• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مدوّنات

خارج الصندوق: الجماعات الإرهابية تجتذب أتباعها بأساليب غير دينية

بقلم: جوزيف براودي

تشير دراسة حديثة أجرتها مؤسستان بحثيتان في الخليج إلى أن الجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط تجتذب أتباعها على نحو متزايد بأساليب أخرى إلى جانب معتقدها الديني. كشفت الدراسة، التي اعتمدت على أشمل مسح لوسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالإرهابيين باللغة العربية حتى تاريخه، أن حجج القتل الجماعي القائمة على أدلة نصية دينية مذكورة بنسب أقل كثيرا في خطاب الإرهابيين من الدعوات العاطفية العادية التي تستغل مشاعر السخط الاجتماعي الاقتصادي.

ألهمتني هذه النتيجة المهمة إلى التفكير «خارج الصندوق»، وطرح الأسئلة التالية: هل هناك متخصصون دوليون في مجالات أخرى إلى جانب ما يسمى «التطرف الديني» – ربما لم يعملوا في السابق في الشرق الأوسط – ممن يملكون أفكارا بشأن العنف المنظم والذين يمكن أن يضيفوا قوة إلى محاولات مكافحة الإرهاب في صورتها الحالية؟ إن وُجدوا؛ هل يمكن أن تستفيد مبادرات مكافحة الإرهاب النابعة من الداخل في المنطقة العربية من خبراتهم؟
قمت بإجراء مجموعة من اللقاءات ووجدت إجابة، وشعرت بدافع لإنتاج فيديو باللغتين العربية والإنجليزية لشرح الأمر لكل من الجمهور العربي والدولي. وهو بعنوان: «خارج الصندوق»، يمكن مشاهدته عبر الرابط التالي:

يركز الفيديو على أن نوعا مختلفا من الجريمة المنظمة – عصابات الجريمة المنظمة مثل المافيا الإيطالية ومهربي المخدرات الكولومبيين وعصابات الشوارع في الأميركتين وفي جميع أنحاء العالم – لديه قواسم مشتركة مع ما يسمى الجماعات «الإرهابية» على نحو أكثر من المتوقع. كل الجماعات المذكورة تعتنق آيديولوجيات خاصة بها. وكلها تدعي أن منطقة ما ملك لها، وتستطيع أحيانا إدارتها والسيطرة عليها وكأنها دولة مستقلة. كما تستخدم جميعها أيضا وسائل التواصل الاجتماعي لشن حرب كلامية وإثارة العنف وتجنيد تابعين. وبالنسبة لكل تلك الجماعات، لا يعد العنف وسيلة لتحقيق غاية؛ بل يمكن أن يكون غاية في حد ذاته.

عمل هيث غرانت، أستاذ في كلية جون جي للعدالة الجنائية في نيويورك، في 13 دولة في أربع قارات لمواجهة مد الجريمة المنظمة، ليس عبر القمع الأمني، ولكن من خلال العمل المدني. في لقاء أجريناه معه مؤخرا، أعرب عن رأيه بأن الدروس التي استخلصها على مدار عمله ربما تنطبق على الشرق الأوسط بقدر ما تنطبق على مناطق أخرى عمل بها في العالم: «حيثما يوجد الإرهاب أو الجريمة المنظمة أو الفوضى، تحتاج إلى شرطة أمينة لتملأ الفراغ؛ كما تحتاج إلى مجتمع ملتزم بسيادة القانون ليخفف العبء عن الشرطة؛ كما تحتاج إلى فرص للشباب ليعيشوا حياة يغلفها الأمل والثبات. هذه التحديات لا ينفرد بها العالم الإسلامي. إنها تحديات عالمية».

أوضح غرانت أن نشطاء المجتمع المدني في كثير من الدول استعانوا بالتعليم والتنمية الاقتصادية وإرساء الشراكات بين الدولة والمجتمع لتقويض الجريمة بتشجيع «ثقافة الالتزام بالقانون. إنها مهمة صعبة، تتطلب دعما من قطاع الأمن المحلي والمدارس والمجتمع ككل – ولكنها أثبتت نجاحها».
كان الغرض من الفيديو الربط بين مجموعة من النماذج الناجحة لتشجيع «ثقافة الالتزام بالقانون» بالإضافة إلى توفير منصة لمعرفة المزيد بشأن النماذج وحتى التواصل مع الأطراف التي اشتركت في تنفيذها. لذلك هو فيديو تفاعلي في نهايته جزء يقدم للمشاهد خيارات «للنقر» عليها.

مما شجعني على مدار الأيام العشرة الأولى منذ نشر الفيديو على موقع «يوتيوب» أنني وجدت مشاركين يشاهدون الفيديو من أكثر من 60 دولة، منها جميع البلدان العربية وخاصة من دول ألحقت بها الحرب الأهلية أكبر قدر من الدمار. وفي الوقت ذاته، في أميركا وأوروبا قامت منظمات لا تستهدف الربح وحتى شركات إنتاج برامج ترفيهية بنشر الفيديو.

أعرب آلان لوكسنبرغن رئيس معهد أبحاث السياسات الخارجية في فيلادلفيا عن رأيه بشأن تحول الأمر بتلك الطريقة، حيث قال: «هذا الفيلم مهم لأنه يدرس أفكارا من مجتمعات كثيرة مختلفة. يمكنك أن تشاهده للحصول على فكرة عامة ثم تستخدم القسم التفاعلي لتعرف المزيد وتتصل بالأطراف المشاركة. وفي زمن الإفراط المعلوماتي، يمكن لمثل تلك الفيديوهات أن تلخص الأفكار المعقدة وتجعل من السهل العمل عليها».

في رأيي، المهم هو مشاهدو الفيديو من كل دولة – والأهم الأفكار التي يقدمونها. في البلدان العربية، لا يعرف كثيرون بشأن التجارب التي تمت في أميركا اللاتينية وجنوب أوروبا وغيرها من المناطق التي يمكن أن تمنح لهم الأمل والإلهام. وخارج الشرق الأوسط، لا يدرك كثيرون أن بعض الدول العربية تبذل جهودا مبهرة في مجال موازٍ.
أرجو أن يُحفز هذا الفيلم القصير على إرساء شراكات عالمية جديدة لتقويض الإرهاب من خلال العمل «خارج الصندوق».

Previous ArticleNext Article
جوزيف براودي
كاتب ومحلل سياسي متخصص في شؤون المجتمعات العربية،وباحث في مركز المسبار للدراسات والبحوث. آخر كتبه،"الموتى المحترمون" ("The Honored Dead") من اصدار "راندوم هاوس" للنشر. قد نُشرت مقالاته في النيو يورك تايمز والوول ستريت جورنال وغيرها من الجرائد والمجلات الأمريكية، بينما تُبث برامجه الوثائقية في الراديو الوطني الأمريكي. يمكن متابعته في تويتر على عنوان @josephbraude.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.