• العدد الأسبوعي
شؤون سياسية

نساء يثرن الرعب في قلوب «داعش»

نساء القوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»
نساء القوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»
نساء القوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»

«المجلة» تزور معسكر «قيادة قوات 70» في السليمانية وتلتقي قيادات بمقر الفوج النسائي
صور وشهادات حصرية لمجندات كرديات تحدثن عن المساواة من باب «حمل السلاح»
• والدة أول شهيدة من قوات البيشمركة في الحرب على «داعش» تروي لـ«المجلة» كفاح ابنتها النقيب رنكين يوسف وكيف قتلت؟
• العقيدة ناهدة أحمد رشيد لـ«المجلة» : الكرديات يقاتلن إلى جنب الرجال منذ نحو 20 عاما كقوة نظامية
• فوج النساء في قوات البيشمركة محاربة هذا التنظيم الإرهابي وقدمت أعداد كبيرة من النساء طلبات التطوع للفوج
• قيادية بقوات البيشمركة: عناصر تنظيم «داعش» يخشون قتال النساء ويخافون أن يقتلوا على أيديهن خوفا من عدم دخولهم الجنة
• «داعش» يدرك أن المقاتلات الكرديات يفضلن الانتحار على أن تنتهك كرامتهن..


أربيل: روشن قاسم

امرأة من قوات البيشمركة تقف خلال تدريبات عسكرية. (غيتي)
امرأة من قوات البيشمركة تقف خلال تدريبات عسكرية. (غيتي)

«أراها أكثر بعدما رحلت، أحضنها وأسلم عليها كل صباح، لقد فشل (داعش) في حرماني من رنكين.. إنها شعلة ما زالت تنير طريقي لأبلغ ما بلغته.. لا تتعجبوا؛ فليس غريبًا أن يكون الأبناء مثلا أعلى للآباء»..
هذا الكلام للمقدم نسرين، التي شاركت مع ابنتها رنكين، ضمن فوج النساء البيشمركة في الحرب على «داعش». تسرد نسرين لـ«المجلة» حكاية النهاية العظيمة، قائلة إن ما يقدمه الشعب الكردي من تضحيات ليس قليلا، ولكن الهدف أيضا عظيم، فهو يقدم أفضل أولاده في سبيل الحرية؛ الأهداف العظيمة تتطلب أولادا عظماء»

تبدأ نسرين في تذكر ابنتها النقيب رنكين يوسف، وهي نائب آمر فوج النساء في قوات البيشمركة، الموجود في محور كركوك – داقوق، في أول أيام عيد الأضحى، الموافق للرابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2014، وخلال المعارك مع تنظيم داعش، والمواجهات بالأسلحة الثقيلة في المواقع الأمامية بـ«كازا».. «أصيبت بشظية في رأسها عقب قصف لـ(داعش) بالهاونات على موقع البيشمركة، ونقلت إلى المستشفى حيث فارقت الحياة، لتكون أول (شهيدة) من قوات البيشمركة في الحرب على (داعش)».

وتضيف نسرين: «رنكين كانت فتاة جريئة وشجاعة وعندما تم تكليف جزء من قوة نساء بيشمركة كردستان بالقتال في الجبهات الأمامية جنوب كركوك ضد (داعش)، كانت – كعادتها دائما – على استعداد لخوض أي معركة، خاصة ضد إرهابيي (داعش) في أية بقعة من كردستان، فبعد جريمة شنكال وسبي فتياتنا الإيزيديات كانت رنكين كما غيرها من مقاتلات البيشمركة لا يترددن في القتال ضد هؤلاء المجرمين»، مشيرة إلى أن «رنكين لم تكن قد أتمت بعد 23 عاما.. وهي أم لطفلتين، لكنها تمكنت رغم صغر سنها من أن تتولى منصب نائب آمر الفوج الذي يتكون من 500 مقاتلة».

امرأتان من وحدة الدفاع على  خط المواجهة في كوباني. (غيتي)
امرأتان من وحدة الدفاع على خط المواجهة في كوباني. (غيتي)

بطولات نساء كردستان

وتتابع: «نساء كردستان لسن أقل شجاعة من رجال الأكراد أو حرصا على الدفاع عن الوطن. ومشاركة المرأة الكردية في صفوف قوات البيشمركة يسبق حرب الأكراد مع (داعش) بعقود، إذ أسهمن في أغلب الثورات الكردية»، مشيرة إلى أنها التحقت بقوات البيشمركة في جبال كردستان عام 1979 وحملت مع زوجها ورفاقه السلاح في الحرب ضد نظام البعث الديكتاتوري، «وحتى اليوم لم يفارق كتفي السلاح، ورنكين ترعرعت في هذه الأجواء وعلى هذه المبادئ، إلا أنها تفوقت علي وعلى والدها وسبقتنا في معنى الفداء».

تختم نسرين حكاية النهاية العظيمة قائلة: «كنت معها في الجبهة، كنت أسعد عندما أتلقى الإطراءات من المقاتلات الأخريات عن جسارة رنكين وأن الخوف لا يستطيع التسلل إلى الشعور لديها، مهارتها في القنص كانت تفوق أقرانها من الرجال، في النهاية ليس هناك نصر حقيقي في أي معركة دون المرأة».. وتبتسم نسرين مؤكدة: «جميل أن نستشهد من أجل الحياة ضد الموت ضد (داعش)».

رنكين والعشرات من المقاتلات الكرديات أصبحن لغزا لدى العالم، لما أثبتنه من قدرات فائقة على حمل السلاح لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، وبسالتهن أثارت انبهار وفضول الإعلام العالمي فكتبت عنهن عشرات المقالات والتحقيقات المؤثرة والحماسية.

ولكن حمل المرأة للسلاح لم يكن غريبا على المجتمع الكردي بل ترافق مع مراحل حركة التحرر الكردي. ولم يكن «بعبع داعش» وبروباغندا الرعب مانعين للمقاتلات الكرديات من المواجهة، ربما كان الخطر على الوجود أكبر من رعب «داعش» وإرهابه ووحشيته وإجرامه، وسجلت بالفعل المقاتلات الكرديات جسارة ومهارات قتالية عالية المستوى.

امرأة من قوات البيشمركة على خط المواجهة.
امرأة من قوات البيشمركة على خط المواجهة.

السلاح لنشر فكرة المساواة

يعود تاريخ أول تشكيل رسمي للقوات الخاصة بالنساء، في إقليم كردستان ضمن البيشمركة إلى عام 1996 عندما تم تشكيل فوج مدرب من النساء في محافظة السليمانية بقرار من جلال طالباني تحت اسم «فوج النساء»، وللوقوف على هذه التجربة زارت «المجلة» معسكر «قيادة قوات 70» في محافظة السليمانية بإقليم كردستان، حيث مركز مقر الفوج النسائي ضمن المعسكر، والتقت آمر الفوج العقيدة ناهدة أحمد رشيد التي أوضحت في تصريحات لـ«المجلة» أن «فوج البيشمركة للنساء بدأت نواته الأولى 11/11/1996، وكانت بمثابة دخول المرأة مرحلة جديدة من نضالها»، مستدركة: «لكن مشاركة المرأة الكردية في صفوف قوات البيشمركة تسبق تشكيل الفوج بعقود من الزمن، إذ أسهمت في أغلب الثورات الكردية التي حدثت على مر التاريخ لا سيما في سبتمبر (أيلول) 1961، وانتفاضة عام 1991»، مشيرة إلى أن النساء الكرديات يقاتلن جنبا إلى جنب الرجال في تشكيلات البيشمركة منذ نحو 20 عاما كقوة نظامية، «واليوم أصبحن جاهزات ومستعدات لتأدية الواجب الذي يناط بهن في أي مكان وزمان بعد أن اجتزن الدورات العسكرية والتدريبية المختلفة لفنون القتال والتدريب على مختلف الأسلحة، وقد ساعد التدريب أيضا على إكسابهن الخبرة والانضباط من خلال الدروس النظرية والعملية وحتى التدريب على الطبابة والإسعافات الأولية».

وتشدد رشيد على أن «حمل السلاح بالنسبة لنا ليس فقط للقتال بل هو قلم لنشر فكرة المساواة بين الرجل والمرأة ولهذا فإن من ضمن مهام الفوج نشر الوعي». وأضافت رشيد أن نساء البيشمركة يساهمن في العديد من الأعمال الاجتماعية من خلال مشاركتهن في الفعاليات الرياضية والثقافية وحقوق الإنسان وتقديم المساعدات المختلفة لشرائح المجتمع.. «ولا بد أن أشير إلى أن المعسكر قد نال العديد من الجوائز والشهادات التقديرية لمساهماته المتعددة. كما قدم المعسكر مساعدات مالية ومواد غذائية للعوائل المتعففة في السليمانية والطلاب وذوي الدخل المحدود. وكذلك مساعدة عوائل المكون العربي المهجرة والعوائل السورية المهجرة. كل هذا ضمن البرامج الإنسانية لنساء البيشمركة».

النساء يطلبن للتطوع في قوات الفوج

وتشير العقيدة رشيد إلى أنه يتم إعداد المقاتلات من الناحية الذهنية والنفسية للحرب ضد داعش، إلى جانب التدريبات العسكرية. وأن مدربين عسكريين من قوات التحالف يشرفون على دورات لتدريب مقاتلات الفوج، وتم تكريم عدد من المشاركات في الدورات، وحصلن على عدة جوائز، وفي عدة مجالات وبشهادة مدربين غربيين فإن النساء تفوقن على الرجال في عدة اختصاصات، مشيرة إلى أن التدريب عادة يكون على حمل الأسلحة بأنواعها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، أما الرتب فتبدأ في الفوج من جندي صعودا إلى ضابط صف وضابط، وأعلى رتبة وصلتها منتسبات الفوج هي رتبة عقيد.

وتتابع قائلة: «مع بداية هجوم تنظيم داعش الإرهابي على إقليم كردستان، قرر فوج النساء في قوات البيشمركة محاربة هذا التنظيم الإرهابي لإبعاد شبحه عن مناطقنا، وقدمت أعداد كبيرة من النساء طلبات للتطوع في قوات الفوج، وما زال التطوع مستمرا حتى الآن، و الشروط المطلوبة في المرأة للانضمام إلى الفوج النسائي هي نفسها الشروط المطلوبة في الرجل الذي يريد الانضمام إلى قوات البيشمركة»، مؤكدة أن القوات النسوية مستعدة لتنفيذ أي مهام تكلف بها، «كما أن الفوج مكلف بحماية عدد من المناطق في السليمانية وتم إرسال قسم من مقاتلينا إلى منطقتي البشير وتازة في كركوك، كما تم إرسال فصيل آخر إلى جلولاء وخانقين والموصل، وتولينا عددا من المهام في حرس الحدود، فضلا عن وجودنا في نقاط التفتيش بالإضافة إلى حماية عدد من المستشفيات والبنوك والأماكن الخاصة بالنساء».

امرأة إيزيدية تتحدث و هي تدمع بعد لجوء العراقيون إلى تركيا هربا من هجوم قوات تنظيم داعش. (غيتي)
امرأة إيزيدية تتحدث و هي تدمع بعد لجوء العراقيون إلى تركيا هربا من هجوم قوات تنظيم داعش. (غيتي)

الاضطهاد القومي

وتلفت رشيد إلى أن عناصر تنظيم داعش «يخشون قتال النساء، ويخافون أن يقتلوا على أيدي النساء، لأنهم يعتقدون أنهم إذا قتل أحدهم على أيدي امرأة فلن يدخل الجنة، لذلك فهم يتخوفون من قتالنا، إلا أن مقاتلاتنا على استعداد تام لمواجهتهم ومجابهتهم بكل قوة، وقمن بقتالهم في عدة محاور وجبهات وقدمن ضحايا في المعارك التي دارت مع التنظيم المتطرف، رغم إرسال (داعش) رسائل تهديد لمقاتلات البيشمركة».
وتختم آمر فوج النساء العقيدة ناهدة أحمد رشيد حديثها لـ«المجلة» مؤكدة أن النساء الكرديات دفعن ثمنا باهظا لاختيارهن هذا الطريق وأن أجيالا من النساء عشن في الجبال وقاسين العيش وتحملن السجون والتهجير، «كما تحملن التعذيب والاضطهاد المزدوج، مرة كونهن نساء في مجتمع ذكوري، مثله مثل المجتمعات التي تجاور المجتمع الكردي، ومرة أخرى من الاضطهاد القومي»..
وكان تنظيم داعش قد هدد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 مقاتلات البيشمركة المنضمات لساحة المعركة في العراق، بخطفهن والزواج منهن.
وفي رسالة من التنظيم الإرهابي، تسلمت قوات البيشمركة رسالة، تفيد بأنه يجب عليهن إلقاء سلاحهن، وإلا سيأسرونهن ويتزوجون منهن. ولكن المقاتلات الكرديات وبمختلف فصائلهن أعلنّ عن استعدادهن لمواجهة هذا التهديد، حيث تحتفظ كل مقاتلة على رصاصة في جيوبهن لاستخدامها في حالة أسرهن.

الخروج من دائرة «دعم المجهود الحربي»

بدل أن يتسبب «داعش» في إرهاب النساء الكرديات ساعدتهن تهديداته في الضغط على المؤسسة العسكرية في الإقليم للتفكير جديا في استغلال إرادة المرأة الكردية عمليا، فلقد زادت الكليات العسكرية في إقليم كردستان دعمها لتدريب النساء، وتوجد في إقليم كردستان كليتان عسكريتان (زاخو وقلاجوالان) لتدريب الضباط من الجنسين، وبدأت أكاديمية الضباط في زاخو بالفعل أولى دوراتها لتأهيل الضباط النساء اللائي يوددن المشاركة في القتال ضد «داعش»، وبسبب الحماسة التي أبدتها النساء، والأعداد الكبيرة الراغبة في التطوع بدأت تتبلور فكرة تشكيل لواء النساء في البيشمركة، بل وبدأ التفكير في كيفية الاستفادة منهن في الاستخبارات العسكرية.

الإيزيديون الذين تركوا بيوتهم نتيجة هجمات من قوات تنظيم داعش يلجؤون إلى بيوت تحت الإعمار في منطقة زاخو القريبة من الحدود العراقية التركية. (غيتي)
الإيزيديون الذين تركوا بيوتهم نتيجة هجمات من قوات تنظيم داعش يلجؤون إلى بيوت تحت الإعمار في منطقة زاخو القريبة من الحدود العراقية التركية. (غيتي)

مسؤول استخبارات قوات البيشمركة جلال شيخ ناجي، وفي حوار مع «المجلة»، قال: «لقد استطعنا أن نطور تجربة فوج نساء قوات البيشمركة، لتكون فريدة ليس في العراق فقط بل في المنطقة كلها من خلال جعلها تابعة للمديرية العامة لاستخبارات البيشمركة، ليكتسبن خبرة إضافية من الناحية الاستخباراتية العسكرية وهو اختصاص يكاد يكون حكرا على الرجال في دول المنطقة».
ويضيف شيخ ناجي أن «من ضمن مهام الفوج بعد إلحاقه بمديريتنا منذ زمن هناك مهام استخباراتية وقتالية وفنية وإدارية ومهام أخرى.. فإلى جانب المهام الاستخباراتية بالنسبة للفوج في الوقت نفسه هناك مشاركة قتالية ضمن ألوية البيشمركة في جبهات القتال ضد (داعش) في محاور كركوك والموصل وخانقين، أما المهام الاستخباراتية فنستطيع القول إنهن أنجزن واستطعن تحقيق تقدم ملحوظ».

وحول أهمية انخراط المرأة في الاستخبارات العسكرية في الحرب ضد «داعش» يقول: «من المعروف أن النساء يتمتعن بقدرات عديدة ولا يمكن أن نكشف التفاصيل، خاصة ما يتعلق منها بالاستخبارات العسكرية، وهن بمعنويات عالية. وهن في المعارك مع (داعش) متحمسات للقتال ضد هذا التنظيم الإرهابي، وحماستهن أن لم تكن أكثر من الرجل فإنها لا تقل بالتأكيد، ودائما يبدين استعدادهن للانخراط في الجبهات الأمامية في القتال وبعد التدريبات التي خضعن لها هن الآن على استعداد تام للمشاركة في جبهات القتال مع إخوانهن من الرجال، وخلال العامين الماضين اكتسبن خبرة وتجارب كثيرة من خلال مشاركتهن في مختلف جبهات القتال ضد (داعش)، وقدمن ضحايا أيضا، وهناك شهداء وهناك من أصيبت منهن خلال القتال».
وحول وجود فوارق في تدريب النساء عن الرجال أو المهام التي تناط بهن والدورات التي يخضعن لها يؤكد شيخ ناجي أن الفوج كباقي أفواج البيشمركة يخضع للتدريبات التي تخضع لها فصائل البيشمركة ويشمل التدريب الأساسي والقتالي والاستخباراتي، وعدا هذا كون الفوج ضمن مؤسسة استخبارات البيشمركة فقد تم إخضاعهن في عدة دورات خاصة بالاستخبارات، بدعم وإسناد من قوات التحالف والدورات الاستخباراتية لم تخضع لها فصائل بيشمركة أخرى من الرجال.

وعن الفئات اللواتي يتطوعن في الفوج يؤكد أنهن من مختلف فئات المجتمع الكردي؛ ليس هناك فئة بعينها، هناك الخريجات والإعلاميات وصاحبات شهادات يتقدمن للتطوع ضمن صفوف البيشمركة. والعديد منهن يمتلكن شهادة جامعية أو خريجات معهد أو إعدادية، ومنهن خريجة الكلية العسكرية في قلعة جولان، «فليس هناك مقاتلة أمّية، لأن هناك دراسة مستمرة في داخل الفوج من قبل مديرية تربية السليمانية ويتم الإشراف على تعليمهن».

ويكشف شيخ ناجي عن أن تجربة الفوج الناجحة ستدفع وزارة البيشمركة إلى التفكير في تشكيل لواء من النساء ضمن قواته، ويقول بهذا الصدد: «التجربة أثبتت نجاحها ومقاتلاتنا أثبتن جدارتهن ومهارتهن في الأعمال القتالية والاستخباراتية وبشهادة عسكريين من قوات التحالف وحتى الإعلام الغربي استشهد بنموذج المرأة المقاتلة الكردية.. كل هذا يثبت أن المرأة الكردية أثبت جدارتها وتميزها في الدفاع عن أرضها وعن تاريخها النضالي، وهذا ما جعلنا مستمرين في تطوير إمكانيات المقاتلات البيشمركة من خلال إخضاعهن للدورات وتطويرهن في جميع النواحي القتالية إلى أن نصل إلى استخدام الأسلحة الثقيلة وزيادة مشاركتهن بتوسيع الفوج إلى لواء».

قوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»
قوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»

الانتقام

في شنكال روح تضاهي روح المقاومة النسوية في السليمانية وزاخو، فشنكال معركتها مع «داعش» مختلفة.. «جرائم تنظيم داعش في شنكال جعلت الأرض تنزف دما، وشنكال مسرح لأفظع جريمة بحق المرأة على الإطلاق».. والكلام لـ«رسيا فاجين» وهي إيزيدية، تتولى قيادة قوات حماية المرأة في شنكال التي يرمز لها بـ(YJŞ).

في اتصال لـ«المجلة» مع فاجين في إحدى الجبهات ضمن معركة تحرير الموصل، بدأت حديثها قائلة: «تنظيم داعش يدرك أن المقاتلات الكرديات يفضلن الانتحار على أن تنتهك كرامتهن، وسمعنا من أسراهن ماذا يقولون حين تأتي سيرة المقاتلات الكرديات»، مستذكرة: «المقاتلة بيريفان ساسون بعد مقتل أفراد مجموعتها، أنهت حياتها بآخر طلقة معها خشية الوقوع أسيرة في أيدي (داعش)، في معارك كوباني، وأخرى عمدت إلى تفجير نفسها بقنبلة بعد نجاحها في اقتحام تجمع لعناصر (داعش) والاشتباك معهم عند أطراف مدينة كوباني، لتفجر ما كان بحوزتها من قنابل، ما تسبب في وقوع عدد من القتلى والجرحى بين صفوف تنظيم داعش»، مضيفة: «هم يصابون بحالة ذعر، ولدى ظهور أي امرأة مع بندقية يخافون ويرتجفون هم يتجنبون قتالنا لأنهم يعتقدون أن الموت على يد امرأة يحرمهم من دخول الجنة».

وعن السبب الذي دفعها إلى التطوع، لقتال «داعش» تقول: «بعد مجزرة شنكال بدأ شعوري ورغبتي في الانتقام لأخواتنا من الإيزيديات اللواتي اختطفن على يد هؤلاء المجرمين يتفوق على أي خوف في داخلي من (داعش)، فحماية حدود الشرف، والدفاع عن أرض شنكال، واجب مقدس بالنسبة لنا».

تحرير جنوب شنكال

وتكشف فاجين عن أن قواتها انطلقت بحملة تحرير جنوب شنكال، بعنوان «الانتقام للمختطفات الإيزيديات» من تنظيم داعش الإرهابي، وأن الحملة حررت حتى الآن العديد من القرى وتمكنت من تحرير أطفال ونساء كانوا مختطفين لدى «داعش»، تتذكر فاجين: مرور عامين على الهجمة الوحشية التي شنها «داعش» على شنكال، و«المرأة الإيزيدية كانت الضحية الأكبر لتلك الهجمة الهمجية وما زال الآلاف من النساء الإيزيديات أسيرات بقبضة الدواعش وواجهن أبشع الانتهاكات والجرائم»، مشيرة إلى أن «الهدف من الحملة هو تحرير الإيزيديات المختطفات من أيدي مرتزقة داعش»، مشددة: «سنواصل المقاومة حتى تحرير جميع النساء اللواتي استعبدهن هؤلاء المرتزقة.. تصوروا شعور المختطفة الإيزيدية عندما يتم تحريرها من قبل قواتنا وكيف ينقلب الانكسار لديها إلى قوة عندما ترى أن الإيزيديات أصبحن قادرات على حماية أنفسهن وشرفهن وأرضهن وكم يعطيهن ذلك دعما ودفعة لمسح ما تعرضن له من انتهاكات الدواعش وإجرامهم بحقهن وبحق عوائلهن لتتصدى لذاكرة الخذلان.. إننا مصرون على دعم نسائنا معنويا».. وتتابع: «لقد أصررنا منذ الثالث من أغسطس (آب) عام 2014 على تحويل الغضب الكامن فينا، إلى قوة وبدأنا بتنظيم صفوفنا والقتال من أجل النصر، وكنساء إيزيديات من أهالي إيزيدخان شاركنا في جميع مراحل تحرير شنكال، كما شاركنا مؤخرا في تحرير المئات من الأطفال والنساء من أيدي مرتزقة (داعش) بدعم ومساندة وحدات حماية شنكال».

نحن لن ننسى أبدا بناتنا ونساءنا اللواتي باعهن مرتزقة «داعش» في أسواق النخاسة في الموصل، مئات الإيزيديات حملن السلاح، انضممن لقواتنا وهن الآن يتقنون مختلف أنواع القتال وتدربوا على مختلف أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وحتى أنه تم مؤخرا تدريبهن على نزرع الألغام التي يخلفها (داعش) في المناطق التي ينهزم فيها وينسحب منها وهو اختصاص قل وجوده عند النساء المقاتلات».

وكان تنظيم داعش الإرهابي شن هجوما على سنجار والقرى المجاورة لها في أغسطس 2014 وقتل أكثر من 5 آلاف رجل وصبي من الإيزيديين، وفقا لإحصائيات الأمم المتحدة، بالتزامن مع أخذ نساء الإيزيديين وبناتهم «سبايا»، وهرب عشرات الآلاف من الإيزيديين إلى جبل سنجار حيث واجهوا الموت من الجوع والعطش حتى قبل أن يتم إنقاذهم.

 قوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»
قوات البيشمركة في معسكر «قيادة قوات 70»

بين حرب «داعش» وحرب التحرير

لم تكن حكاية «داعش» مع الكرديات فقط في العراق أو كما يسميها الأكراد «آشور» أو في سوريا (روج آفا) أو الكرديات اللواتي تطوعن من تركيا (باكور) في قوات حماية المرأة في حرب كوباني، بل اتسعت الحكاية لتشمل كرديات إيرانيات لم يغبن عن فصول حرب الأكراد و«داعش».

نائب الأمين العام لحزب الحرية في كردستان وهو من أكراد إيران (روج هلات) حسين يزدان بنا، يقود مقاتلي ومقاتلات حزبه، فهو يقاتل في الخطوط الأمامية في كركوك مع قوات البيشمركة ضد تنظيم داعش، وبحسب مريم (إحدى النساء المقاتلات التي تمكنت «المجلة» من التواصل معها)، فإن القوة النسوية تشكل جزءا أساسيا من الجناح العسكري لحزب الحرية، الذي التحق مقاتلوه ومقاتلاته بقوات البيشمركة منذ بداية المعارك مع «داعش».

تقول مريم لـ«المجلة» إن الآلاف من مقاتلات الحزب حاربن مع قوات البيشمركة على جبهات القتال مع «داعش» في محافظة كركوك وقضاء توزخورماتو، وأنهن تلقين تدريبات على السلاح واستخدام المتفجرات، على يد مستشارين عسكريين أميركيين وأوروبيين ضمن برنامج دولي لدعم المقاتلين الأكراد في الحرب ضد «داعش» الإرهابي في العراق، مضيفة: «مقاتلونا ومقاتلاتنا تلقوا دورات من التدريب على يد مستشارين أميركيين، في الفترة بين مارس (آذار) وسبتمبر (أيلول) 2015 في الخطوط الأمامية، وينتشرون وسط محافظة كركوك، وحصلوا لاحقا على جولات تدريبية أخرى، كما أننا شاركنا في السيطرة على نحو 15 كيلومترا مربعا من الأراضي في الخطوط الأمامية غرب مدينة كركوك وكذلك بعض المواقع شرق مدينة الموصل».

وتقول إن مشاركة المرأة إلى جانب الرجل في المعارك ليس بجديد، لدى المجتمع الكردي «فنحن حملنا السلاح وشاركنا بشكل فعال في حركة التحرر الكردية، واليوم لا يختلف عن الأمس؛ فنحن نقوم بواجبنا في الدفاع عن كردستان، ومنع الإرهابيين من الهجوم عليها، والإرهاب إرهاب سواء كان جماعات أو دولا، وكما أن حربنا في إيران ضد إرهاب نظام الملالي واجب قومي ومقدس، فإن وجودنا هنا ومحاربة (داعش) أيضا واجب مقدس. وكما أن التنظيم عدو للإنسانية، وعدو للمرأة، فإن الأنظمة الدكتاتورية والمستبدة والمحتلة هي أيضا عدو للإنسانية. وفي النهاية نحن سندافع عن المرأة الكردية أينما كانت وأخواتنا الإيزيديات اغتصبن وجرى بحق شعبنا الإيزيدي أبشع إبادة جماعية، لذا وجب علينا أن نلبي النداء لحمايتهن واستعادة الأرض وحماية المقدسات».

وشددت مريم على أن قتال «داعش» لن يكون بديلا عن القتال للتحرر من نظام الملالي. وتقول بهذا الصدد «إن قتال تنظيم داعش الإرهابي، لا يعني أننا استبدلنا القتال ضد إيران بالقتال ضد (داعش)، وإننا سنواصل نضالنا في إيران، فالقتال ضد (داعش) الإرهابي، لم يكن أبدا بديلا لنضالنا ضد الحكومة الإيرانية».

ويوجد حزب حرية كردستان في المثلث الحدودي بين إيران والعراق وفي داخل إقليم كردستان العراق إلى جانب الفصائل الكردية الكبرى مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وحزب كومله، وحزب الحياة الحرة في كردستان (بيجاك)، التي تنفذ بين حين وآخر عمليات ضد الحرس الثوري والقوات الإيرانية عبر الحدود.

ويعتبر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، هو الحزب الأكبر والأم لكل الأحزاب الكردية في المنطقة، والذي يقيم قواعده أيضا في العراق، وكان أول فصيل كردي شاركت فيه المرأة الكردية بحمل السلاح مع الرجل في حركة التحرر.

عشق

فتحت حرب «داعش» شهية الكرديات في إقليم كردستان للمقاومة وتم خلال الأعوام الثلاثة الماضية تخريج عدة دفعات من الضباط النساء في قوات البيشمركة، ما أدى إلى تشكيل عدة أفواج منها فوج نسائي ضمن قوات الزيرفاني، وفوج آخر تحت اسم «بنات الشمس»، إضافة عن مئات الطلبات من قبل النساء للتطوع في قوات البيشمركة.

امرأة من قوات البيشمركة على خط المواجهة
امرأة من قوات البيشمركة على خط المواجهة

ويذكر أنه في مارس 2016 تخرجت 200 ضابطة كردية ضمن قوات البيشمركة، بعد استكمالهن التدريبات العسكرية على الأسلحة الخفيفة والثقيلة، وهن الدفعة الأولى من نوعها لضابطات كرديات أكملن دورات على شتى أصناف القتال والتكتيكات العسكرية الحديثة.
وفي يونيو (حزيران) 2016 تم تخريج دفعة جديدة من القياديات من الفتيات الإيزيديات في قوات «بنات الشمس» ضمن قوات البيشمركة في منطقة بيشخابور، وتضم الكتيبة العسكرية النسائية المذكورة نحو 500 متطوعة إيزيدية، مدربات وقادرات على حمل السلاح والدفاع عن مناطقهن.
إن هذا التفوق القتالي والتصميم النسوي هو ما يجعل نسرين متفائلة رغم وجع الفراق عن ابنتها رنكين، وهو كذلك ما يجعل فاجين قوية رغم انكسار الإيزيديات، ويبقي حلم التحرير لدى مريم قائما ولا يتبدل..

إن مشهد المقاتلات الكرديات مثّل لغزا حير كثيرا من المراقبين وأثار فضولهم، فباتوا يسألون: لم تعشق الكرديات حمل السلاح؟!
وربما كانت الإجابة المسكتة في سؤال موازٍ: ما سر عشق الكرديات للحرية؟!

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.