• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
مجتمع

لاجئون في مصر يعيشون بمائة دولار في الشهر

عائلات سورية وليبية في جولة في النيل.

بينهم سوريون وعراقيون وليبيون… ويلجأون للوجبات الشعبية ويتنزهون في النيل

عائلات سورية وليبية في جولة في النيل.
عائلات سورية وليبية في جولة في النيل.

القاهرة: عبد الستار حتيتة

تلقى عاصم العراقي البالغ من العمر 52 عامًا، وهو في طريقه إلى مركز توزيع الغاز الطبيعي جنوب العاصمة المصرية القاهرة، اتصالاً هاتفيًا من قريبه اللاجئ في ألمانيا ويدعى عبد الله. وقال له عصام أثناء المحادثة: اترك فرانكفورت وتعال إلى مصر.. الحياة في مصر أرخص من أي مكان يمكن أن تتخيله. ويعيش في مصر نحو خمسة ملايين لاجئ من دول مختلفة، لكن أكثر من وفدوا إلى هذا البلد الذي يقع عبر القارتين الأفريقية والآسيوية، عراقيون وليبيون وسوريون ويمنيون فارون من الفوضى والاقتتال في بلدانهم.

وغالبية اللاجئين الذين يقيمون في بلدان مثل مصر والمملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، لا يجري التعامل معهم على أنهم غرباء، إذ إنهم ينخرطون في الأعمال العامة ويفتتحون المطاعم والمتاجر، فيما ينفق آخرون من مدخراتهم حتى لو كانت قليلة. ومع طول البقاء في الغربة، اضطرت شريحة من هؤلاء اللاجئين لترتيب حياتهم بطريقة خاصة، دون الحاجة إلى تكبد عناء الهجرة إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، خصوصًا بعد فوز دونالد ترمب. وفي مدن مصرية مثل القاهرة والإسكندرية، أصبح من اليسير أن تلتقي مع أبناء دول نفطية يعيشون كما تعيش الطبقة الفقيرة في مصر، بنحو مائة دولار في الشهر.
وتقول سيدة سورية تدعى سهيلة، وهي ترتدي بالطو أحمر وتتجول في مركب في النيل: «كأننا بين أهلنا. عشت في فرنسا ثلاثة أشهر ولم أتمكن من الاستمرار. الحياة صعبة هناك». وشرعت أسرة ليبية عل المركب نفسها في التقاط صور تذكارية مع الأصدقاء السوريين الجدد. بينما كان الأطفال يلهون على الحواف ويشاهدون مباني القاهرة من وسط النيل.

ولا توجد إحصاءات دقيقة في مصر عن عدد اللاجئين من كل دولة بالتحديد. كما أن كثيرًا من اللاجئين لا يفضلون التواصل مع مكاتب الأمم المتحدة في القاهرة التي تقدم المساعدات لأسباب تتعلق بالكبرياء. وتقدر بعض المنظمات الأهلية مثل المفوضية المصرية لشؤون اللاجئين، عدد السوريين بنحو 130 ألفًا، لكن يعتقد أن العدد يزيد عن ذلك بكثير. ويقول النشطاء الليبيون في القاهرة إن عدد الليبيين المقيمين في القاهرة يبلغ مئات الألوف. بينما لا يزيد عدد العراقيين عن بضع عشرات الآلاف. ومن بين اللاجئين أيضًا يمنيون وسودانيون وصوماليون.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قال في كلمته في الأمم المتحدة عن اللاجئين أواخر العام الماضي، إن عددهم في مصر يبلغ نحو 5 ملايين، وإنه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر، فإنها تحرص على استضافتهم بما في ذلك تقديم الدعم اللازم لهم. ويقول عزيز، وهو سوري يبلغ من العمر 55 عامًا، ويدير محلاً صغيرًا للعطور في مدينة نصر جنوب شرقي العاصمة، إنه يعيش كمصري بعد أن تزوج من مصرية العام الماضي. ويضيف أن «الناس يتحدثون عن زواج المصريين للسوريات، بينما أنا قمت بالعكس».

مطعم شاورما سوري في القاهرة.
مطعم شاورما سوري في القاهرة.

ولدى الحاج عزيز كما يناديه جيرانه، زوجته الأولى، وهي سورية من حلب، تعيش مع ابنها وابنتها منذ نحو عامين في كندا. ويقول إن زوجته المصرية تتحدث معهم بالهاتف بين حين وآخر، وهي على استعداد لاستقبالهم في حال لم تعجبهم الحياة في كندا، ورغبوا في القدوم إلى مصر. ويعرب عزيز عن سعادته بزوجته الجديدة وأسرتها ويقول: «أنا أصبحت مصريًا. لي بيت جديد وحياة جديدة. أحب المحشي والملوخية والبامية، وسأرزق بطفل قريبًا».

ويدخل هؤلاء إلى مصر بتأشيرات سياحة أو زيارة أو للعلاج. ولا تدقق السلطات في مسألة ترحيلهم بعد انتهاء مدة التأشيرة، حيث يمكن تجديدها من داخل البلاد برسوم رمزية. ولا تقتصر استفادة اللاجئين على الخدمات المدعمة مثل الغاز الطبيعي والمواصلات العامة، ولكن الأمر يمتد إلى الدراسة في المدارس الحكومية والعلاج في المستشفيات العامة، بنفس التكلفة الزهيدة التي يسددها أي مصري.

ويلجأ أبناء هذه الطبقة إلى صناعة الوجبات الشعبية، قليلة التكلفة، في بيوتهم التي استأجروها أو اشتروها في الضواحي البعيدة عن قلب المدينة، أو ارتياد المطاعم السورية واليمنية التي تقدم الطعام بثمن أقل من مثيلاتها المصرية. وفوق ذلك يحاول كثير منهم تزجية الوقت باستكشاف معالم القاهرة بأقل التكاليف، من خلال التنزه في المراكب النيلية، أو زيارة المعالم التاريخية باستخدام الحافلات العامة.

وكان عصام العراقي يمتلك مخبزًا وبيتًا من طابق واحد وحديقة في مدينة الموصل، قبل أن تجتاحها قوات تنظيم داعش. وتوفيت زوجته قبل سنوات، ولم يتمكن من اصطحاب ولديه (21 سنة و25 سنة)، إلى خارج البلاد. وهو على تواصل، من القاهرة، مع ولده الذي يقيم في ضاحية في الموصل لا يسيطر عليها «داعش»، بينما ولده الأكبر ما زال محاصرًا في منطقة القتال، حيث تحاول القوات العراقية تحرير المدينة من التنظيم المتطرف.

ويتركز وجود معظم العراقيين والسوريين في مدينة السادس من أكتوبر على بعد نحو 40 كيلومترًا إلى الغرب من العاصمة المصرية. بينما يقيم غالبية الليبيين في مدن القاهرة الجديدة مثل مدينة الرحاب والتجمع الخامس وغيرها. أما اليمنيون فيفضلون الإقامة في ضاحية الدقي في قلب مدينة الجيزة الملاصقة لمدينة القاهرة، وذلك لأسباب تاريخية تعود إلى الوافدين الأوائل من اليمنيين لهذه المنقطة. لكن طول مدة البقاء للاجئين الجدد في مصر، ونفاد معظم المدخرات، دفع البعض من المقيمين في تلك الضواحي للبحث عن سكن آمن لفترة طويلة بدلاً من النفقات الباهظة للشقق المؤقتة. وكان عصام يستأجر شقة في السادس من أكتوبر بما قيمته مائة وخمسين دولارًا في الشهر.

ويقول إن طول مدة البقاء خارج العراق دون وجود أمل كبير في العودة في الأفق المنظور، جعله يفكر بطريقة مختلفة، خصوصًا بعد ارتفاع قيمة الدولار أمام الجنيه المصري من نحو ثمانية جنيهات إلى نحو عشرين جنيهًا. ويضيف أنه جمع ما تبقى من مدخراته الدولارية التي جاء بها إلى مصر، وقسمها إلى قسمين بالعملة المحلية، مما مكنه من شراء شقة في ضاحية دار السلام، بالقسم الأول وقيمته نحو 200 ألف جنيه، بينما وضع القسم الثاني، أي نحو 250 ألف جنيه، ليدر عليه عائدًا شهريًا يبلغ نحو ألفي جنيه للإنفاق على نفسه.

واحدة من روابط اللاجئين السوريين في مصر.
واحدة من روابط اللاجئين السوريين في مصر.

وأصبح لدى عصام أصدقاء ينتمون لنفس الشريحة الاقتصادية. ولديهم مخاوف من طول أمد الحروب في بلادهم. وهم لا يلتقون في المطاعم والمقاهي فقط، لكنهم ينظمون رحلات للنزهة في المراكب النيلية بأسعار زهيدة أيضًا. وفي الشهر الماضي اشترك هذا الرجل العراقي مع مجموعة مكونة من خمسة ليبيين واثنين من اليمنيين وسوري، في رحلة إلى المتحف المصري الذي يشرف على ميدان التحرير في قلب القاهرة.

ويقول إنه كان يفترض أن يسدد قيمة الدخول كأجنبي، وهو سعر يبلغ ضعف سعر السعر التذكرة للمصري، إلا أن الموظف عاملهم كمصريين، ومنح كلا منهم تذاكر محلية، وتجاذب معهم بعض الشجون والمآسي التي تخص المنطقة. وتبين أن الموظف المصري نفسه كان في شبابه، وهو طالب، يعمل في الإجازة الصيفية في بغداد.

ويوضح عصام أن صديقه اللاجئ في ألمانيا غير قادر على التأقلم فيها، وأنه كان يسعى لمواصلة الهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، للحاق بأقاربه الذين سبقوه قبل سنوات للإقامة في كاليفورنيا، إلا أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس الجديد للولايات المتحدة، دونالد ترمب، ستجعله يفكر في العودة للإقامة في إحدى دول المنطقة.

عائلات سورية وليبية في جولة في النيل.
عائلات سورية وليبية في جولة في النيل.

ويضيف أنه يحاول إغراء صديقه عبد الله باختيار مصر. وكانت بين عصام وعبد الله ذكريات في الطفولة والشباب في الموصل. ويعلق قائلاً بعد أن أنهى إجراءات نقل عداد الغاز باسمه: «عبد الله بالنسبة لي حياة كاملة عشتها في العراق. لو جاء للإقامة معي في مصر سنتغلب معًا على الغربة. لدي غرفة إضافية وطعام فرد واحد يكفي لفردين».

وحين توجه عصام إلى مركز توزيع الغاز الطبيعي في ضاحية المعادي جنوب العاصمة، كان يعمل على تغيير التعاقد من اسم المالك المصري للشقة، إلى اسمه، كمالك جديد. ومن سوء حظه أن رسوم تبديل التعاقد ارتفع إلى الضعف. وسدد أكثر من ألف جنيه (نحو خمسين دولارًا) لهذا الغرض. وبدأ يشكو من الغلاء مثله مثل الطبقة الشعبية في مصر. ويقول: «يا إلهي.. ألف جنيه لتغيير الاسم في عقد الغاز؟ كيف سأعيش باقي الشهر بالألف الأخرى؟ الله كريم».
ومثلما فعل السوريون، تمكن كثير من الليبيين من فتح مشاريع في مصر لمواصلة الحياة بعيدًا عن بلدهم التي تشهد حروبًا أهلية وفوضى أمنية منذ مقتل معمر القذافي في 2011. وامتلأت مدينة الرحاب بالمقاهي والمطاعم التي يديرها ليبيون ويقدمون فيها المشروبات والوجبات الليبية، ومن أشهرها «قهوة المكياطة» و«الأرز باللحم الضاني». لكن رواد مثل هذه المطاعم ما زالوا من الطبقة التي لديها القدرة على الإنفاق. وتبلغ تكلفة وجبة الغداء في مطعم ليبي في مدينة الرحاب نحو ثلاثمائة جنيه. وعلى هذا بدأت الطبقات التي تخشى من تراجع المدخرات في قابل الأيام تلجأ إلى الوجبات الشعبية المصرية والسورية واليمنية الأقل سعرًا.

ويقول عصام إنه في معظم أيام الشهر يشتري مستلزمات إعداد الطعام للطبخ في منزله الجديد المكون من غرفتين وصالة. وأنه حين يخرج لقضاء يوم في الخارج، يعتمد على مطاعم «رخيصة ونظيفة» أصبحت معروفة للاجئين في مصر، ويقع معظمها في ضواحي الدقي وفيصل في الجيزة، وفي مصر القديمة والملقى في جنوب القاهرة، وغيرها.

وتقدم هذه المطاعم الوجبات الشعبية مثل الفول والطعمية والباذنجان والكشري. أما المطاعم اليمنية فكانت قد بدأت قبل خمس سنوات بتوجيه خدماتها لأثرياء القاهرة، لكنها افتتحت أخيرًا فروعًا شعبية بأسعار مناسبة. فوجبة يمنية في ضاحية الدقي، لا يزيد ثمنها عن أربعين جنيهًا. وتتكون من طبق أرز بسمتي أصفر اللون، ونصف دجاجة محمرة، وطبق حساء وطبق سلاطة خضراء ورغيف من الخبز اليمني المعروف.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.