطرف وعنيف، لكن ما كان يجري أمامي كان يؤكد عكس ذلك. كان يحدث أن يتصل أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة به، ويحتج على نشر خبر في «الأهرام»، ويقول: أنا سأرسل الشرطة العسكرية للقبض على عزيز ميرزا رئيس تحرير «الأهرام».
ثم يتصل عضو آخر ليقول: أنا سأرسل دبابات لمحاصرة جريدة «المصري».
واحد ثالث يقول: أنا سأنسف «أخبار اليوم».
كل يوم اتصالات من هذا النوع، وكان السادات يهدئ المتحدثين في التليفون ويطلب منهم أن يدعوا له الأمور.
الوحيد الذي لم يكن يهدد، أو ينذر، هو.. جمال عبد الناصر..
وكانت ثورة بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة تجاه نشر بعض الأخبار غير ذات الشأن؛ كأن ينشر مثلا أن هناك اتجاها لإجراء التطهير، ثم حدث أن اكتشفت مؤامرة دبرها الإخوان المسلمون لاغتيال عبد الناصر، كانت تتلخص في أن يرتدي بعضهم زي البوليس الحربي، ويهجموا على مجلس الوزراء لقتل عبد الناصر.
في هذا اليوم كنت أزور جمال عبد الناصر وكان يقص علي أخبار المؤامرة، وفجأة سكت، ونظر إلي، ثم سألني:
– تظن من يمكنه أن يخلفني في قيادة الثورة بعد موتي؟
بعد لحظة صمت قلت له:
– إما بغدادي.. وإما عبد الحكيم عامر.. وهنا هز رأسه وقال:
– لا.. إن من سيخلفني هو أنور السادات..
قلت على الفور:
– مش معقول..
قال:
– لا.. أؤكد لك أنه أنور السادات؛ لأن السادات أكبر متآمر فينا.
وبعد لحظة قال:
– لقد حيرني هذا السادات.. لقد عينته وزير دولة لكنه لا يحضر اجتماعات مجلس الوزراء. عينته في المؤتمر الإسلامي ولكنه لا يذهب إلى مكتبه.. وصباح كل جمعة يصحب زوجته إلى بورسعيد للنزهة.. السادات هذا سينتظر إلى أن نموت جميعًا.. ثم يخلفنا هو..
عدت إلى «أخبار اليوم» في المساء، فقلت للسادات: أنا كنت عند عبد الناصر، وقال لي كذا وكذا، فلا بد أن تحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وتشوف شغلك في المؤتمر الإسلامي، وتنشط. وفوجئت بالسادات يقول:
– «لأ.. دي ثورة جمال عبد الناصر.. وهو يفعل ما يشاء، وأنا ماليش دعوة».
تمهل هنا مصطفى أمين، وتوقف عن الحديث. شأنه عندما ينتهي عند نقطة حاسمة من الموضوع..
«المهم.. شاءت الظروف أن أنيس منصور يكتب ويقول إنه سأل السادات عن هذه الواقعة، وأن السادات أكدها له حرفيا وأن السادات سأل أنيس منصور عمن أخبره بهذه الواقعة. والغريب أن أنيس منصور قال له إن السفير الروسي هو الذي حكى له الواقعة. وفي الواقع أنا لم ألتق بالسفير الروسي. ولم أقص عليه الواقعة، ولكن ربما حكيتها لأحد الأشخاص. وهذا بدوره حكاها للسفير الروسي. بالطبع هذه الواقعة خطيرة في رأيي، ويشاء القدر أن يكون لها شهود».
ويرن جرس التليفون، وتنتهي المكالمة، ويعود مصطفى أمين إلى التذكر..

كسول جدا

التقيت بالسادات بعد ذلك كثيرا. حتى عين رئيسا لجريدة «الجمهورية الجديدة» وكان عبد الناصر يتصل بي عند منتصف الليل ويسألني:
– أنت في مكتبك؟
وأقول له:
– نعم..
فيقول بدهشة:
– الله.. أمال أنور السادات مش قاعد في مكتبه ليه؟
ثم يتصل بأنور السادات في اليوم التالي ويوبخه:
– مصطفى أمين في مكتبه لغاية الساعة اتناشر مساء، وأنت المسؤول عن «الجمهورية» ما بتروحش.
طبعا صار هناك ما يشبه العقدة.. في أحد الأيام اتصل بي عبد الناصر، وقال لي:
– خد «الجمهورية» خدها بإعلاناتها وفلوسها، إحنا صرفنا عليها في سنة مليون جنيه ومافيش فايدة..
فقلت له:
لازم أتشاور مع أخي.
وعدت إلى المرحوم علي أمين، واشترك معنا الدكتور سيد أبو النجا في بحث الموضوع. وبعد البحث توصلنا إلى قرار وهو أن «الجمهورية» ستغرق «أخبار اليوم». واتصلت بعبد الناصر – صاحب الفكرة – واعتذرت. ثم ذهبت إلى أنور السادات، وحكيت له ما جرى، وفوجئت به يقول لي:
– ليه ما خدتهاش.. ما تاخدها وتريحني.. وبعد ما صدر قرار بإعفائه من رئاسة جريدة «الجمهورية»، ذهبت إليه لأواسيه، وإذا بي أجده في منتهى الفرح. دهشت. تذكرت أنه عندما خرج من الوزارة وذهبت إليه وجدته فرحان لأنه خرج من الوزارة. ولما خرج من المؤتمر الإسلامي وذهبت إليه لأواسيه وجدته سعيدًا جدًا. عمري ما وجدته غاضبا أو حزينا. أي مسؤولية كانت تؤخذ منه أو يفصل منها كأنه عين فيها، وكان يضيق عندما يصدر قرار بإسناد مسؤولية إليه.
ويتابع مصطفى أمين:
المعروف عنه أنه كان كسولا جدا. ولا يحب العمل، وبرنامج حياته اليومي يؤكد ذلك. من استيقاظ في ساعة متأخرة، والانتهاء من المقابلات ومسؤوليات الدولة في الثانية ظهرًا، ثم ممارسة المشي، ورؤية الأفلام القديمة..
يبتسم مصطفى أمين ثم يواصل:

الحجرة المشؤومة

في 27 يناير(كانون الثاني) 1974 أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قراراً بالعفو الصحي عن مصطفى أمين بعد قضائه 9 سنوات في السجن بتهمة التخابر لصالح وكالة المخابرات الأمريكية «CIA» ضد مصر.
ويتذكر مصطفى أمين: بعدما أصبح السادات رئيسا للجمهورية، قابل الأمير طلال، الذي سأله:
– ما رأيك في موضوع مصطفى أمين؟
قال الرئيس الراحل للأمير طلال:
– مصطفى أمين بريء مائة في المائة.. وسرعان ما زارني الأمير طلال في السجن وقص علي ما جرى. ثم التقى سعيد فريحة صاحب «دار الصياد» بالسادات، ولم يكلمه سعيد فريحة بشأني، ولكن السادات قال له في نهاية المقابلة:
– أنا أعرف يا سعيد أن مصطفى أمين بريء تماما، بريء مائة في المائة..
فقال سعيد فريحة:
– أنا كنت أريد أن أتحدث إليك في هذا الموضوع ولكنني خفت. ومضت أيام عديدة ولم يفرج عني.
ثم عاد الأمير طلال مرة أخرى، والتقى بالسادات، وأكد له السادات أنه سيفرج عني، ولكن لم يتم الإفراج. ثم التقت أم كلثوم بالسادات – منتصف عام 1973- ، فقال لها إنه سيفرج عني بعد الحرب.. بعد المعركة. وأرسلت أم كلثوم إلي تخبرني بذلك، فأنا تصورت أنه يضحك عليها؛ لأن الحرب كانت تبدو بعيدة الوقوع قبل أكتوبر (تشرين الأول) 1973. ثم بدأت الحرب وانتهت، بعدها جاءني موسى صبري بداية عام 1974وأخبرني أن الرئيس اتصل به، وأنه سيفرج عني غدا، وأنني من الممكن أن أكتب مقالا للنشر في اليوم التالي. وبالفعل كتبت مقالا، ونشر، وتم الإفراج عني. ثم ذهبت إليه مع شقيقي المرحوم علي أمين في استراحته في الهرم لأشكره، وقال لي إنه كان ينوي الإفراج عني منذ ثلاث سنوات، وإنه وقع قرارا يقضي بالإفراج عني بالفعل، وأرسله إلى النائب العام، لكن بعدما وقعت القرار، جاءني صديق لك..
وهنا قال مصطفى أمين:
– مش حقول اسمه.
قال لي صديقك هذا إن مصطفى أمين يعقد في السجن يوميا اجتماعات مع علي صبري وسامي شرف، وإنهم يعدون كتابا أسود عنك. وسألت نفسي: ما الذي يجمع الشامي والمغربي؟ لكن بخبرتي بالسجن كنت أعرف أن هناك أناسا تحدث لهم تحولات غير متوقعة في السجن، ولا بد أن مصطفى أمين جرى له مس. ورفعت سماعة التليفون واتصلت بالنائب العام، وطلبت منه وقف القرار.
ثم قال السادات إنه استدعى ممدوح سالم وزير الداخلية بعد شهرين وقال له: ما هذه الفوضى في السجون، كيف يجتمع مصطفى أمين وعلي صبري وسامي شرف يوميا وأنت لا تدري؟ وهنا قال ممدوح سالم: يا سيادة الرئيس إن مصطفى أمين مسجون في ليمان طرة، وسامي شرف وعلي صبري في سجن مزرعة طرة والمسافة بينهما ستة أميال والاتصال مستحيل.
ثم قال السادات لي إنه عاد فقرر الإفراج عني، ولكنه فوجئ بأن هذا الشخص جاء مرة أخرى وقال: إن السفير الروسي نما إلى علمه قرار الإفراج عن مصطفى أمين. وإنه قال إن ذلك فيما يبدو تم بالاتفاق مع أميركا وإن الاتحاد السوفياتي كان قد وعد ببعض النوعيات الحديثة من الأسلحة، ولكن في حالة الإفراج عن مصطفى أمين فلن يتم الوفاء بهذه الوعود. وهنا قال السادات إن الحاجة إلى الأسلحة أهم بكثير، وليظل مصطفى أمين في السجن، المدهش أن الشخص الذي كذب في المرة الأولى، هو الشخص نفسه الذي قال هذه الواقعة في المرة الثانية..
أنا أشك أن السفير الروسي قال هذا، خاصة وأن الذي كذب في المرة الأولى، من الممكن أن يكذب في المرة الثانية.
طبعا ضقت من هذا. كيف يقول الرئيس إنني بريء.. وسعيد فريحة كتب هذا في جريدة «الأنوار»؟ كيف صدق السادات بسرعة كل ما يقال له، ولا شك أن هذا من عيوبه، أن يصدق بسرعة كل ما يقال له، وألا يتحقق من الأمر نفسه.
المهم أنه قال لي: خذ إجازة لمدة شهر وبعد عودتك تعال لنلتقي..
قلت له: إنني من الممكن أن أبدأ عملي على الفور..
قال: إذن.. اذهب إلى «أخبار اليوم».. واجلس في حجرتي.
فسألت بدهشة:
– حجرتك.. أي حجرة؟
فقال: إنه حدث عام 1969 أن أصدر الرئيس عبد الناصر قرارًا بأن أشرف على «أخبار اليوم»، وذهبت بالفعل، وبدأت أبحث عن حجرة لأمارس من خلالها نشاطي، ولكن المحررين حذروني بشدة:
– إياك وهذه الحجرة.. احذر أن تجلس فيها.. إنها غرفة نحس؟

العدد المقبل: الحلقة الثانية

مصطفى أمين ومن خلفه دار اخبار اليوم
مصطفى أمين ومن خلفه دار اخبار اليوم
Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.