باكورة ميزانيات «رؤية 2030»عجز أقل وإنفاق أعلى... وعملية جراحية للطاقة وسوق العمل

%d8%ae%d8%a7%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%85%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d9%81%d9%8a%d9%86-%d9%84%d8%af%d9%89-%d8%aa%d8%b1%d8%a4%d8%b3%d9%87-%d8%ac%d9%84%d8%b3%d8%a9-%d9%85

• التخطيط لزيادة الإنفاق إلى 890 مليار ريال من 825 مليارًا بما يعني رفع الإنفاق على البنية التحتية بشكل خاص بنسبة 69 في المائة

جدة: معتصم الفلو

[blockquote]لم تأت الميزانية السعودية الجديدة لعام 2017 إلا حلقة في سلسلة «رؤية 2030» مع إطلاق رسمي لما اصطلح على تسميته «التوازن المالي»، أي الوصول إلى موازنة تتعادل في الإنفاق والدخل بحلول عام 2020. فيما جاءت المفاجأة بزيادة الإنفاق، وبخاصة على المشروعات ذات الجدوى الاقتصادية لدعم النمو، وكذلك البدء في إنشاء صندوق لتحفيز القطاع الخاص بقيمة 200 مليار ريال حتى 2020.

كما شهدت الميزانية إدخال مفاهيم جديدة مثل «الدعم المباشر» للمواطنين عبر «حساب المواطن»، للحد من آثار الرفع التدريجي لأسعار الطاقة والمياه، وكذلك تطبيق ضريبة «المنتجات الضارة» مثل المشروبات الغازية والتبغ ومشروبات الطاقة، وأيضًا فرض «المقابل المالي للوافدين»، أي فرض رسوم على الشركات التي يزيد فيها عدد الموظفين غير السعوديين عن نظرائهم من المواطنين.[/blockquote]

آتت إجراءات الترشيد التي اتخذت خلال العام الماضي أكلها، بانخفاض العجز إلى 297 مليار ريال (79 مليار دولار) في 2016، مقارنة بالعام السابق عندما بلغت 367 مليار ريال (97.86 مليار دولار). وكانت تقديرات ميزانية 2016 تشير إلى عجز قدره 326 مليار ريال (86.9 مليار دولار)، أي أن العجز الحقيقي أتى أقل من المتوقع بنحو 29 مليار ريال (7.73 مليار ريال).

أما إيرادات 2016، فإنها ارتفعت بشكل طفيف عن المتوقع، إذ بلغت 528 مليار ريال (140.8 مليار دولار) بدلاً من 514 مليار ريال (137 مليار دولار)، أي 14 مليار ريال (3.8 مليار دولار) تقريبًا.

أما النفقات الفعلية، فقد انخفضت إلى 825 مليار ريال (220 مليار دولار) عما كان مقدرًا بمعدل 1.8 في المائة، أي عند 840 مليار ريال (224 مليار دولار)، وهي أقل من مصروفات 2015 الفعلية التي وصلت إلى 978 مليار ريال (260.8 مليار دولار)، وهو ما يدل على قدرة جيدة على التحكم بمسار الإنفاق وعدم تجاوزه الحدود المرسومة مسبقًا.

وبالنسبة للنمو، فقد تباطأ، حيث بلغ 1.4 في المائة في 2016، هبوطًا من 1.8 في المائة في العام السابق، ولكنه جاء أفضل من توقعات صندوق النقد الدولي التي كانت عند حدود 1.2 في المائة. وكان من أهم أسباب ذلك تقليص رواتب أجور القطاع العام وتجميد عقود حكومية بقيمة تريليون ريال (266 مليار دولار)، إلى جانب إصلاح أسعار الطاقة والمياه، مما أدى إلى تشدد القطاع الخاص في اتخاذ قرارات التوسع.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الأحمد لـ«المجلة»: «بدأ العام ثقيلاً على الاقتصاد السعودي بضغط من أسعار النفط، فمتوسط خام (أوبك) بلغ 26.5 دولارًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، ولم يتمكن من الوصول إلى مستوى 50 دولارًا إلا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بعيد اتفاق دول (أوبك) والمنتجين من خارجها على خفض الإنتاج مع مطلع العام الجاري. وبالطبع، انعكس ذلك على الميزانية ومعدلات الدين والاحتياطات النقدية. ولو أن السنة بدأت كما انتهت، لربما خرجنا بميزانية متعادلة، ولكن ذلك لم يحصل!».

أما الإيرادات غير النفطية، فقد قفزت إلى 38 في المائة، لتصل إلى 199 مليار ريال (53 مليار دولار) عام 2016، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ المالية السعودية، رغم أن التوقعات كانت عند حدود 181 مليار ريال (48.3 مليار دولار)، فيما كانت 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في العام السابق.

ووفقًا لأحدث إحصاءات مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) في أواخر ديسمبر الماضي، انخفضت الاحتياطات النقدية بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي، إلى 2.019 تريليون ريال (538.4 مليار دولار) في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، هبوطًا من 2.383 تريليون ريال (635.5 مليار دولار) في الفترة المقابلة من 2015، لتفقد 364.1 مليار ريال (97.1 مليار دولار) خلال عام.

ويضيف الأحمد في هذا السياق: «قبيل نهاية العام الماضي، جرى سداد نحو 100 مليار ريال (26.7 مليار دولار) للمقاولين ومزودي الخدمات والسلع للقطاعات الحكومية، وشكل هذا الأمر ضغطًا على الاحتياطات، فيما تجري تهيئة 30 مليارًا أخرى (8 مليارات دولار) لسدادها خلال أول شهرين من السنة الحالية، وفقًا لما صرح به وزير المالية محمد الجدعان».

أما بالنسبة للديون الخارجية، فقد أظهر تحليل وحدة التقرير في الزميلة «الاقتصادية»، نشر في ديسمبر الماضي، ارتفاع مجمل الدين العام إلى 342.4 مليار ريال (91.3 مليار دولار)، فيما بلغ حجم الدين الخارجي نحو 103.1 مليار ريال (27.5 مليار دولار)، تشكل نحو 30 في المائة، مقابل 239.3 مليار ريال (63 مليار دولار) كديون محلية تمثل النسبة الباقية البالغة 70 في المائة. وهكذا، يصبح حجم الدين العام 14.1 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، وهو ضمن الأقل عالميًا، في مقابل 5.9 في المائة من مجمل الناتج لعام 2015.

وحول أرقام الدين، يوضح الأحمد: «صحيح أن أرقام الدين زادت خلال العام الماضي، وشكلت نحو 14 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي، لكن الاقتصاد السعودي لا يزال بعيدًا عن معدل 86 في المائة من الناتج المحلي مطلع الألفية الجديدة، ولا يزال أبعد عن معدلات الاقتصادات الكبرى مثل اليابان (250 في المائة) والولايات المتحدة (108 في المائة)».

وكان من أبرز إجراءات تعزيز الشفافية المالية في البلاد إنشاء مكتب إدارة الدين العام بوزارة المالية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ لإدارة الدين العام بمزيد من الاحترافية عبر تطوير سوق أدوات الدين الحكومية بشقيه الأولي والثانوي. ومن المقرر تسجيل وإدراج وتداول إصدارات الدين العام عبر منصة السوق المالية السعودية «تداول» بشكل تدريجي.

وبالنسبة للضغوط التضخمية على الاقتصاد، توقع تقرير «ساما» الأخير نسبة التضخم لعام 2016 بين 3.8 و4.3 في المائة، مقابل 2.2 في المائة للعام السابق.

أرقام العام الجديد

لعل أكثر نقاط الميزانية الجديدة إشراقًا هو التخطيط لزيادة الإنفاق إلى 890 مليار ريال (237.33 مليار دولار) من 825 مليارًا (220 مليار دولار) كإنفاق فعلي لعام 2016، بما يعني رفع الإنفاق على البنية التحتية بشكل خاص بنسبة 69 في المائة. فيما تتوقع الميزانية ارتفاع الإيرادات النفطية بنسبة 46 في المائة إلى 480 مليار ريال (128 مليار دولار).

أما العجز المتوقع لميزانية 2017. فإنه عند حدود 198 مليار ريال (52.8 مليار دولار)، مقابل عجز فعلي 297 مليار ريال (79 مليار دولار) في 2016.

وحول ما يتعلق بتقديرات النمو، فإنها تظل عند حدود اثنين في المائة، وفقًا لما يجري تداوله في الدوائر الاقتصادية الرسمية. وصحيح أنها أعلى من نسبة نمو 2016، إلا أنها تبقى دون النسب المحققة في السنوات العشر الأخيرة.

الخبير المالي خالد الموسى يشرح في حديثه إلى «المجلة»، أن الأرقام الواردة بنيت على تنبؤات بارتفاع أسعار النفط وتعظيم الإيرادات غير النفطية. فاندفاعة الأسعار أواخر العام الماضي، منحت صناع القرار جرعة من الثقة في إمكانية الحصول على إيرادات أفضل خلال عام 2017. ويضاف إلى ذلك، أن التحرير الجزئي لأسعار الوقود والمياه مع رفع بعض الرسوم على التأشيرات والتراخيص البلدية، ساهم في تعزيز الإيرادات غير النفطية.

ويبقى تمويل العجز من بين الملفات الأكثر حضورًا على طاولة صناع القرار المالي في البلاد. وبحسب الأمين العام للجنة المالية في الديوان الملكي السعودي محمد التويجري، فإن المملكة تخطط لاقتراض ما بين 10 و15 مليار دولار من الأسواق العالمية ونحو 70 مليار ريال من السوق المحلية العام الجاري.

وحول توقيت إصدار السندات، يوضح وزير المالية محمد الجدعان أنه من المتوقع استئناف إصدار السندات بالعملة المحلية في الربع الأول من 2017، مع التأكيد على ألا تؤثر الإصدارات على احتياجات القطاع الخاص للتمويل أو على السيولة بالقطاع المصرفي.

التوازن المالي

بالتزامن مع صدور الميزانية الجديدة، أطلقت الحكومة السعودية للمرة الأولى في تاريخها برنامج التوازن المالي، الذي يهدف إلى تحقيق ميزانية متوازنة، تتساوى فيها الإيرادات والنفقات، بحلول عام 2020. ويسعى هذا البرنامج لإعادة هيكلة المالية العامة للدولة، بأسلوب أكثر كفاءة، عبر ترشيد الإنفاق الحكومي وتركيزه على المشاريع ذات الجدوى التنموية الحقيقية، إلى جانب ترشيد الإنفاق التشغيلي المتصل بعقود الصيانة والإدارة للمشاريع أو الخدمات القائمة. وتتوقع الحكومة توفير نحو 70 مليار ريال (18.7 مليار دولار) على مدار السنوات المقبلة على شكل توفير تصاعدي، يصل إلى 21.4 مليار ريال سنويًا بحلول 2020. ويتضمن البرنامج تحريرًا تدريجيًا لمنتجات الطاقة والمياه، حتى تواكب الأسعار العالمية بعد 4 سنوات. ويتضمن التوازن المالي فرض ضريبة على استهلاك السلع الضارة، إلى جانب البدء في تطبيق ضريبة القيمة المضافة. كما يشمل استحداث ضرائب على العمال الوافدين ومرافقيهم.

تحرير الطاقة وحساب المواطن

تهدف الحكومة إلى توفير 209 مليارات ريال (55.73 مليار دولار)، ابتداءً من 2017 وحتى 2020 عبر التحرير التدريجي لأسعار الطاقة والمياه للوصول إلى الأسعار العالمية. وتدرس الحكومة حاليًا ربط أسعار البنزين والديزل بأسعار التصدير المرجعية وتطبيقها خلال 2017 - 2020.

ويطرح تحرير أسعار الطاقة والمياه إشكالية تزايد الأعباء المعيشية على المواطنين من خلال تزايد التكلفة على المنتجين ومزودي الخدمات، الذين سيحملون المستهلك كل الزيادات. ومن أجل التخفيف من الآثار التضخمية، استحدثت الحكومة ما يسمى «حساب المواطن» الذي تقوم فكرته على منح الأسر أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط إعانات نقدية حكومية. ومن المقرر أن تكون قيمة البدلات النقدية متحركة، مع مراجعتها دوريًا من أجل مواكبة التغيرات في أسعار الطاقة وأي إصلاحات أخرى قد تزيد العبء على الأسر ذات الدخل المنخفض والمنخفض المتوسط، التي سيحصل أصحابها على دعم كلي، أما الأسر ذات الدخل المتوسط والمتوسط المرتفع، فإنها ستحصل على دعم جزئي، أما أصحاب الدخل المرتفع فلن يحصلوا على أي دعم. وسيبدأ التسجيل في البرنامج خلال فبراير (شباط) المقبل، وسيحصل المستحقون على الدعم عبر حساب «المواطن» قبل زيادة أسعار الطاقة. وتسري توقعات أولية أن يبلغ إجمالي البدلات ضمن البرنامج نحو 60 - 70 مليار ريال بين 2017 و2020.

وحول تحرير الطاقة، يعلق الخبير عبد الرحمن الأحمد: «من المبكر جدًا التنبؤ باستجابة آليات السوق، وبالتالي تأثر السلع والخدمات، بتصاعد أسعار الطاقة في بلد اعتاد تقليديًا على اعتبار الطاقة إنتاجًا محليًا متوفرًا بأرخص الأسعار. ولكن يبدو أن الحكومة ماضية جديًا في تحرير أسعار الطاقة والمياه، وعدم الانتظار أكثر من ذلك. ومن المقرر أن يكون التحرير شبيهًا بما حصل في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل أعوام عندما جرى تحرير أسعار البنزين والديزل عبر تحديد تسعيرة، يعاد النظر فيها مرة واحدة كل شهر».

ضريبة السلع المنتقاة

من المقرر أن يبدأ فرض ضريبة السلع المنتقاة في الربع الثاني من عام 2017، وهي خاصة بالمنتجات التي تتسبب في أضرار على الصحة، كمشتقات التبغ التي ستبلغ ضريبتها 100 في المائة،‏ والمشروبات الغازية 50 في المائة، ومشروبات الطاقة 100 في المائة، كما يمكن أن تتوسع لتشمل الأطعمة التي تتسبب في انتشار السمنة ومرض السكري.

أما ضريبة القيمة المضافة، فإنها ستشمل جميع المنتجات والخدمات، وتبلغ قيمتها 5 في المائة من قيمة المنتج، مع إعفاءات لا تتجاوز 100 منتج فقط من السلع الأساسية. ومن المقرر تطبيقها في الربع الأول من عام 2018.

المكافئ المالي

وسترفع الحكومة المكافئ المالي الذي تدفعه شركات القطاع الخاص على عدد الموظفين غير السعوديين الزائد عن عدد نظرائهم السعوديين في كل منشأة، والبالغ حاليًا 200 ريال شهريًا. وعلى سبيل المثال، سيزيد المكافئ المالي الذي تدفعه الشركات عن كل عامل أجنبي، يزيد على عدد السعوديين إلى 400 ريال شهريًا، اعتبارًا من يناير 2018، وإلى 600 ريال شهريًا في 2019، و800 ريال شهريًا في 2020.

وإذا كانت العمالة الوافدة تقل عن عدد العاملين السعوديين، فسيبلغ المكافئ المالي الذي تدفعه الشركات عن كل عامل يقل عن عدد السعوديين 300 ريال شهريًا، اعتبارًا من يناير (كانون الثاني) 2018، على أن يصل إلى 500 ريال شهريًا في 2019، و700 ريال شهريًا في 2020.

ولن يقتصر الأمر على ذلك، إذ ستفرض رسوم حكومية على مرافقي ومرافقات العمال الوافدين، أي على أفراد عائلاتهم، إذ إنه سيجري تطبيق رسوم قدرها 100 ريال شهريًا، اعتبارًا من يوليو (تموز) المقبل عن كل فرد مرافق للعمالة الوافدة في القطاع الخاص. وسيرتفع المقابل إلى 200 ريال شهريًا عن كل مرافق في يوليو 2018، وإلى 300 ريال شهريًا عن كل مرافق في 2019، و400 ريال شهريًا في 2020.

فمثلاً، سيدفع الوافد إذا كان عدد أفراد أسرته 4 أشخاص 400 ريال (106.7 دولار) شهريًا، أي 4800 ريال (1280 دولارا) سنويًا ابتداءً من منتصف عام 2017، وصولا إلى 1600 ريال (426.6 دولار) شهريًا، أي 19200 ريال (5120 دولارا) سنويًا.

وإذا ما جرى تطبيق هذه الخطوة، فإن تكلفة العامل الأجنبي سترتفع إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ سوق العمل السعودية. وسوف تزيد الأعباء بشكل هائل على الشركات التي لديها أعداد كبيرة من الموظفين غير السعوديين. وقد أثار ذلك بعض المخاوف في أوساط القطاع الخاص، التي تخشى على فقدان الميزة التنافسية للمنتج السعودي مع التحرير التدريجي لأسعار الطاقة وزيادة الرسوم على العمالة الوافدة، حيث سيضطر كثير منهم إلى مغادرة البلاد أو إرسال ذويهم إلى بلادهم الأصلية. ولكن، يبقى الحكم مبكرًا على مدى تأثير هذا الإجراء، سيما أنه يحفز القطاع الخاص على الاستعانة بشكل أكبر بالمواطنين السعوديين.

ويبدو أن العام الجاري سيكون مختلفًا عن الأعوام السابقة من حيث إدخال مفاهيم جديدة وممارسات لم يعتد عليها المواطنون أو المقيمون من قبل. وفي جميع الأحوال، فإن ضعف أسعار النفط أرخى بظلاله على الميزانية ومعها سياسات الدعم السخي في الأعوام السابقة، ليبدأ عصر جديد تجسده «رؤية 2030» التي تقوم على نهج مختلف، فيما ينتظر المواطنون حصادها ويراقبون تأثيراتها وتقدمها، خطوة بخطوة.


اشترك في النقاش