رهان حفتر في 2017 :بين هوس الشارع وطموحات السياسيين - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

رهان حفتر في 2017 :بين هوس الشارع وطموحات السياسيين

خليفة حفتر

•مصدر عسكري : قائد الجيش لديه أوراق يمكن أن يلقي بها على الطاولة مستقبلا للتخلص من «مماحكات السياسيين» في الشرق والغرب

خليفة حفتر
خليفة حفتر

طرابلس: عبد الستار حتيتة

مشكلة الجنرال الليبي خليفة حفتر البالغ من العمر 74 سنة ليست فقط مع بعض الأطراف الدولية المصممة على حرمانه من السلاح، ولكن مع كثير القوى المحلية التي ترى في وجوده على رأس الجيش الوطني الليبي سببا من أسباب تأخر الحل السياسي، سواء الحل المقترح من الأمم المتحدة والمعروف باسم «اتفاق الصخيرات» أو الحلول التي يسعى سياسيون في طرابلس في غرب البلاد إلى التوصل إليها مع نظراء لهم في المنطقة الشرقية التي يعمل حفتر انطلاقا منها.

الجنرال المولود في بلدة إجدابيا عام 1943 تمكن من خلق «هوس شعبي» بالانتصارات التي حققها خلال العامين الأخيرين، رغم ضعف إمكانات الجيش. الملل الذي أصاب الليبيين من الفوضى التي تضرب البلاد منذ الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011 أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل غالبية الليبيين يبحثون عن مُخلِّص يوحد الدولة ويعيد إليها الأمن والاستقرار، بدلا من محاولات التقارب السياسي التي لم تحقق حتى الآن أي نتائج تذكر. فالمصارف خالية من الأموال والغلاء فاحش، وأعمال القتل لا تتوقف، وبخاصة في العاصمة طرابلس.
في هذا السياق، تمكن حفتر من طرد الميليشيات المتطرفة والجهوية من مدن الشرق، خصوصا درنة وبنغازي وإجدابيا ومنطقة الهلال النفطي التي يوجد فيها أكثر من 60 في المائة من النفط الليبي. وبدأ في توجيه مدافعه إلى جنوب البلاد الذي تتحصن فيه ميليشيات موالية لقادة من المتطرفين والجهويين المتمركزين في مدينتي مصراتة وطرابلس شمالا، ثم أخذ في التلويح بتحريك قواته قرب العاصمة والمناطق الغربية المزدحمة بالميليشيات والمسلحين.

اتفاق الصخيرات

وكان أول اختبار لقدرة حفتر على الصمود أمام مناورات السياسيين ما ورد في اتفاق الصخيرات الذي جرى توقيعه أواخر عام 2015، من بنود تسحب اختصاصات تعيين قائد الجيش وقادة الأجهزة الأمنية من البرلمان، وتعطيها المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج. بل تجعل من السراج القائد الأعلى للقوات المسلحة، بدلا من رئيس البرلمان المنتخب المستشار عقيلة صالح. ووقف صالح حائط صد ضد مقترحات الصخيرات الجوهرية، وهو أمر أسهم في تعزيز موقف حفتر.

لكن الجنرال الذي سبق وانشق على نظام القذافي في أواخر ثمانينات القرن الماضي أصبح أقوى من السابق. ويمكنه في أي وقت، كما يقول أحد القادة العسكريين، أن يستغني عن البرلمان، إذا ما حاول هذا البرلمان أن يخصم، هو الآخر، من صلاحيات حفتر في قيادة الجيش وفي الحرب ضد الميليشيات المتطرفة. ويبدو أن حفتر ورجاله في القوات المسلحة، استشعروا خطورة الحوار السياسي على الحالة المعنوية للجيش، فجرى بشكل سريع تعيين قادة عسكريين للمناطق، وقام هؤلاء القادة بأخذ صلاحيات رؤساء البلديات المنتخبة.

العصف بقادة البلديات من الشخصيات المدنية أثار الغضب في أوساط الكثير من التجمعات السياسية، لكنه قوبل بالترحاب من جانب القطاعات الشعبية. فالبلاد تحتاج إلى قرارات صارمة وعاجلة. وطالما البلاد في حالة حرب، فلا يوجد أهمية تذكر للبلديات ولا للانتخابات، كما يقول أحد شيوخ قبيلة العواقير ذات الأغلبية في بنغازي. ويضيف: رئيس البلدية المنتخب لم يكن يفصل في الأمور العاجلة التي تخدم الحرب.. كان ينتظر لعقد جلسات ومشاورات في الأمر. هذه أمور تتعارض مع متطلبات الجيش. الجيش يريد قرارات سريعة.

حكومة الإنقاذ

أصبح رئيس بلدية بنغازي رجلا عسكريا تابعا للجنرال حفتر، وهكذا سار الأمر في مناطق أخرى في عموم البلاد، حتى تلك التي لا توجد فيها سيطرة مباشرة للجيش جرى تسمية قادة عسكريين لتولي إدارتها عن بُعد، مثل منطقة غرب طرابلس. ومما أخاف الكثير من السياسيين سواء في غرب البلاد أو حتى في الشرق الموالي لحفتر، قيام أطراف دولية، منها روسيا وبريطانيا والولايات المتحدة، أخيرا، بالثناء على جهود الجنرال في مكافحة الإرهاب وقدرته على طرد الميليشيات من الكثير من المدن، وجاهزيته ليكون ركنا أصيلا من أركان أي منظومة جديدة للحكم بما فيها منظومة المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة.

ومن المفارقات اللافتة للنظر، أن البرلمان الذي يدعم حفتر دخل في الشهور الأخيرة في مفاوضات مع ما يسمى «حكومة الإنقاذ»، وهي حكومة مركزها طرابلس ومنافسة لحكومة المجلس الرئاسي المقترحة. لكن غالبية قيادات حكومة الإنقاذ لا تتقبل وجود حفتر في المشهد. وردا على التحركات السياسية لعدد من أعضاء البرلمان ممن يضمرون الشر للجنرال، حقق حفتر انتصارات جديدة حين دخلت قواته إلى أوكار الميليشيات في جنوب البلاد خلال الأسابيع القليلة الماضية. وبدأ الحديث يدور عن أنه يفكر في التوجه من هناك لطرد الميليشيات من العاصمة.

ويعتمد كل من المجلس الرئاسي وحكومة الإنقاذ في طرابلس على ميليشيات تعد من ألد أعداء الجنرال. وفي خطوة متحدية، تلقى الفاكس الخاص بالمجلس الرئاسي رسالة تهديد منسوبة إلى حفتر، جاءت بعد أن قال السراج إنه لا مانع من بحث المقترحات الدولية الخاصة بإشراك قائد الجيش الوطني في ترتيبات الحكم مستقبلا. وحصلت «المجلة» على فحوى الخطاب. وجاء فيه أن «المؤسسة العسكرية لن تتعامل مع المجلس الرئاسي المستقوي بالغرب، ولن يمثل الدولة الليبية إلا البرلمان (في طبرق) وحكومته (في البيضاء) إلى حين إجراء الانتخابات».

وتضمن الخطاب القول، إن «القوات المسلحة لها الكلمة النافذة، واليد الضاربة، ولم يتبق إلا ساعات محدودة، وأيام قلائل، على تحرير العاصمة من العصابات السياسية، ومن الميليشيات الإرهابية، وسيتم تطهير كافة المنطقة الغربية والمدن المارقة فيها. ونحن نعرف أكثر من أي وقت مضى أن المجلس الرئاسي غرسته دول غربية داخل ليبيا لتنفيذ مخطط استعماري، يهدف إلى تقسيم الوطن، وسرقة ثرواته، ولدينا الأدلة التي سـنعرضها على الشعب الليبي، ليقول فيها القول الفصل».

خطاب تهديدي

ويقول مسؤول مقرب من المجلس الرئاسي: إن هذا الخطاب التهديدي وصل على فاكس المجلس الرئاسي يوم 19 ديسمبر (كانون الأول)، وهو منسوب إلى قائد الجيش. ولم تتمكن «المجلة» من تأكيد الأمر من طرف محايد. ويضيف هذا المسؤول، أن حفتر يبدو أنه يستغل فشل المجلس الرئاسي منذ دخول المجلس لطرابلس في أواخر مارس (آذار) الماضي، مشيرا إلى أنه منذ وصول مجلس السراج للعاصمة ازدادت الأوضاع تعقيدا أكثر من السابق على المستوى الاقتصادي والأمني.

من جانبه، يضيف مصدر على صلة بحكومة البيضاء الموالية لحفتر: «الأوضاع في طرابلس ليست على ما يرام. والسراج لم يتمكن من تحقيق أي شيء ذي شأن رغم الدعم الدولي له.. رواتب الموظفين تتأخر لأشهر عدة، والاقتتال بين عناصر الميليشيات لا يتوقف. وزاد الطين بلة انحياز ميليشيات عدة لحكومة الإنقاذ المنافسة للمجلس الرئاسي. سكان العاصمة يحتاجون إلى من ينقذهم ويبدو، من خلال المنشورات التي جرى توزيعها في العاصمة، أن حفتر جاهز لهذه المهمة».

ويشير مصدر عسكري مقرب من حفتر إلى أن قائد الجيش لديه أوراق يمكن أن يلقي بها على الطاولة مستقبلا للتخلص من «مماحكات السياسيين» سواء كانوا من الموالين له في الشرق أم من خصومه في الغرب، لافتا إلى أن بعض السياسيين في الشرق ومن البرلمان المؤيد لحفتر، يقومون بالتفاوض مع حكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل لتشكيل حكومة موحدة، لأنهما يتفقان على ضرورة إخراج السراج ومجلسه الرئاسي وحكومته المقترحة من المشهد الليبي. لكن غالبية أطراف حكومة الغويل ترفض وجود حفتر في هذه المعادلة.

ويقول إن «من بين الأوراق التي يملكها حفتر ضد أي محاولة لإبعاده عن المشهد، اقتراح يحظى بدعم من القيادات العسكرية التي معه، ومن زعماء قبائل وتيارات شعبية، وهو إنشاء مجلس عسكري برئاسته يتولى شؤون الحكم في البلاد، على غرار المجالس العسكرية المصغرة التي قام بتشكيلها بالفعل والعمل بها بديلا عن البلديات المنتخبة».

ويضيف، أن المشكلة تكمن في أن غالبية الشعب جرب كل شيء منذ سقوط نظام القذافي، ولم يجد غير الفشل والتراجع إلى الوراء، سواء من خلال البرلمان المنتخب وحكومته، أو من خلال حكومة السراج، أو حكومة الإنقاذ. وفي المقابل، ينظر حفتر لنفسه، وهو يعمل على توحيد الجيش وتنظيف البلاد من المسلحين، بصفته منقذا قادما لفرض الاستقرار والأمن في عموم البلاد.

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة

كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.