• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
اقتصاد

الاقتصاد المصري على أعتاب اختبار جديد

طفلة تنظر من نافذة بأحد الاحياء الفقيرة في مصر (غيتي)

انخفاض معدل النمو وارتفاع سعر الدولار أبرز التحديات

طفلة تنظر من نافذة بأحد الاحياء الفقيرة  في مصر (غيتي)
طفلة تنظر من نافذة بأحد الاحياء الفقيرة في مصر (غيتي)

• قلق في الأسواق.. وتراجع في الثروات.. واستمرار ارتفاع التضخم
• الإصلاحات الحكومية تدخل حيز التنفيذ.. والمستثمرون في انتظار القضاء على الفساد والبيروقراطية

القاهرة: حسين البطراوي

مع بدايات عام 2017، يدخل الاقتصاد المصري في اختبار جديد، بعد توقيع مصر على اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وسط تقارير دولية متباينة حول أداء الاقتصاد المصري خلال العام الجديد. فالتوقعات تشير في أغلبها إلى انخفاض معدل النمو خلال عام 2017 إلى 3.3 في المائة، على أن يبدأ الاقتصاد في النمو مرة أخرى بحلول عام 2018 إلى4.5 في المائة، بحسب تقرير وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني.

أرجعت الوكالة انخفاض معدل النمو إلى التحديات التي يواجهها الاقتصاد المصري قبل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وقرار تعويم الجنيه المصري في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي الذي أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية بنسبة تعدت 100 في المائة خلال شهر واحد.
وشهد سوق النقد الأجنبي بنهاية ديسمبر (كانون الأول) نشاطًا ملحوظًا، وهبوطًا حادًا لقيمة الجنيه أمام الدولار، حيث كسر سعر الدولار حاجز التسعة عشر جنيهًا لأول مرة في تاريخه، حتى في ظل وجود السوق السوداء.
وأرجع خبراء الاقتصاد الارتفاع الكبير في سعر الدولار خلال ديسمبر الماضي إلى تزايد الطلب على الدولار، خصوصًا من المستوردين والشركات الأجنبية، مشيرين إلى أن العملاء الأجانب لدى البنوك يسعون لتحويل أرباحهم للخارج قبل موسم العطلات.

يذكر أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر لم تتمكن من تحويل أرباحها للخارج منذ فترة تعدت العامين، نتيجة شح العملة الصعبة، وإجراءات البنك المركزي قبل قرار تعويم الجنيه المصري، خصوصًا شركات الطيران الأجنبية التي هددت أكثر من مرة خلال الفترة الماضية بوقف النشاط حال عدم تحويل الأرباح للخارج.

قلق في الأسواق

الارتفاع الكبير في سعر الدولار جاء متواكبًا مع حالة القلق التي تسود سوق النقد الأجنبية في مصر، وهو ما دفع المستوردين لزيادة الطلب على الدولار، تحسبًا لأي ارتفاعات مرتقبة في الأسعار. لكن خبراء مصرفين قللوا من خطورة التقلبات الشديدة في سعر العملة، وقالوا إن سوق النقد الأجنبية لم تصل إلى حالة الاستقرار بعد تعويم الجنيه المصري، وأضافوا أن من شأن تحرير العملة تشجيع الاستثمارات الأجنبية، وقد يعزز الصادرات، ويتيح للشركات الحصول على الدولار من البنوك بأسعار السوق، بما يعيدها للإنتاج الكامل من جديد بعد خفض العمليات الإنتاجية خلال الفترة الماضية بسبب عدم توافر الدولار اللازم لشراء المواد الخام.
ويعد بنكا مصر والبنك الأهلي أكبر بنكين عاملين في السوق المصري. ويلعب البنكان دور صانع السوق في العملة منذ الثالث من نوفمبر الماضي، عندما تخلت مصر عن ربط الجنيه بالدولار الأميركي، في إجراء يهدف لجذب تدفقات رأسمالية، والقضاء على السوق السوداء التي كادت تحل محل البنوك.

تراجع كبير في الثروات

تقرير آخر أشار إلى تراجع متوسط ثروة الفرد البالغ في مصر بمقدار ألف دولار خلال عام، ليصل إلى 6.3 ألف دولار خلال عام 2015 – 2016، مقابل 7.3 ألف في العام المالي السابق، بحسب ما أظهره تقرير الثروة العالمي لعام 2016. وقال التقرير إن 50 في المائة من المصريين تقل ثروتهم الفردية عن 1639 دولارًا. وتنخفض الثروة الفردية لنحو 92.3 في المائة من المصريين عن 10 آلاف دولار، بينما تتراوح ثروة 7.2 في المائة من المصريين بين 10 آلاف و100 ألف دولار، وتتراوح ثروة 0.5 في المائة من المصريين بين 100 ألف ومليون دولار، أما الذين تبلغ ثروتهم أكثر من مليون دولار، فنسبتهم أقل من 0.01 في المائة… وسط توقعات باستمرار انخفاض ثروات المصريين بعد قرار تعويم الجنيه المصري.
وقال تقرير بنك كريدي سويس إن إجمالي ثروة المصريين انخفض بنحو 44 مليار دولار خلال عام، ليصل إلى 351 مليار دولار في 2015 – 2016، من 395 مليار دولار، مرجعًا انخفاض ثروة المصريين إلى هبوط قيمة العملة المحلية بنحو 14.1 في المائة في مارس (آذار) 2016، وانخفاض القيمة السوقية للأصول المالية في مصر بنحو 26 في المائة خلال العام المالي الماضي، مسجلة ثالث أكبر انخفاض عالمي بعد أوكرانيا وآيرلندا. وتراجعت أيضًا قيمة الثروة العقارية في مصر بنحو 11.1 في المائة خلال عام، بحسب التقرير.

مواطن مصري يحمل خبزًا داخل مخبز في القاهرة (غيتي)
مواطن مصري يحمل خبزًا داخل مخبز في القاهرة (غيتي)

توقعات بارتفاع الجنيه

وفى سياق متصل، توقعت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن ترتفع قيمة الجنيه المصري بدءًا من العام المالي 2018، ليصل سعر صرف الدولار إلى 14.5 جنيه، في مقابل نحو 16 جنيهًا ترجحه بنهاية يونيو (حزيران) 2017، مشيرة إلى أن قرارات برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي المصري ساهم في زيادة التدفقات الأجنبية لمصر، بدءًا من حصول مصر على موافقة صندوق النقد الدولي لإقراض مصر 12 مليار دولار على مدار الثلاث سنوات المقبلة، بالإضافة إلى الحصول على موارد أجنبية من مصادر مختلفة أخرى، منهم دول الخليج، والبنك الدولي، وإجراء مبادلة العملة مع الصين بقيمة 2.6 مليار دولار، إضافة إلى ملياري دولار من بنوك دولية عبر طرح خاص للسندات. وساهمت هذه الموارد في ارتفاع أرصدة الاحتياطي الأجنبي إلى نحو 23 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، وهو ما يغطي أكثر من 4 شهور من الواردات السلعية.
وأشار تقرير الوكالة إلى أن الحكومة المصرية بدأت في تنفيذ حزمة من الإصلاحات، بدأت من تطبيق المرحلة الثانية من رفع أسعار الكهرباء بمعدلات تراوحت بين 35 و40 في المائة، ثم إدخال ضريبة القيمة المضافة حيز التنفيذ في سبتمبر (أيلول) الماضي، بعد الحصول على موافقة البرلمان المصري على تطبيقها بمعدل 13 في المائة في البداية، على أن ترتفع إلى 14 في المائة في مطلع العام المالي في 2017.

آثار مزدوجة

لكن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية أدت إلى آثار مزدوجة تمثلت في زيادة الاقتراض الخارجي، بالتزامن مع الهبوط الكبير في قيمة الجنيه المصري؛ الأمر الذي سيقفز بمعدلات الدين لذروتها خلال عام 2016 / 2017، لتدور حول مستوى 99 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بافتراض تسجيل سعر صرف 16 جنيهًا أمام الدولار بنهاية يونيو 2017.
وترجح «فيتش» أن تنخفض نسبة الدين إلى 93 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي المقبل 2018، مع تراجع عجز الموازنة وارتفاع قيمة العملة المحلية، ليسجل الدولار 14.5 جنيه.
وترى «فيتش» أن الوضع المالي سيظل نقطة ضعف رئيسية في الوضع الائتماني لمصر، على الرغم من الإصلاحات الضريبية، وتقليل الدعم، وتطبيق القيمة المضافة، متوقعة أن يسجل عجز الموازنة تراجعًا متواضعًا، ليسجل 11.6 في المائة بنهاية العام المالي الحالي 2017. وتتوقع الوكالة تحسن الاندماج المالي خلال العام المالي المقبل 2017 / 2018، ليضيق عجز الموازنة إلى 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، والعجز الأولي إلى 0.3 في المائة من الناتج.

تحديات قائمة

وقالت الوكالة إن الاقتصاد المصري ما زال يواجه تحديات خاصة في قطاعي الصناعة والسياحة، حتى من قبل قرار تعويم الجنيه، فضلاً عن أن حزمة الإصلاحات المالية والنقدية التي تم اتخاذها أخيرًا ستمثل عبئًا في بداية تطبيقها على معدل استهلاك الأفراد.
وكانت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني قد أكدت على تصنيف مصر الائتماني عند B، مع نظرة مستقبلية مستقرة. وقالت الوكالة إنها ما زالت تقيم احتمالات تخلف مصر عن سداد الديون المحلية والأجنبية الطويلة الأجل، أو ما يعرف ب IDRs عند مستوى B، وهو نفس تصنيف أذون وسندات الخزانة التي يتم إصدارها محليًا.

ارتفاع التضخم

توقعت التقارير الاقتصادية استمرار ارتفاع معدلات التضخم في مصر خلال العام الجديد، بعد الارتفاع المفاجئ في سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، خصوصًا أن مصر تعتمد على الاستيراد في تلبية احتياجات السوق من السلع الغذائية ومنتجات البترول والسلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج، وتراوحت توقعات التضخم بين 20 في المائة إلى 25 في المائة خلال العام الجديد، وهو ما يمثل بعض المخاطر من ردة الفعل الاجتماعية، لا سيما في ضوء المشكلات الهيكلية الحالية، بما في ذلك ارتفاع بطالة الشباب، وأوجه القصور في الحكم وبيئة الأعمال، وكذلك قضايا الأمن، رغم محاولات الحكومة للتخفيف من هذه المخاطر، من خلال التأكيد على أنه تعزيز لشبكات الأمان الاجتماعية، وأن هذه الإصلاحات ستحسن الأداء الاقتصادي وتوفر فرص العمل.

تكلفة الروتين

وأشار تقرير «تمكين التجارة» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن مصر احتلت المركز الثاني بعد بوروندي في مؤشر تكلفة استخراج أوراق الاستيراد في العالم، ويتكلف المستورد المصري نحو ألف دولار لاستخراج مستندات الاستيراد، فضلاً عن رسوم الجمارك والنقل وغيرها من متطلبات الاستيراد، وهي ثاني أعلى تكلفة عالميًا بعد بوروندي، من بين 136 دولة شملها التقرير. أما متوسط الوقت المطلوب لاستكمال مستندات الاستيراد في مصر، فقد بلغ 265 ساعة عمل، وهي ثالث أطول مدة عالميًا، بعد فنزويلا (1093 ساعة)، وإيران (270 ساعة).

مصادر النمو

تركز التقارير حول أداء الاقتصاد المصري على الإشادة بمعدلات النمو من الناحية المطلقة، ولكنها تهمل مصادر نمو الاقتصاد، فالاقتصاد المصري يعتمد على المصادر الريعية، مثل عائدات السياحة وقناة السويس والخدمات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، في الوقت الذي تتراجع فيه الأهمية النسبية للقاعدة الإنتاجية، سواء الصناعية أو الزراعية للاقتصاد المصري، بحيث أصبحت مصر تفتقد حاليًا إلى قاعدة إنتاجية تتناسب مع الموارد التي تملكها، وهو ما انعكس في العجز الهائل في الميزان التجاري المصري.

وأدى نمط نمو الاقتصاد المصري إلى التفاوت الواضح في توزيع الدخل بين الفئات المختلفة، حيث تراجعت مكانة الطبقة الوسطى التي كانت تشكل غالبية الشعب المصري، واتسعت الهوة بين الفئات المرتفعة والفئات الفقيرة بشكل كبير.

وأدى الاعتماد على مصادر النمو الريعية، وإهمال الاقتصاد الحقيقي (الصناعة والزراعة)، إلى تعرض الاقتصاد إلى الضغوط التضخمية على نحو واسع، التي ساعد على تعمقها ضعف قاعدة الإيرادات العامة للدولة، والتي تسببت في عجز مستمر في الميزانية العامة للدولة، كان يتم تمويل جانب منه من خلال الإصدار النقدي الجديد الذي يغذى الضغوط التضخمية، وارتفاع معدلات البطالة التي أصبحت من أخطر التحديات التي تواجه مصر في الفترة الحالية، فإن عمليات الاستثمار التي تتم حاليا في الاقتصاد المصري لا تخلق فرص عمل كافية للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وقد كان من المفترض أن تركز استراتيجيات الاستثمار على الأنشطة كثيفة الاستخدام لعنصر العمل.

وفى المقابل، تواجه بيئة الأعمال في مصر عقبة خطيرة تتمثل في انتشار الفساد على نحو واسع، الذي أصبح يؤثر سلبًا على عمليات تخصيص الموارد، وكيفية توزيعها بين الأطراف المختلفة في الدولة، كما أصبح الفساد يهدد إقبال المستثمرين على الاستثمار في مصر، بصفة خاصة الاستثمار الأجنبي. وتشير التقارير التي تصدرها منظمة الشفافية العالمية إلى تراجع ترتيب مصر الدولي في مجال مكافحة الفساد، فضلاً عن انتشار الفقر، وانتشار ثقافة التربح والكسب السريع، وانتشار البيروقراطية ومركزية اتخاذ القرار، وغيرها من المشكلات التي تكبل الاقتصاد المصري، وتحول دون انطلاقه نحو الأمام، لتصبح مصر في مصاف الدول الناشئة في العالم، مثل ماليزيا وكوريا الشمالية، التي لا تقل مصر عنها من حيث الموارد والإمكانيات، فهل تنجح الإدارة المصرية في خلق مناخ استثمار قادر على جذب الاستثمار المحلي والأجنبي، وخلق فرص عمل لامتصاص البطالة، وخلق قاعدة إنتاجية صناعية وزراعية، حتى يتمكن الاقتصاد من الانطلاق مع بدايات العام المقبل.. هذا هو التحدي الحقيقي للحكومة المصرية.

Previous ArticleNext Article
صحافي مصري

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.