نمام غفوري: معاناة ضحايا الحرب في كردستان والعراق تفوق الخيال - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

نمام غفوري: معاناة ضحايا الحرب في كردستان والعراق تفوق الخيال

ناشطة كردية قالت في حوار لـ«المجلة» الدعم المستدام غائب

لندن: جود التميمي

نمام غفوري، دكتورة وناشطة كردية. تركت غفوري كردستان مع عائلتها في سن مبكرة عندما قامت قوات صدام حسين بتفجير المنطقة التي كانوا يعيشون فيها وأصبحوا لاجئين في إيران، ومن ثم هاجروا إلى السويد، حيث تعلمت غفوري والتحقت بكلية الطب. بعد إكمال دراستها هناك، تركت غفوري تسهيلات وراحة الحياة في السويد للعودة إلى العراق وكردستان، ومساعدة ضحايا الحرب والنزاعات الأهلية هناك.

في مقابلة مع «المجلة»، تتكلم غفوري عن تجربتها في العراق وكردستان، وتسرد تفاصيل الأوضاع التي يعيشها الضحايا الآن، والمعضلات التي يواجهونها.

* ما دافعك إلى ترك السويد والعودة إلى العراق وكردستان من أجل مساعدة ضحايا الحرب؟ وكيف بدأ كل ذلك؟

– قبل عودتي إلى كردستان كنت أقوم ببعض الأعمال الخيرية في بلدان أخرى. وفي يوليو (تموز) من عام 2014 زرت أربيل عاصمة كردستان من أجل مهمة في مخيم يدعى كوركوسك، ويقع خارج أربيل وهو للاجئين السوريين، وفي نهاية مدة إقامتي هناك سمعت عن ما حصل في سنجار، وكيف قامت «داعش» بمهاجمة تلك المنطقة بعد الاستيلاء على الموصل. وقررت أنا وأصدقاء لي الذهاب إلى هناك لمشاهدة ما يحدث، حيث كنا قد سمعنا عن كوارث تتعلق بخروج السكان والمشي لمدة عشرة أيام تحت درجة حرارة تبلغ 50 مئوية. وذهبنا إلى منطقة حدودية بين العراق وسوريا، حيث كان أهالي سنجار يهربون باتجاه سوريا، ويعودون مرة أخرى عبر نهر دجلة إلى الجانب العراقي. ولم نصدق ما شاهدناه هناك من كوارث، ولاحظنا أنه لم يكن هنالك تصور لدى أي كان للتعامل معها. وقررنا على الفور أن هنالك حاجة إلى معالجة حالة الجفاف التي يعانيها اللاجئون. ولحسن الحظ، أننا أطباء وقمنا بالاتصال مع زملائنا الأطباء في السويد، وطلبنا منهم إرسال حبوب لمعالجة الجفاف. وقد تسلمنا أطنانا من هذه الحبوب، وباشرنا على الفور بمساعدة الناس. ثم ارتأينا أن هنالك حاجة إلى توفير حوافظ مياه صالحة للشرب، وقد قمنا بتوفيرها. كما وجدنا أن هنالك حاجة ماسة إلى الخبز؛ لذلك بادرنا إلى بناء مخبز في أحد المخيمات الذي كان يفترض أن يكون مؤقتا في ذلك الوقت، واسمه مخيم «باجد كندال»، وهو يقع في منطقة حدودية بين العراق وتركيا وسوريا، وقد أصبح المخيم فيما بعد دائما، وكان من الصعب الوصول إليه؛ لذلك تم بناء المخبز هناك، وكنا نوزع الخبز لنحو 18000 شخص يوميا. وهكذا بدأ الموضوع.

* هل المخبز الذي قمتم ببنائه ما زال قائمًا؟

– لسوء الحظ لا. أنا أعمل حاليا لدى منظمة Joint Help for Kurdistan، ونحن نعتمد على التبرعات الشخصية. وللأسف، بعد السنة الماضية وعندما قطع اللاجئون الحدود ووصل الكثير منهم إلى أوروبا رأينا كيف تعامل الإعلام مع قضية اللاجئين، حيث أساء توجيه كل شيء؛ إذ إنه، وبسبب وصول بضعة آلاف من اللاجئين إلى أوروبا فإنهم نسوا الملايين الذين ظلوا في أراضيهم، وكان علينا الاختيار بين تشغيل الفرن أو تشغيل العيادة. وبالتأكيد، فقد اخترنا تشغيل العيادة، حيث كنا نعالج كل شهر ما يزيد على 3500 مريض. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) مثلا عالجنا 3986 مريضا مجانا، وكان علينا أيضًا تزويدهم بالأدوية. ولم يقتصر الأمر على العيادة الصحية، فقد كان علينا أيضًا الاعتناء بالعائلات العائدة من الأسر. إن الصدمات النفسية التي أصابت الإيزيديات تزداد عمقا بمرور الأيام. في البداية، كانت مشكلة المجموعة الأولى التي عادت أنها كانت قد تعرضت للاعتداء الجنسي والاغتصاب من رجالات «داعش»، وبعد ذلك أصبحت المجموعات التي تعود حبلى أو معها أطفال. وهنالك الموجة الجديدة من العائدين من النساء والأطفال الذين ظلوا خلال مدة الأسر في الظلام لمدة تزيد على السنة، ومن دون توفر أي من الاحتياجات الأساسية للحياة. وبالتالي، فإن الأطفال لم يكونوا قادرين على فتح أعينهم في الشمس.

ولكننا نأمل أن تقوم جهة بمد يد المساعدة من أجل إعادة فتح المخبز؛ لأننا نتوقع أن تطول أمد الحرب في الموصل، وبالتالي فإن هنالك أعدادا متزايدة من اللاجئين ستأتي من هناك، وستكون هنالك حاجة إلى تزويدهم بالخبز باستمرار.

الناشطة الكردية نمام غفوري وسط قوات البيشمركية
الناشطة الكردية نمام غفوري وسط قوات البيشمركية

* حديثنا عن الخدمات الأخرى التي يقدمها فريقك للضحايا؟

– نحن نقوم بتشغيل العيادة الطبية، ولدينا أيضًا برامج دعم للأطفال وإعادة تأهيل للأيتام الذين فقدوا أهاليهم في الحرب، أو للأطفال الذين عادوا من الأسر مؤخرًا. كذلك، فنحن ندير برنامجا للرسم، لكننا نحتاج إلى تمويل من أجل التعاون مع أطباء واختصاصيين نفسانيين من الخارج. ذلك أن الأطفال عندما يرسمون فإنهم يستدعون ذكريات مؤلمة، ونحتاج إلى خبراء من أجل معالجة الأطفال وإعادة تأهيلهم. وكذلك، فنحن الوحيدون الذين لدينا فريقان لكرة القدم من الفتيات، ونبحث عن مدربين متطوعين يمكن لهم القدوم والقيام بالتدريب بشكل مستمر. كذلك، فنحن ندعم التعليم ونوزع أوراقا وأقلاما، ونحاول أن نبحث عن معلمين متطوعين يمكنهم القدوم والقيام بعملية التعليم.

* أين تقدم منظمة Joint Help for Kurdistan خدماتها داخل العراق؟ ومن الفئات المستفيدة من الدعم الذي تقدمه هذه المنظمة؟

– تتركز خدماتنا بشكل رئيسي في شمال العراق، وهي منظمة غير حكومية ولا تقوم على أسس دينية، وهي تقدم الخدمات للجميع بما في ذلك المسيحيون والمسلمون، لكن أنشطتنا الرئيسية يتم توجيهها للإيزيديات؛ لأنهن لا صوت لهن. وأستطيع القول بصراحة إنه وفي معظم الأحيان، فإن المسلمين يساعدون بعضهم بعضا، وكذلك المسيحيون، لكن الإيزيديين وبسبب أنهم منقسمون إلى مجموعات كثيرة؛ فإنهم لا يتمكنون من مساعدة بعضهم بعضا. ويوجد لدينا في المخيم الآلاف من الأطفال 36% منهم تحت سن الخمس عشرة، وهم حقًا في حاجة إلى المساعدة، ولا يوجد هنالك أحد لتقديمها. لقد خسروا كل شيء وهم يخسرون حاضرهم، لكننا على الأقل نستطيع أن نمنحهم فرصة لبناء مستقبل أكثر إشراقا.

* حدثينا بالمزيد عن أوضاع الإيزيديين وعن معاناتهم، وما أكبر مشكلاتهم في الوقت الحاضر؟

– لقد تم تقسيم الإيزيديين إلى مجموعات عدة، وهو الأمر الذي يهدد وجودهم حقا. فعلى سبيل المثال، فإنهم يحاولون أخذهم ضمن مجموعات، مجموعة بعدد خمسة آلاف ومجموعة أخرى بعدد عشرة آلاف وثالثة بعدد خمسة عشر ألفا إلى دول مختلفة، وكلنا نعلم ماذا سيحصل بعد ذلك، الجيل الأول سيتذكر ثقافته والجيل الثاني قد يتذكرها، أما الجيل الثالث فسيكون منقطعا تمامًا عن ثقافته ودينه.

كذلك، فإن المشكلة الكبرى التي يواجهونها حاليا هي أن الجميع يحاول أن يتكلم بالنيابة عنهم، لكنهم في الحقيقة لا يفعلون شيئا لهم. وفي الوقع، فإن النساء اللاتي عدن من الأسر انتهى بهن الأمر في المخيمات، ومن دون أي دعم. وعلى سبيل المثال، فإن هنالك نساء وأطفالا عادوا الشهر الماضي وكانوا تحت الأسر لمدة تزيد على السنتين، والحياة التي يملكونها الآن هي فقط الجلوس في خيم ممزقة ينتظرون كميات قليلة من الطعام كل شهر، ومن دون تغطية لأي من احتياجاتهم الأخرى. هنالك عائلات عادت من أسر «داعش» وهي تحلم بشراء كيلو من الشاي أو شراء طعام مناسب لأطفالها، وبالتالي، فإن أحوالهم مزرية. وكثيرا ما أقول إن عملية إبادتهم أصبحت مضاعفة.

حاليا، وفي ضوء ما يحدث في الموصل، فإن لدينا حالات لأطفال إيزيديين كانوا تحت الأسر لدى «داعش»، وتم غسل عقولهم وإعطاؤهم المخدرات، وبالتالي السيطرة عليهم للقيام بما يأمرونهم به. فهم يستخدمون الأولاد الصغار انتحاريين. وقد قامت منظمتنا بالإشارة إلى هذه المسألة في اجتماعات كثيرة، ونحن نطلب حاليا فحوص البصمة الوراثية في الأماكن التي يتم فيها التفجيرات للتعرف إلى عدد الانتحاريين من الإيزيديين، والعائلات ما زالت تنتظر أي معلومات عن أولادهم وإخوانهم وأزواجهم وآبائهم وأعمامهم، ونحن نريد أن نوفر لهم فرصة لتجاوز هذه المحن.

* وماذا بالنسبة للنساء الإيزيديات؟ كيف تصفين معاناتهن وهن في قبضة «داعش»؟

من الممكن أننا سمعنا عن جميع أنواع الاعتداء الجنسي المرتكب من قبل القاعدة و«بوكو حرام»، ولكني أقول- إن ما حصل للإيزيديات يتجاوز كل ما سمعته حتى الآن؛ لأن المسألة لا تقتصر فقط على تعذيب شخص أو امرأة أو فتاة أو عائلة، بل إنه ينطوي على تدمير لمجتمع بأسره. وقلت ذلك مرات عدة، وإذا وصفنا ما حصل لهم بأنها إبادة فإننا نختار وصفا بسيطا جدًا لما حصل. إن ما يحصل هو إبادة مضاعفة للإيزيديين؛ لأن الهدف لا يقتصر على تحطيم شخص أو عائلة، وإنما تحطيم مجتمع وموروث ثقافي بأكمله.

مشاهد للدمار الذي يحيط بضحايا الحرب في العراق
مشاهد للدمار الذي يحيط بضحايا الحرب في العراق

* حديثنا عن الحياة اليومية للضحايا؟

– أستطيع القول إنها تفوق الخيال. تصوري ما مر به هؤلاء من أسر وعبودية جنسية وبيع للنساء من ثماني إلى عشرين مرة، واغتصاب من قبل العصابات، وحتى من بعض الأطباء الذين عملوا في الموصل ثم العودة. تخيلي كيف يمكن أن تكون هذه الحياة وهن يقمن الآن في خيام فظيعة. الآن هو فصل الشتاء، وهذه الخيام تتمزق؛ لأنها تتجمد أثناء الليل ثم يبدأ يوم جديد، ولكنه لا يعني لهن أي شيء؛ فالأخبار كلها عن الحرب، وهن لا يملكن النقود لشراء الدواء، ويحتجن إلى الذهاب إلى الأطباء، ولكن ذلك يكلفهن بدل مواصلات تساوي نحو 30 – 40 دولارا، وهن لا يملكن هذا المبلغ. وأولادهن كانوا تحت الأسر لسنة أو سنتين، وتم إخبارهم بأنهم أصبحوا في سن أكبر ولا يستطيعون العودة إلى صفوفهم في المدارس، كما لا يمكن لهم الالتحاق بالمراحل الأقل؛ لأنه لا يوجد لهم أماكن فيها، وبالتالي فهم لا يحصلون على أي تعليم مناسب. وهنالك كل أنواع المشكلات، ولا يوجد أحد لمساعدتهم ودعمهم والتخفيف عنهم.

قبل ستة أسابيع عادت سيدة تبلغ من العمر 23 عاما مع ولدين، وفي المساء فإنها تعاني الخوف، وتبدأ في الارتجاف، وحتى اليوم فإن فترة المساء تعد من أسوأ أوقاتها؛ لأنه الوقت الذي تعود فيه ذكرياتها المؤلمة ومخاوفها، وحتى بعد أن بدأت العمليات في الموصل فإن أمورها أصبحت أسوأ، حيث تقول دائما ماذا سيحصل لو لم تنجح هذه العمليات، ولم يتم التخلص من «داعش»؟ فإنهم سيعودون مرة أخرى ويصبحون أقوى، وماذا سيحل بنا عندئذ؟

* إلى أي مدى تتم تغطية الاحتياجات الطبية لهؤلاء الضحايا؟

– عندما تفكرين في الأمر فمن الممكن القول إن هنالك نحو مليونين من المهجرين واللاجئين في شمال العراق في كردستان، ويوجد في دوهق، وهي جزء من المنطقة، نحو ثمانمائة ألف إلى مليون ومائتي ألف شخص كذلك من المهجرين واللاجئين، أي أن النسبة هي 1:1، والحكومة العراقية توقفت عن إرسال النقود والأدوية وكل شيء إلى هذه المنطقة منذ نحو ثلاث أو أربع سنين. وأصبح نظام الخدمات الطبية يعاني، ولكن ستفاجئين بأنه ورغم كل هذه الصعوبات فإنه ما زال هنالك شيء يقدم على هذا الصعيد، لكنه ليس كافيا.

هل تعلمين أنه وفي إحدى المرات وبعد تحرير مدينة شنغال، وهي الجزء الآخر من جبل سنجار، أخبروني بأن وزير الدفاع العراقي موجود هناك، وقلت إنني أريد أن أتكلم معه، وقال لي الرجال الإيزيديون نرجوك أن تفعلي ذلك لأننا نعلم بأنك تجروئين على قول هذه المسائل؛ لأنك أجنبية.

وعندما ذهبت إلى الوزير أخبرته بأن لدي أربعة أسئلة: الأول هو ماذا فعلت بصفتك وزيرا حتى هذه اللحظة لإنقاذ فتاة إيزيدية واحدة، وعلى نحو يعطيك الحق بالوقوف على هذه الأرض المقدسة التي أعطت الحياة للكثيرين؟

وسؤالي الثاني كان ماذا فعلت بصفتك شخصا عاديا، وليس بصفتك وزيرا، لإنقاذ طفل واحد وامرأة إيزيدية واحدة؟

وسؤالي الثالث كان ماذا تفعل بهؤلاء الأطباء الذين ما زلت تدفع لهم رواتبهم في الموصل بينما هم يغتصبون الفتيات الإيزيديات؟ سآخذك إلى هؤلاء الإيزيديات اللواتي تم اغتصابهن من الأطباء في الموصل، الذين تدفع لهم رواتبهم كل شهر، بينما تقطع الرواتب عن الناس في كردستان على الرغم من أنهم في الحقيقة هم الذين يساعدون هذه الضحايا.

ثم سألته بأنني أريد أن أعرف فيما إذا كنت تعتبر المنضمين إلى «داعش» كفارا؟ لأنه وحتى الآن، فإن المسلمين لا يجرؤون على القول إن «داعش» ليسوا مسلمين وإنهم كفار. وما يزعجني هو أن عامة الناس يتبعون ما يقوله رجالات الدين، بينما رجال الدين لم يدينوا «داعش» حتى الآن ولم يقولوا إن ما يفعلونه ليس هو الإسلام، وحتى عندما تسأل مسلما في دولة إسلامية أو غير إسلامية فيما إذا كان يعتقد بأن تنظيم داعش كافر، فإنه لا يجيبك بأنه كذلك، ولكنه يقول لك لا أعلم ولا أستطيع أن أحكم. كما يقول إن هذا الأمر متروك لله، وهو الذي يحكم في هذا الأمر، ولكن إذا سألته على سبيل المثال إذا كان أوباما كافرا أم لا؟ فإنه يجيبك بسهولة إنه نعم، كافر.

لقد تواجدت في كاليفورنيا لافتتاح فيلم اسمه «الطريق الأطول» وكان هناك أشخاص من دبي أغنياء ومتعلمون، ومع ذلك لم يستطيعوا القول إن «داعش» تنظيم كافر وإنه فظيع. وحتى اليوم، عندما أذهب إلى بعض القرى فإنهم يسألونني هل ما يقولونه عما تفعله «داعش» في الإيزيديات حقيقة أم إشاعات لتشويه صورة الإسلام؟ يحاول الناس ألا يروا الأمور على حقيقتها، وهذا ما يزعجني، فإذا كنت تقول إن الإسلام هو ليس ما يفعله «داعش» فإذن يجب أن تتعامل مع ذلك بوضوح. في نهاية الأمر، فإن معظم الناس يتبعون رجالات الدين، وهؤلاء يجب أن يتخذوا قرارات ذكية، يجب أن يخرجوا إلى الناس ويقولوا لهم نعم «داعش» تنظيم كافر.

* وماذا عن احتياجات التعليم؟ إلى أي مدى تتم تغطيتها في الوقت الحاضر؟

– لسوء الحظ، هي مغطاة بشكل محدود جدًا، وبخاصة بالنسبة للإيزيديين. وسأعطيك الحقائق من المخيم الذي أعمل فيه. فمن بين 11000 شخص هنالك 4700 طالب ويوجد لدينا من 9-11 معلما فقط، ومعظمهم يجب أن يعملوا أيضًا في أعمال السكرتارية أو إدارة المدارس. وقد حاولنا أن نتعاون مع المعلمين المتطوعين لكنهم حاصلون على تعليم مميز، وهم لا يسكنون في المخيم، بل خارجه في المدن المجاورة، ولا يستطيعون القدوم والذهاب من وإلى المخيم باستمرار؛ فنحن نبعد نحو ساعة من المدينة الكبرى ونحو نصف ساعة من مدينة أخرى أصغر؛ ولذلك فإنه علينا أن نتحمل نفقات تنقلاتهم. أما بالنسبة للطلاب في الصفين الأول والثاني فقد وجدنا معلمين متطوعين وهم أنفسهم قد تعلموا لمدة 6-8 سنوات، لكنهم على الأقل يستطيعون أن يعلموا الطلاب الحروف الهجائية؛ ولذلك أقول إن الوضع في غاية السوء، ولسوء الحظ فإنه على الرغم من محاولتنا التركيز على هذه المسألة فلا يوجد أحد يستمع إلينا. وقد سمعت بعض المسؤولين الحكوميين يقولون إن ما هو مهم هو الطعام والملجأ، وما عدا ذلك يعد ترفا بما في ذلك التعليم، وهذه طريقة خطيرة جدًا في التفكير؛ لأننا بذلك نقدم الأسوأ للمحتاجين، فـ«داعش» أخذ منهم ماضيهم وحاضرهم، ونحن نأخذ منهم مستقبلهم إذا كنا نقول إن التعليم يعد ترفا.

نمام غفوري إلى جانب إيزيديات يتظاهرن ضد الجرائم المرتكبة بحقهن
نمام غفوري إلى جانب إيزيديات يتظاهرن ضد الجرائم المرتكبة بحقهن

* كيف تصفين نتائج أعمال نظام الأسد؟

– أعتقد أنه يمكن الوصول إلى الإجابة من خلال النظر إلى عدد الأشخاص الذين قتلوا حتى اليوم، وعدد أولئك الذين تم تهجيرهم، وفوق ذلك عدد اللاجئين الذين تم تعذيبهم والاعتداء عليهم جنسيا خلال ذلك. وإذا استثنينا عدد الذين ماتوا، فإن من بقوا على قيد الحياة عليهم أن يواجهوا الأصعب في كل شيء: الاعتداء الجنسي والتعذيب، وهذا يخبرك بالكثير عن الأعمال المرتكبة من قبل نظام الأسد. وهذا الأمر الذي لا أفهمه فما الذي يجعل هذا الرجل مدمنا إلى هذا الحد على السلطة وكرسي الحكم بحيث يتعامى عن رؤية عدد الناس الذين فقدوا حياتهم. إن الأشخاص الذين لا يستطيعون أن يروا ذلك فإنني لا أراهم من البشر. وهم ببساطة كالوحوش أينما وجدوا.

* ماذا يحمل المستقبل لهؤلاء الضحايا في رأيك؟

– أنا دائمًا شخص متفائل. ولحسن الحظ، فإن هنالك الكثير من الناشطين في أماكن مختلفة، وآمل أن يكون لنا صوت وأن نكون قادرين على تقديم مستقبل أفضل للناس في المخيم، ويجب علينا أن نقوم بذلك؛ إذ ليس هنالك طريق أو خيار آخر. فهو الطريق الوحيد الذي علينا أن تسير فيه.

* إلى أي مدى اقتربت من مناطق «داعش» خلال مهمتك هناك؟

كنت في شفردين عندما كانت محاصرة من «داعش» وكانوا يفعلون كل ما في وسعهم لتدمير المعبد في المنطقة. واستطيع القول إننا كنا قريبين جدا منهم. وفي مرة وجدت نفسي وبطريق الخطأ في منطقة تحت سيطرة «داعش» بالكامل وسمعتهم يصرخون الله أكبر، ويعدون أنفسهم لشيء ما، ولم أكتشف ما هو لأن غريزة البقاء قادتني إلى العودة والهرب بعيدا.

* من هم الجهات الداعمة لكم، وما أوجه الدعم التي قدمت لكم؟

– حتى الآن لم تقم أي حكومات أو منظمات كبيرة بدعمنا، ونحصل على الدعم من المنظمات الصغيرة مثل جمعية «LDS» من الولايات المتحدة التي تقدم لنا بين الحين والآخر بعض المساعدات، وفيما عدا ذلك فنحن نعتمد بشكل أساسي على المساعدات المقدمة من الأفراد. نحن نقدم محاضرات في الخارج، وهنالك مجموعة من صانعي الأفلام والمحاربين القدماء الأميركيين الذين قاموا بعمل فيلم اسمه «الطريق الأطول» وهم المجموعة الوحيدة التي عادت من أجل التبرع بكامل أرباحها من عروض فيلمها للضحايا في المخيم، وهم يدعمون معهدنا التعليمي في سنجار، الذي يقدم برنامجا تعليميا نأمل أن يبدأ حالما نستلم التمويل الكافي.

Previous ArticleNext Article

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.