لعبة الإعلام الأميركي بعد أوباما - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

لعبة الإعلام الأميركي بعد أوباما

630103830

بقلم: إيلي فواز

لم يكن أحد يتوقع أن ينتخب الأميركيون دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية. كل التوقعات وحتى التمنيات كانت تميل بشدة نحو مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون.
انشغل العالم بمحاولة فهم ما جرى في هذا اليوم الأميركي الطويل، إن كان داخل أميركيا أو خارجها ومن ثم سعى الكثيرون إلى الإجابة عن السؤال الأهم ما يمكن أن تعنيه رئاسة ترامب، خاصة فيما يتعلق للداخل الأميركي كما فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة العالمي الذي كان قوضه بشكل كبير الرئيس أوباما، مع العلم أن الرئيس المنتخب لا يملك أدنى خبرة في الحكم، فهو على عكس الرؤساء السابقين لم يمارس أي مهام سياسية أو إدارية ولم يخدم في الجيش الأميركي.

معظم الأجوبة التي طرحها الخبراء على الرأي العام في محاولة تفسير نجاح ترامب قد تكون في مجملها مقنعة.
البعض فسر انتخاب ترامب على أنه ثورة على «الإيستابليشمنت» السياسي التي تمثلها كلينتون. بمعنى آخر خيار ترامب جاء اعتراضا على السياسات الأميركية الداخلية الاقتصادية، والاجتماعية التي اتبعها أوباما، ومنها الـ«أوباما كير»، أي السياسة الصحية التي يجدها البعض مكلفة جدا وغير فعالة، وكان ترامب وعد الأميركيين بإلغائها، واستبدالها بحلول تقدمها السوق الحرة الأميركية. وفي هذا الخيار للناخب الأميركي دليل على رفضه لنهج أوباما الذي أعلن مرارا أن انتخاب المرشحة كلينتون هو بمثابة ولاية ثالثة لحكمه.
ومن الأسباب التي جعلت الأميركيين يتفاعلون مع ترامب موقفه من الإرهاب وكلامه عن منع المسلمين دخول الولايات المتحدة، مع العلم أنه عاد وسحب هذا الكلام من صفحته. ويأتي هذا التفاعل الأميركي مع مواقف ترامب المتشددة تجاه المسلمين نتيجة طبيعية للحملة الإعلامية المعادية للعرب والسنة والتي مولتها إيران من خلال صرف 950 مليون دولار على الإعلام الأميركي ودفعه إلى إلصاق تهمة التطرف بالعرب السنة تحديدا.

أيضا لاقى تركيز ترامب في حملته على العمالة غير القانونية، وعلى المشاكل المتأتية من الهجرة غير الشرعية صدى لدى الناخب الأميركي من ذوي الدخل المحدود، الذين يشعرون أن تردي أحوالهم المادية يعود تحديدا للمهاجرين الذين يسلبونهم معظم الوظائف.
كما لا يمكن أبدا التقليل من شعور الناخب الأميركي بأن قوة بلاده وهيبتها تراجعت بشكل كبير، من جراء سياسات الرئيس أوباما الخارجية، التي كانت تقودها كلينتون نفسها في وقت من الأوقات، والتي اتسمت بالضعف والضياع إن كان بالتعامل مع إيران في ملفها النووي، أو مع روسيا في أوكرانيا أو في سوريا، حيث إن لبوتين اليوم مفاتيح الحل والربط بشكل يناسب مصالحه وتحالفاته.
طبعا يبقى هناك تفاصيل الحملة الانتخابية، مثل التركيز على بعض الولايات دون الأخرى، وهناك شخصية المرشحة الديمقراطية التي لا يستسيغها كثير من الأميركيين إذ يعتبرونها غير محببة وباردة جدا.
أما العلامة الفارقة تكمن والدور السلبي الذي لعبه الإعلام الأميركي خلال الحملة الرئاسية والتغطية المنحازة للمرشحة الديمقراطية التي طبعته.

فالكلام اليوم عند كثر من المحللين يتمحور حول انهيار الصحافة الأميركية من خلال أمرين، الابتعاد عن الموضوعية ونشر استطلاعات للرأي تؤكد ومن دون أدنى شك على انعدام حظوظ المرشح الجمهوري بالفوز. وثانيا من خلال التركيز في الهجوم على الرئيس المنتخب ترامب على نواحٍ شخصية في حياته الخاصة أو أعماله، وأيضا التركيز على كلامه الصريح و«الوقح» قد يقول البعض مثلا حول الهجرة غير الشرعية من دون تناول برنامجه الاقتصادي أو السياسي بشكل خاص. فما كان يسمعه الناخب من ترامب خلال لقاءاته معه لم يكن له علاقة بما كانت تكتبه الصحافة وينقله الإعلام. فكان التركيز على حياته الشخصية وبعد ما قاله في حق النساء مثلا لم يحقق المطلوب إذ أن حياة منافسته العائلية لم تكن مثالية أبدا، وظل شبح فضائح زوجها الرئيس السابق بيل كلينتون يظهر بشكل عفوي كل ما جرى التجريح بالمرشح الجمهوري في الإعلام. فكانت مونيكا لوينسكي الحاضرة دائما عندما كانت الصحافة تتناول بعض ما قاله المرشح ترامب حول تعامله مع النساء.
كثر أيضا تحدثوا عن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الناخب الأميركي، وخاصة موقع «فيسوك». وتناولت الصحافة العالمية تأثير الأخبار التي نشرت على المواقع من أجل حث الناخب للاقتراع لهذا المرشح أو لذاك. وتبين أن المرشح دونالد ترامب استعمل مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة «فيسبوك» بشكل أكثر فعالية بكثير من الديمقراطية المرشحة هيلاري كلينتون.

فبحسب مدير حملة ترامب الرقمي براد بارسكال فإن «تويتر» و«فيسبوك» كان لهما الأثر الأكبر في إيصال ترامب إلى البيت الأبيض. طبعا من التوقع أن يرد كل من شارك في حملة المرشح الجمهوري أسباب نجاحه إلى مهامه وعمله ضمن الحملة، ولكن هناك دورا مهما لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في حملة ترامب. ولكن كيفية تأثيرها على قرار وخيارات الناخب ما زالت ضمن إطار التخمينات. ولكن أصبح من المعروف اليوم أن لـ«فيسبوك» الفضل الأكبر في استدرار الجزء الأكبر من التبرعات التي بلغ مجموعها 250 مليون دولار. كما بدا واضحا أنه في حين صرفت حملة كلينتون أكثر من 200 مليون دولار في الأشهر الأخيرة للحملة عبر إعلانات تلفزيونية، قررت حملة ترامب صرف نصف هذا المبلغ تقريبا على الإعلانات التلفزيونية وفضل التركيز على مواقع التواصل الاجتماعي حيث يعتقد خبراء حملته أن التواصل مع الناخب يكون مباشرة ومصمما حسب المتلقي ووفقا لمعلومات تتعلق به، حول شخصيته، أو آرائه، تبيعها الشركات المتخصصة لمن يريد.
من المعلوم أن مواقع التواصل الاجتماعي ولدت لدى الناس حس الاختصار. فالمتصفح لتلك المواقع يريد أن يحصل على أكبر عدد من المعلومات بأقل وقت ممكن، ويريد أيضا تكوين وجهة نظر من دون الدخول في تفاصيل الخبر، ومن دون حتى التأكد من صدقية المصدر الذي ينقل الخبر. ضاقت لدى متصفح المواقع الإلكترونية مدة التركيز، وحسب آخر الدراسات فهي لا تتعدى الثلاث دقائق للخبر.
من هنا كان ترامب الأكثر فعالية في مواقع التواصل نظرا لاستراتيجية الاستفزاز الذي اتبعها في بعض المواقف التي اتخذها، والتي أدت بطبيعة الحال إلى إشعال تلك المواقع بردود فعل منها مؤيد ومنها شاجب، وأجبرت حتى الصحافة على تناولها بعكس منافسته التي أرادت الظهور باتزان خلا من أي عاطفة. ببساطة عرف ترامب كيف يشغل فلك الإعلام. وهذا الأمر أثر بشكل أو بآخر على قرار الناخب، خاصة أن ما قاله ترامب حول تأثير العمالة مثلا أو الإرهاب، أو موضوع التجارة الحرة، أو حول الأميركيين المنسيين من قبل حكومتهم، لاقى صدى إيجابيا لدى شريحة واسعة من الناخبين. وتناقل تلك الأخبار أدى إلى ازدياد شعبية ترامب لدى شرائح واسعة من الأميركيين بعكس ما كان متوقعا. فبنهاية المطاف أميركا لا تختصر بليبرالية نيويورك، أو ثقافة واشنطن على سبيل المثال لا الحصر.

كما كان واضحا ومع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية بث أخبار مختلقة ومن دون أي صدقية، كدور لكلينتون في اغتيال جون كيندي الابن الذي كان بدأ يسطع نجمه في نيويورك، أو كخبر تبني البابا فرنسيس ترشيح ترامب لحث الكاثوليك على انتخابه. تلك الإشاعات تركت تأثيرا لدى المتصفح، لم تنفع معه تكذيبات من هنا أو هناك حول عدم صحة تلك الأخبار.
ستبقى محاولات فهم ما جرى في اليوم الأميركي الطويل الذي أتى بترامب رئيسا للجمهورية متواصلة خاصة مع تبيان ودراسة الأرقام بشكل دقيق. المهم أن مواقع التواصل الاجتماعي كان لها تأثير نوعي على مجريات الانتخابات. على كل الأحوال لم تتوقف الصحافة المعارضة لانتخابه عن الحملات ضده، أي قرار أو أي تعيين يتعرض مباشرة للانتقاد، وكأن من يريد محاصرة عهد ترامب أو جعله صعبا جدا، يكون من خلال تأليب الرأي العام عليه. ولكن دون ما تمثله تلك الاستراتيجية من مخاطر، إذ سيزيد الانقسام الأميركي عرقيا وسياسيا إذا ما استمرت الحملات على ترامب. المهم أن ترامب اليوم رئيس، والتكهنات حول عهده كثيرة، وهي تبقى في دائرة التكهنات، فما كان خلال الحملة ليس كما بعده لأنه وعلى حد القول الشائع «روما من فوق ليست كما روما من تحت».

Previous ArticleNext Article
إيلي فواز
كاتب ومحلل سياسي وباحث اكاديمي ،مستشار في وسائل الإعلام والاتصالات اللبنانية. يكتب عمودا أسبوعيا في "لبنان الآن" و"ديللي ستار".شارك في تأليف كتاب "لبنان: التحرير والصراعات والأزمات في الشرق الأوسط (تحت المجهر)".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.