• العدد الأسبوعي
تكنولوجيا

الأداة الأكثر فعالية لتعزيز القيمة المضافة والتنافسية في الدول المتقدمة

الكشف عن رجل آلي في منتدى الابتكار المفتوح في موسكو. (غيتي)
الكشف عن رجل آلي في منتدى الابتكار المفتوح في موسكو. (غيتي)
الكشف عن رجل آلي في منتدى الابتكار المفتوح في موسكو. (غيتي)

الاقتصاد القائم على المعرفة يعزز القيمة للاقتصادية للسلع والخدمات
• الاقتصاد القائم على المعرفة يتلازم مع المجتمع المعرفي ..و هو النموذج الأنسب في القرن الواحد والعشرين
• مفهوم التنمية لا يقتصر فقط على عملية تراكم رأس المال بل على تعزيز القيمة المضافة على كل عوامل الإنتاج
• تعد الاتصالات وأنظمة المعلومات القناة الرئيسية لنقل المعلومات..و نشر المعرفة يعتمد على كفاءة العملية التعّلمية

جدة: نظمي الخميس

التفرد بالمعرفة والتقدم التكنولوجي هي الأداة الأكثر فعالية لتعزيز القيمة المضافة والتنافسية في عالم يزداد ترابطا وتشابكا، يوما بعد يوم، فيزداد اعتماد الاقتصادات المتقدمة على المعرفة كعامل إنتاج بوتيرة مطردة، حيث تكبر معها الهوة مع الاقتصادات التقليدية. ينعكس هذا التفرد جليا على مستوى المعيشة المرتفع، ومرونة هذه الاقتصادات عند مجابهة صدمات الاقتصاد الكلي.

الاقتصاد القائم على المعرفة يتلازم مع المجتمع المعرفي، إذ إن كل أبعاد الحياة من نشاطات وقرارات تنبع من معين المعرفة، فكل منهما يؤطر الآخر، فكما أن الابتكارات الجديدة تحدث تأثيرا على مستوى حياة الفرد والمجتمع، فإن الفرد في المجتمع المعرفي ذو قيمة مستهلك أعلى، يسعى المنتجون في الاقتصادات القائمة على المعرفة على الاستحواذ على أكبر قدر منها.

واليوم أضحى مفهوم التنمية لا يقتصر فقط على عملية تراكم رأس المال، بل على تعزيز القيمة المضافة على كل عوامل الإنتاج، بشكل عام. فالمعرفة في الاقتصاد القائم على المعرفة تعمق عوامل الإنتاج، فتصبح نسبة العائد على عوامل الإنتاج للفرد الواحد مرتفعة، مقارنة بالاقتصاد التقليدي. وأيضا، صار مفهوم التنافسية أكثر اتساقا مع تعزيز القيمة المضافة الناتجة من المعرفة كعامل إنتاج. ولم يستطع مقلدو السلع والخدمات، كما في الاقتصاد التقليدي الذي يعتمد على تعظيم الإنتاج، على اللحاق بركب الدول المتقدمة وأصبح الانخراط في عملية التحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد القائم على المعرفة طريق التنمية الأنسب.

الاقتصاد القائم على المعرفة

هناك عدد من الأسباب أدت إلى جعل الاقتصاد القائم على المعرفة النموذج الأنسب في القرن الواحد والعشرين. أولاها وأهمها: نمو العولمة، التي تقوم على حرية تبادل السلع وعوامل الإنتاج والمعرفة، وتؤدي إلى ترابط وتشابك العالم اللذين يزدادان، يوما بعد يوم، وأضحت التنمية تعني التنافسية في إنتاج السلع والخدمات وتعزيز القيمة المضافة على عوامل الإنتاج باستخدام المعرفة، كبديلين لتراكم رأس المال في الاقتصاد التقليدي. ثانيا: أدت زيادة مخرجات التعليم العالي إلى تنامي المجتمع المعرفي. ثالثا: أدى تصاعد المستوى المعيشي للأفراد في العالم إلى استهلاك سلع وخدمات ذات تكنولوجيات ناجزة. رابعا: أدى التطور المتنامي لتكنولوجيا الاتصالات ونظم المعلومات إلى إحداث ثورة في المعرفة التي تدخل في عملية الابتكار. خامسا، ساعدت محركات البحث الحاسوبية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتجارة الإلكترونية في دراسة قيم المستهلكين المختلفة. وأخيرا، نتج عن تزايد التجارة البينية تراكم التعّلم المتبادل.

وهنا تسعى الدول الأقل تقدما اقتصاديا على اللحاق بركب الدول المتقدمة لزيادة المستوى المعيشي لمواطنيها، فبعضها بدأ ينخرط في عملية للتحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد القائم على المعرفة. إن عملية التحول طويلة تصل إلى عدد من العقود، وتلعب فيها الحكومات دورا مهما في إدارة هذا التحول وكذلك لقطاعات الاتصالات ونظم المعلومات والمالي أدوارا جوهرية. إن النتيجة المرجوة لعملية التحول هو تغيير المنشآت القائمة واستحداث منشآت جديدة، بحيث ينخرط الأفراد فيها في عملية الابتكار والوصول لكتلة حرجة من مخرجات هذه العملية لتتعزز بالتالي القيمة المضافة والتنافسية. ويبرز الهدف من هذه المقالة: هو بيان ملامح التحول من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد القائم على المعرفة عن طريق التقديم لمفهوم الاقتصاد القائم على المعرفة ثم مناقشة هذا التحول عن طريق سرد للأدوار الرئيسية، والإجابة على السؤال: كيف يختلف هذا الاقتصاد؟، ثم مناقشة سؤال آخر: كيف تساهم التجمعات الصناعية في تسريع عملية التحول؟

المعلومات والمعرفة

تعرف المعلومة على أنها بيانات منظمة ترتبط بعلاقة ما، قد تفسر على أساس الارتباط الزمني أو الجغرافي، لمعرفة الأجوبة على السؤالين: «ماذا؟» و«لماذا؟»، فهي حقائق ثابتة. بينما تعرف المعرفة على أنها، بالإضافة لذلك، الإجابة على سؤال «كيف؟» عن طريق أعمال القدرات العقلية للإنسان، باستخدام مجموعة من المعلومات. المعرفة المرتبطة بالإنتاج تختص بإدراك وفهم المبادئ العلمية التي تكمن وراء عمليات الإنتاج وكيفية تطويرها. إن المقصود من المعرفة هنا، هو المعرفة المرتبطة بالعلوم الطبيعية والإنسانية والتي تؤطر في قوانين ونظريات ومناهج علمية، وليست المبنية على الآراء والاجتهادات الفردية، أو على التجارب المجردة من الأسس العلمية. إن الإدراك المتنامي لهذه المبادئ العلمية، يساهم في خدمة الاقتصاد كعملية الابتكار، إما أن يؤدي إلى زيادة إنتاج السلع والخدمات، أو إلى تخفيض تكلفة الإنتاج، أو إلى ابتكار مكونات مستحدثة، تدخل في إنتاج سلع أو خدمات مبتكرة، تعرف جميعا على أنها التكنولوجيا. يسمى تراكم هذه الخبرات عبر الزمن، أحيانا، منحنى التعلم، فديمومتها وتسارع وتيرتها يحددان قدرة منشأة ما على التقدم التكنولوجي. عندما تتكون هذه الخبرات لا بد من نقلها من إطارها الضمني إلى تدوينها بغرض نشرها على عدد أكبر من الأفراد، ضمن المنشأة أو بين المنشآت أو خارج الدولة، من المستفيدين والمطورين لها.

أعضاء من الصحافة يتجمعون حول طاولة يعرض عليها أحدث لابتوب لشركة أبل. (غيتي)
أعضاء من الصحافة يتجمعون حول طاولة يعرض عليها أحدث لابتوب لشركة أبل. (غيتي)

لكي يكون للتقدم التكنولوجي قيمة اقتصادية، لا بد أن يتقاطع مع الموازنة بين منافع المستهلكين المختلفة من سلعة أو خدمة وقابليتهم المختلفة، أيضا، لدفع سعر ما، أو ما يسمى «قيمة المستهلك». إن إدراك المنتجين لهذه القيمة المستقاة، يمنح المنشأة القدرة على توجيه التقدم التكنولوجي للسلع والخدمات، بابتكارها أو تطوريها استراتيجيا بما يساعد على إنشاء أسواق أو توسيع أسواقها القائمة أو إطالة فترة استهلاكها وتسويقها تجاريا، بحيث يعزز القيمة للاقتصادية للسلع والخدمات وبالتالي المنشأة. إن تعزيز هذه القيمة يأتي بشكل كبير مع قدرة المنشأة على أن تكون هي السباقة لخلق سوق جديدة لسلعها أو خدماتها. هذا ويصعب على الآخرين تقليدها فالمنافسة في هذا الاقتصاد تقوم على المبادأة بالابتكار والمحافظة عليه بتطوير سلع أو خدمات جديدة تحقق قيمة كبيرة نسبيا للمستهلك.

ما هو الاقتصاد القائم على المعرفة؟

إذا تكونت كتلة حرجة من الأنشطة التي تقوم بها المنشآت في اقتصاد ما، وتكون القوة المحركة له، تقوم على استخدام المعرفة لخلق أسواق جديدة عن طريق الابتكار والتطوير الممنهج للسلع والخدمات، بالاستحواذ على أكبر قدر من قيم المستهلكين المختلفة، والمحافظة عليها وتوسيعها بنهج استراتيجي، تكّون إجمالا اقتصادا قائما على المعرفة. في هذا الاقتصاد، تتعزز فيه قيم متنامية على رأس المال والعمالة وعوامل الإنتاج الأخرى، أو تعزيز القيمة المضافة، وتدفع التنمية إلى مستويات أكبر، هذا المنحى لا يرجع تفسيره إلى زيادة إنتاجية عوامل الإنتاج التقليدية لذاتها، بل إلى التقدم التكنولوجي الناتج من عملية الابتكار. عندما تكون المنافسة والتكامل بين المنتجين المحليين والمنتجين في الاقتصادات الأخرى معززا لأسواق جديدة، متعددة وممتدة، في الاقتصاد المحلي أو الاقتصادات الأخرى، عندها يكون الاقتصاد تنافسيا. وهنا يتميز هذا الاقتصاد بالمتانة والقدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاستمرار في تعزيز القيمة المضافة.

هذا ويتلخص العامل الرئيسي لنشأة وتطور الاقتصاد القائم على المعرفة في قدرة الأفراد على العمل في إطار مجموعة، داخل منشأة ما، وعلى الاستفادة من المعلومات والمعرفة المتراكمة لاستحداث معرفة جديدة قادرة على إحداث تطور تكنولوجي، إنه الفرد ذو المهارات القادر على قطف ثمار المعرفة، ولكن كيف تنشأ مجموعة من الأفراد قادرة على إقامة اقتصاد قائم على المعرفة؟ الإجابة تكمن في قدرة المجتمع الذي ينتمي له هؤلاء الأفراد على مواكبة التعلم المستمر وتسهيل عوامل الابتكار.

بناء قدرة المجتمع على التعّلم والابتكار

هنالك أربعة مقومات أساسية لبناء قدرة المجتمع على التعّلم والابتكار. المقوم الأول: يتلخص في قدرة المجتمع على التعّلم المتناسب والاقتصاد القائم على المعرفة. فمع تعلم العلوم التقليدية كاللغة والرياضيات، لا بد من تكييف التعّلم ليشمل التدريب على إيجاد الحلول على طريق الملاحظة، وتشخيص المشكلات، والتحليل المنطقي، والتفكير المبتكر المعتمد على الحقائق، والتدريب على تنفيذ المشاريع، والتخطيط الاستراتيجي، والتعّلم الذاتي، والتعّلم بالعمل، والعمل ضمن فريق، وكذلك، التعّلم الممتد بعمر الأفراد، وأيضا، التعّلم من التجارة الخارجية.

المقوم الثاني: ينبع من قدرة المجتمع على جمع وتحليل ونشر المعلومات، وعلى حفظ، ونشر المعرفة، عن طريق الاتصالات الحديثة وأنظمة المعلومات المرنة والتفاعلية وبشكل أكبر، تعد الاتصالات وأنظمة المعلومات القناة الرئيسية لنقل المعلومات، أما نشر المعرفة فيعتمد، بشكل أكبر، على كفاءة العملية التعّلمية، وأيضًا على كفاءة نقل المعرفة من إطارها الضمني إلى تدوينها، ونشرها عبر وسائل الاتصالات. إن سهولة انتشار المعلومات والمعرفة من الأمور الأساسية التي تساعد على الابتكار والتعّلم.

المقوم الثالث: يستلزم ملائمة بيئة الأعمال لاحتضان عملية الابتكار، فتتكيف مع بنية الاقتصاد القائم على المعرفة الجديدة، حيث إن أسواق السلع والخدمات ذات أطر اقتصادية مختلفة، وعدم يقين أكبر، وأكثر ديناميكية من الاقتصاد التقليدي. إن جودة الابتكار ووتيرته ونمطيته، أي الإطار الاستراتيجي لعملية الابتكار، هم من يحددون قدرة المنشأة على تعظيم ربحيتها. إن تغيير بيئة الأعمال إلى بيئة ملائمة يعتمد، بشكل رئيسي على قدرة الحكومات المركزية أو المناطقية على إدارة عملية التحول للاقتصاد القائم على المعرفة، وعلى مرونة القطاع المالي في التأقلم مع صفات هذا الاقتصاد المختلفة عن الاقتصاد التقليدي، وعلى تكيف المنشآت باستراتيجيات تقوم على رفع جودة الابتكار ووتيرته ونمطيته إلى الحد التنافسي، على الأقل.

وأخيرا، إن رفع كفاءة بيئة الابتكار، تعتمد على بيئة الابتكار على مدى قدرة المراكز البحثية في المؤسسات الأكاديمية، ومراكز الأبحاث والتطوير المستقلة، وتلك التابعة للمنشآت، على استيعاب مخرجات التعليم العالي وتوجيهها إلى الابتكار الممنهج والمؤطر اقتصاديا. إن قدرة المراكز تعتمد على تنوعها الممنهج والمؤطر على أساس القدرة الوطنية على الابتكار وتطورها، وذلك بتكاملها، وملائمة الميزانيات الموضوعة لأهداف الأبحاث والتطوير في الكمية والديمومة. إن وضع استراتيجية وطنية للأبحاث والتطوير متكاملة بين المراكز البحثية، وقابلة للإنجاز يخلق بيئة ذات كفاءة للابتكار.

وفي المقابل لما تم ذكره، هنالك معوقات لبناء قدرة المجتمع على التعّلم والابتكار، من أهمها، عدم قدرة المجتمع على التخلص من المعتقدات التقليدية والتي تتعارض مع عملية الابتكار ونتائجه، والتي يثبت العلم بالمطلق على عدم صحتها، وخصوصا عندما تكون القوة الدافعة لها تتعلق بكنه المجتمع وثقافته. أيضًا، عندما، يدرك الأفراد مواقفهم وقراراتهم من موضوع ما تبعا للأطر الفكرية التي تقدم لهم، وليس على أساس المنهج العلمي. وأيضًا، عندما يعزل الأفراد أنفسهم من قنوات تبادل المعلومات والمعرفة سواء بالبث، أو بالاستقبال، أو أن تكون هذه القنوات غير متوفرة أو ضبابية.

الخصائص الاقتصادية للاقتصاد القائم على المعرفة: المعرفة كعامل من عوامل للإنتاج

كانت المعرفة، وما زالت، عاملا من عوامل الإنتاج، حيث كانت الاختراعات، كاختراع الكتابة، عاملا مهما لاستقرار الحضارات القديمة ونموها الاقتصادي. كذلك، تميزت القرون القليلة المنصرمة باختراعات ثورية، ولكن بوتيرة أسرع كثيرا، كالمحرك البخاري والكهرباء والاتصالات والحوسبة، وكان لها الأثر الكبير في رفع مستوى المعيشة وازدهار الاقتصاد العالمي. أيضًا، وفرت هذه الاختراعات الثورية مناخا خادما لنوع جديد من الابتكارات الأقل ثورية، أو «التكنولوجيا»، وذات وتيرة ونمط من التطور ونسخ لما قبلها، والتي تهدف إلى تطوير جودة السلعة أو الخدمة. ونتيجة لذلك، أدى تسارع وتيرة التقدم التكنولوجي والنمطية المستحدثة من الابتكار إلى أن تصبح المعرفة عاملا أكثر تأثيرا في التنمية.

مشارك يستخدم ساعة متطورة لإتمام معاملة مالية. (غيتي)
مشارك يستخدم ساعة متطورة لإتمام معاملة مالية. (غيتي)

هذا ويبدو بأنه من الصعب قياس المعرفة، فهي كعامل إنتاج غير محسوس، وأيضًا، هناك التبادل الضمني في التأثير مع عوامل الإنتاج الأخرى، وغالبا ما تكون التكنولوجيات الناتجة عن الابتكار مختلفة وغير متجانسة، وتدخل ضمن مجموعة التكنولوجيات في إنتاج السلع النهائية. أيضًا، المعرفة وكذلك الابتكار أصبحا يتطوران زمنيا بشكل مطرد وأكثر منهجية عن ذي قبل، وأن أي تكنولوجيا ناتجة عن عملية ابتكار لها عمر زمني معين، تستبدل بعده بتكنولوجيا أخرى ذات أداء أكثر تطورا، وأن المنتجات على الأغلب هي عبارة عن مجموعة مختلفة من التكنولوجيات، كما أن التكنولوجيا في منتج ما قد تستنسخ بشكل مباشر، أو غير مباشر في منتجات الأخرى. فضلا، على أن تكلفة البحث والتطوير لا تتناسب مطلقا والتأثير الكبير في قيمة المنتجات، فهي قليلة نسبيا ومتباينة، على العموم.

إن تأثير المواصفات السابقة على الاقتصاد يمكن إجمالها في النقاط التالية. الأولى: تتعلق بفرضية انتشار كنه الابتكارات التام. فلو افترضنا انتشار كنه الابتكارات التام لما وجد الدافع للمنتجين للاستثمار في البحث والتطوير، لذلك تسن الحكومات قوانين وأنظمة لحماية حقوق الملكية الفكرية. عندها، لا يمكن لفرضية الانتشار التام للمعرفة المستخدمة في الابتكارات، أن تؤخذ بالإطلاق، وهذا يطرح جدلية السوق ذات الكفاءة والناتج المعزز، كما في الاقتصاد التقليدي. النقطة الثانية: تأتي كنتيجة لديناميكية عملية الابتكار ولسن قوانين وأنظمة حماية حقوق الملكية الفكرية، حيث تصبح هيكلية الأسواق متغيرة ضمنيا وتتغير تبعا لقوى السوق عبر الزمن، وهنا ينشأ المحتكر المؤقت، الذي يحتكر سوق تكنولوجيا ما ببقائها دون نسخ، ويسعى للاحتفاظ باحتكاره للسوق عن طريق قوانين حماية حقوق الملكية الفكرية والابتكار الممنهج والمستمر، فهو ليس محتكرا دائما، إذ يتقلص سوقه بنشوء أسواق أخرى تهدف إلى انتزاع قيمة المستهلك نفسها بابتكار تكنولوجيات ذات قيمه أفضل. فلا يضبط السعر عن طريق تقنين الكمية المتاحة للمستهلك، بل عن طريق إتاحتها لأكبر عدد من المستهلكين المتباينين في أسواق مفصولة بسلع ذات اختلافات مدروسة، وباستحواذه على قيم المستهلكين المختلفة. النقطة الثالثة: جدلية المعرفة، باستثناء كنه الابتكارات، ذات انتشار تام مما يجعل فرضية ندرة عوامل الإنتاج غير موجودة، وهو ما يؤسس لزيادة نسبة العائد على عوامل الإنتاج. النقطة الرابعة: تأتي كنتيجة للنقطة السابقة في أن العائد على المعرفة في الإنتاج عال نسبيا. النقطة الأخيرة تناقش التحدي الأكبر في الاقتصاد القائم على المعرفة في أن الاستثمار في الأبحاث والتطوير له مخاطر كبيرة وهو عامل مهم فليست كل الاستثمارات تؤتي أكلها، أو أن تستهلك وقتا أكبر من المتوقع.

من ذلك المنطق يمكن إجمال بعض اختلافات الاقتصاد القائم على المعرفة عن التقليدي في النقاط التالية. النقطة الأولى: إن العائد على المعرفة كعامل إنتاج عال ولكن بمخاطرة أكبر، من الممكن الحد منها بعملية الابتكار الممنهجة. الثانية: تحول التركيز في التنمية من تعظيم الإنتاجية عن طريق تراكم رأس المال المادي إلى تلازم تعزيز القيمة المضافة والتنافسية عن طريق الابتكار الممنهج والممتد. النقطة الثالثة: أصبحت أسواق السلع والخدمات أكثر تعددًا، وفقًا لشرائح متباينة للمستهلكين، وباختلافات غير جوهرية، وبالتالي، أصبحت الأسعار متباينة لانتزاع أكبر قدر ممكن من قيمة المستهلك، أي أن المنافسة أصبحت على تقديم سلع وخدمات مبتكرة ومختلفة تبحث في قيمة المستهلك، ولا تتنافس على السعر أو الحصة السوقية. النقطة الرابعة: أصبح التركيز بشكل أكبر على المنتجات الوسيطة، التي تدخل في صناعة المنتجات النهائية، حيث تتركز فيها عملية الابتكار. وبناء على ذلك، أصبحت القيمة المضافة بين المنشآت المحلية والدولية أكثر ارتباطا وتشابكا. النقطة الخامسة: أصبحت ولادة وعدمية المنشآت تتم بوتيرة أكبر، نظرا لديناميكية هيكلية الأسواق المتغيرة؛ وأصبحت صفقات الاندماج والاستحواذ أكثر شيوعا، وبناء على ذلك نشأ دور أكبر للمنشآت الصغيرة والمتوسطة المبتكرة. النقطة السادسة: أضحت الفجوة بين القيمة السوقية للمنشأة وأصولها الثابتة تتباين بشكل أكبر، وتتسع على العموم. النقطة الأخيرة: أصبح الفرد المبتكر في إطار المجموعة، هو المحرك الرئيسي لنجاح المنشآت، وترتب على ذلك تباين كبير في الأجور.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.