إيران: المقابر بيوت المشردين في ليالي الشتاء القارس - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قضايا

إيران: المقابر بيوت المشردين في ليالي الشتاء القارس

مشردون خارج منطقة كرمان في إيران.  (غيتي)
مشردون خارج منطقة كرمان في إيران. (غيتي)

الأضرحة وحظائر الماشية وصناديق الصفيح والكرتون مأوى لمئات الآلاف
•تقرير أوروبي يؤكد على وجود 3 ملايين ملياردير في إيران
• مشردون لـ «المجلة»: حكومة روحاني فاشلة.. وهي تأخذ من الشعب لتعيش
•طهران تعاني من انتشار الفقر وعدم المساواة والتمييز الجنسي وتدني مستوى التعليم والصحة

طهران: فيروزة رمضان زاده

لم يكن أحد يتصور أن انتشار صور عدد من المشردين في إيران بتلك النظرات الخائفة والملابس القذرة، سيلقى صدى بهذا الحجم في شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية والأجنبية؛ نعم، هؤلاء الذين يبيتون في القبور الخالية في ليالي الشتاء القارسة.

وكانت صحيفة «شهروند» التابعة لهيئة الهلال الأحمر الإيراني أول من نشر تقريرا عن هذه المقابر؛ حيث جاء فيه أن مقبرة نصير آباد بمنطقة باغستان في ريف مدينة شهريار الصناعية الواقعة في غرب طهران، تحتوي على 300 قبر جاهز، حيث يبيت 50 شخصًا على الأقل من رجال ونساء وأطفال متشردين في 20 من هذه القبور الخالية.

لم تمض بضع ساعات على نشر هذا التقرير حتى سارعت مجموعة من الصحافيين والجمعيات الخيرية إلى مقبرة نصير آباد لمتابعة أوضاع ساكني القبور عن كثب، ولكنها لم تجد أي واحد منهم هناك، لأن قوات الشرطة قامت بإخراجهم من المقبرة واعتدت عليهم بالضرب.
ولكن الصور والتقرير الذي نشرته جريدة «شهروند» عن ساكني المقابر لقي صدى واسعا وبسرعة على شبكات التواصل الاجتماعي، ومن ثم في وسائل الإعلام الأجنبية.

وجه منتج سينمائي إيراني شهير فائز بجائزة الأوسكار رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني أشار فيها إلى الفقر والمحنة التي يعيش فيها الأطفال والنساء والرجال الذين يبيتون في المقابر وبين أشجار الحدائق العامة وتحت الجسور، وأضاف: «لقد أشار التقرير إلى اسم أحدهم يدعى (أرمان)، وهذا الاسم لا يفارق ذهني لحظة واحدة. (أرمان)، (وهو يعني الأمل)، ينام في قبر ما وهو جالس في الليالي القارسة، ويعيش تجربة الموت، حسب قول معد التقرير. (أرمان) هو أمل ضائع وجدوه في المقبرة. هذا الأمر عار علينا».

وقال حسن روحاني ردا على رسالة أصغر فرهادي الحادة حول ساكني المقابر في مقبرة نصير آباد: «من يستطيع في إيران أن يطيق اللجوء إلى المقابر».
وكان لهذا التقرير والصور المرفقة له، انعكاس واسع في وسائل الإعلام الأجنبية، مثل «رويتر»، و«بي بي سي»، و«سي بي إس»، و«يورو نيوز»، و«العربية»، و«العرب نيوز»، و«غولف تايمز»… وغيرها من المواقع الإخبارية البارزة.

ويمكن الإشارة إلى أحد التقارير التي نشرتها محطة «سي بي إس» الإخبارية. ونشرت المحطة الصور التي التقطها المصور سعيد غلام حسيني، وقالت إن 50 رجلا وامرأة وطفلا ممن يتعاطون المخدرات يبيتون في مقابر خالية بمقبرة تقع على بعد 12 ميلا غرب طهران.
هذا، وقال أحد مراجع تقليد الشيعة في إيران؛ هو آية الله ناصر مكارم شيرازي: «أثار الأعداء مؤخرا جدلا واسعا في الشبكات الاجتماعية من خلال قصة ساكني القبور، في الوقت الذي يبيت فيه في أميركا ذاتها مئات الآلاف من الأشخاص في الكراتين، ويعيش بعضهم حتى بالقرب من مجاري الصرف الصحي».

إيرانيون يسيرون في بلدة غالة الفقيرة جنوب غربي طهران (غيتي)
إيرانيون يسيرون في بلدة غالة الفقيرة جنوب غربي طهران (غيتي)

وتعد ظاهرة ساكني القبور في إيران غير جديدة؛ حيث إن العيش بجانب كثير من المقابر وأضرحة الأئمة في المدن الإيرانية المختلفة، رائج منذ سنوات.
وقام نيما سروستاني، مخرج الأفلام الوثائقية ومنتج الأفلام وهو الإيراني – السويدي، بإخراج فيلم وثائقي في 2001 بعنوان: «العاري والريح»، ويتضمن الفيلم مقابلات مع عدد من الشبان في منتصف العمر؛ حيث كانوا يبيتون في مقابر دفن بها أموات، في إحدى المدن وسط إيران.

المشكلة عمرها عقدان… وتتصدر عناوين جريدة «شهروند»

ولا تقتصر كارثة الأحياء الذين يبيتون في مقابر الأموات على مدن محافظة طهران، وإنما تمتد لتطال مدنا إيرانية كثيرة.
يقول مير طاهر، وهو معلم متقاعد ساكن في طهران، حول هذا الأمر: «نلاحظ ظاهرة ساكني القبور في زاهدان وريفها. والوضع يزداد سوءا في ريف مدن محافظة طهران على غرار ورامين، وساوه، وجاجرود، وشهريار، و… وأما الوضع الأسوأ فنلاحظه في منطقة جاجرود؛ ومنطقة كمرد الصناعية، ولكن ظاهرة ساكني القبور لا تتم ملاحظتها بسبب انتشار المصانع والمعامل في هذه المنطقة».

وأضاف مير طاهر: «الطبقة الوسطى شهدت انكماشا كبيرا، وأغلب أفراد هذه الطبقة أصبحوا فقراء. ليس بيد الشعب حيلة؛ بخاصة في قضية السكن. تساعد الحكومة الناس في حالات خاصة فقط، لأنها تفتقر للإمكانات الكافية والضرورية. هذه الحكومة فاشلة، وهي تأخذ من الشعب لتعيش. تتمتع مؤسسات؛ مثل بلدية طهران والحرس الثوري والباسيج بإمكانات أكبر بكثير. فهم يحبون مثل هذه الفضائح، غير أن تداولها إعلاميا لا يحل مشكلة ما، وإنما يزيد رائحتها الكريهة».

وأضاف: «شاهدت اليوم مقطع فيديو عن سكان حي في مدينة ساوه؛ حيث كلهم كانوا حفاة ولا يرتدون أحذية ولا ملابس شتوية ولا يملكون لا ماء ولا كهرباء. هذا أمر مثير للأسف ويبعث على العار. كنت أرغب بشدة في أن أساعدهم. بحثت في كل خزائن الملابس عما يستحق العطاء. أدركت حينها أنني لم أشتر أحذية جديدة منذ 10 سنوات، ولم أشتر معطفا؛ ولا معطف المطر ولا سترة. لا أملك إلا سترة أو سترتين ومعطفا أو معطفين».

وقال رضا، وهو طالب ومدون يقيم في مدينة كرمسار: «لم نشهد ظاهرة تدعى (ساكني القبور) حتى الآن. وينصح بعض الذين يكتبون الأدعية أو أمثالهم، من لديهم مشكلات خاصة بالمبيت في أحد القبور لليلة واحدة أو بضعة الليالي بهدف حل مشكلتهم. يعتقد البعض أن المبيت في القبر سيكون له ثواب، ولكن ظاهرة (ساكني القبور) أمر مختلف».

وتابع: «كان الفقراء يقطنون في مناطق قريبة من المقابر، لأن المقابر كان يتم بناؤها في مناطق قريبة من المدن أو القرى، وكانت المقابر تبعد عن الأحياء السكنية. قطن سكان العشوائيات هذه المناطق لأنهم كانوا يريدون الاستفادة من نذور الناس لموتاهم، أو إذا أراد أحد أن يساعد الفقراء فسيتجه إلى العشوائيات القريبة من المقابر لأنهم يقطنون هناك».

ويقول طالب في فرع الإحصاء يدعى أشكان: «عندما كان حسن روحاني في ألمانيا، قدم الأوروبيون له تقريرا عن الأوضاع الاقتصادية في إيران. وأكد التقرير على وجود 3 ملايين ملياردير في إيران. وبالتالي، فإن هذه المجموعة تقوم بإدارة كل عمليات الشراء والبيع في الأسواق المحلية. لا يقوم هؤلاء بشراء طائرات (بوينغ) أو بناء سكك الحديد أو بناء الطرق، بل إنهم يمتلكون كل المنافذ الحيوية في البلاد من خلال ثرواتهم الهائلة التي حصلوا عليها بين ليلة وضحاها، وعدد النساء اللاتي يبتن في الكراتين والمشردات، لافت للغاية، وهذا أمر يدعو للأسف».

ونقلت وكالة للأنباء في يوليو (تموز) 2015 عن نائبة الرئيس لشؤون المرأة قولها إن عدد الذين يبيتون في الكراتين 15 ألف شخص؛ حيث 5 آلاف منهم نساء. وقال رئيس منظمة إعادة الإعمار في بلدية طهران «عبد الله فتح اللهي»، في حوار مع موقع وزارة الطرق وبناء المدن، إن هناك ما بين 150 ومائتي ألف شخص يبيتون في الكراتين بـ«منطقة 12» في طهران وحدها.

وكتبت أساره كياني مقالا في صحيفة ، قالت فيه: «هناك عائلات برمتها تبيت في المرافق الصحية في طهران. ونشهد يوميا نساء يمسكن بطرف التشادور بأسنانهن ويحملن البطانية بيد واحدة ويحملن أطفالهن النائمين بيد أخرى ليخرجوا من المرافق العامة قبل أن تفتح أبوابها أمام العموم».

وعلى أثر نشر التقرير الخاص بساكني القبور في نصير آباد، لقي نشر أخبار حول الفقراء في إيران؛ ومنهم سكان العشوائيات وسكان الكراتين، أصداء أكبر من السابق في كثير من وسائل الإعلام الإيرانية التي نشرت تقريرا عن أحد العاملين في بلدية طهران وهو يسكن في المنطقة المحيطة بقبر المرشد الإيراني الخميني.

جنة الزهراء

ويقول سامان، الصحافي المقيم في طهران وأحد الذين منع من ممارسة مهنته: «كان يقطن كثير من الناس في مقبرة طهران (جنة الزهراء) منذ سنوات مديدة، وكانوا يحصلون على غذائهم اليومي مما كان يوضع على المقابر من فواكه وحلويات وغيرها. عندما كان كرباسجي رئيس بلدية طهران، توجهت مع أحد المعلمين في مدرستي إلى (جنة الزهراء) ورأيت أسرا تسكن القبور. أتذكر أن المدمنين كانوا يلجأون إلى القبور في 1992 ليقوا أنفسهم من البرد وليحصلوا على ما يأكلونه. وكنت أتردد دوما في 2002 على ضريح الخميني الذي كان ينتشر ساكنو المقابر في المناطق القريبة منه، ولكنهم كانوا يسعون لأن يجدوا طريقا للدخول في داخل الضريح لكي لا يتم طردهم خارج المحل». وأضاف: «وتصدرت هذه المشكلة الاجتماعية التي مر عليها عقدان عناوين صحيفة (شهروند). وظهرت هذه المشكلة بعد أن أغلقوا أبواب المساجد، حيث لم يجد المتشردون والمدمنون محلا يقصدونه. يتم الإنفاق على مساجد كثيرة خالية حيث لا أحد يتردد عليها، وهي الخيار الأفضل لأن تكون ملجأ لكل المتشردين في إيران. تحولت المساجد بعد الثورة إلى قواعد عسكرية».

وتابع سامان أن «التعامل العنيف والمخزي مع المدمنين يدفعهم إلى اللجوء إلى القبور بدلا من مراكز إيواء خاصة بالبلديات… ترسل مراكز الإيواء المدمنين إلى مؤسسات علاج الإدمان التي تتعامل بعنف بالغ مع المدمنين، ما يؤدي إلى وفاة أحدهم أحيانا بسبب الاعتداء عليهم بالضرب، وليس للمدمنين أي قيمة في هذه المراكز. ولا تتابع عائلات المدمنين الأمر في حالة وفاة أحد المدمنين ولا ترفع الشكوى إلى المؤسسات المعنية. وتقيأ أحد أقربائي دمًا في أحد مراكز علاج الإدمان بشمال البلاد منذ بضع سنوات وتوفي. ولذلك، يمتنع المدمنون عن التوجه لهذه المراكز».

ونشرت جريدة «شهروند» في 7 يناير (كانون الثاني) الحالي تقريرا كشف عن 12 أسرة مؤلفة من مائة شخص يعيشون في مبنى إسمنتي مهجور منذ 40 عاما في وسط متنزه «جيتكر»، وهم يفتقرون للغاز ومياه الشرب والهاتف، وذلك بعد التقاط موظفي التعداد السكاني صورا جوية للمحل المذكور.
وقامت وسائل إعلام بنشر تقرير عن أب وابنته من شيروان (من توابع محافظة خراسان الشمالية) وهما يعيشان في حظيرة (بيت الأبقار) منذ 20 سنة.

طفل يلعب بالتراب في بلدة غالة الفقيرة جنوب غربي طهران (غيتي)
طفل يلعب بالتراب في بلدة غالة الفقيرة جنوب غربي طهران (غيتي)

شعار الثورة الإيرانية

وأطلقت الثورة الإيرانية شعار: «العدالة، والقضاء على التمييز، والتطور المالي، وانتشار الرخاء» بوصفه أحد أهم أهدافها، ولكننا نلاحظ أن 18 مليون فرد في إيران يعيشون في أماكن غير رسمية وفي عشوائيات قريبة من المدن، وذلك بعد مرور 38 عاما على الثورة، مما يؤكد حجم الحرمان الذي يعيشه ساكنو المناطق العشوائية الفقيرة ومدن الصفيح في إيران.
وقال وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، في يونيو (حزيران) الماضي حول مدن الصفيح في إيران: «يدخل 600 ألف إيراني سنويا إلى السجون، ويعيش 11 مليون إيراني في المناطق العشوائية، في الوقت الذي لدينا فيه 3.5 مليون عاطل عن العمل، ومليون ونصف مليون مدمن في البلاد».

وتفيد الإحصاءات الرسمية بأن ساكني المناطق العشوائية يعيشون إما في مدن الصفيح في المناطق الجبلية، أو في أودية. ويلجأ آخرون إلى وسائل وقطعات قديمة على غرار الكراتين والأكياس والنفايات ليصنعوا منها أماكن يبيتون فيها. ويعيش عدد من المشردين في أفران الطوب، وبيوت الحصير، وغرف الحصير، التي تعد كلها نماذج عن مدن الصفيح المنتشرة في معظم المدن في إيران.

وتنتشر المناطق العشوائية في مدينة مشهد بشكل كبير، وتقع هذه المدينة بالقرب من ضريح علي بن موسى الرضا، وهو الإمام الثامن للشيعة، وتشرف «مؤسسة استان قدس رضوي» على إدارة الضريح. وتعد هذه المؤسسة رابعة كبرى المؤسسات الاقتصادية في إيران.
ويبلغ عدد سكان مشهد مليونين و700 ألف شخص؛ حيث يعيش أكثر من 900 ألف منهم في المناطق العشوائية، وينتشر الإدمان، والسرقة، والاستغلال الجنسي، والبطالة، في هذه المدينة. وتعد هذه المشكلات من أهم التحديات التي تواجهها محافظة خراسان رضوي.

وتقول مهناز، وهي موظفة تقيم في مشهد: «ينتشر المتشردون والمدمنون المتشردون كل عام مع بداية موسم البرد والمطر والثلج في المقابر والبيوت المهجورة في مدينة سبزه وار الواقعة في محافظة خراسان رضوي، وذلك لتعاطي المخدرات بحرية ومن دون ملاحقة الشرطة».
تتفاقم مشكلات اجتماعية، مثل انتشار المناطق العشوائية، والفقر، وعدم المساواة في الدخل، والتمييز الجنسي، وتدني مستوى التعليم والصحة، في إيران، في الوقت الذي تعهدت فيه الجمهورية الإيرانية ببلوغ المؤشر العالمي للتنمية المستدامة بحلول 2030.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.