• العدد الأسبوعي
اقتصاد

هل تتجه الليرة التركية نحو السقوط الحر؟

أناس يمرون أمام متجر لصرف العملات في مدينة إسطنبول (غيتي)

ضعف استقلالية «المركزي» التركي وعدم اليقين والإرهاب

أناس يمرون أمام متجر لصرف العملات في مدينة إسطنبول (غيتي)
أناس يمرون أمام متجر لصرف العملات في مدينة إسطنبول (غيتي)

جدة: معتصم الفلو

من يتذكر ورقة العشرة ملايين ليرة تركية؟ ومن يتذكر سعر الصرف عند 1.65 مليون ليرة مقابل الدولار عام 2001؟
لم تكن بداية العام الحالي سعيدة بالمرة على الليرة التركية، ولم يعد الحديث عن مصير مشابه للجنيه المصري مستبعدًا. ولا يبدو أن دعوات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المتكررة للأتراك بتشجيعهم على تحويل مدخراتهم بالدولار إلى الليرة التركية أجدت نفعًا، فتلتها اتهامات لـ«أعداء البلاد» بالمضاربة على الليرة التركية في السوق السوداء، حتى وصمهم بالإرهاب بقوله: «إرهابيون يحملون الدولار واليورو، لا فرق بينهم وبين الإرهابيين الذين يحملون الأسلحة والقنابل».

ومنذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) الماضي، تراجعت قيمة الليرة نحو 28 في المائة، منها 12 في المائة منذ بداية يناير (كانون الثاني) الحالي؛ لتلامس حدود 3.9 ليرات، مقابل الدولار الواحد.

وفي ظل التدهور المتواصل لقيمة الليرة أمام العملات العالمية، تزيد معدلات التضخم وتتردد الاستثمارات في المجيء إلى البلاد، وتتفاقم الصعوبات المعيشية على المواطنين، وتنحسر معدلات النمو وتتبخر المدخرات. فما الأسباب الكامنة وراء انحدار العملة الوطنية؟

صراع البنك المركزي والحكومة

يعاني البنك المركزي التركي تراجع الاستقلالية وازدياد التدخلات السياسية في عمله منذ أن كان إردوغان رئيسًا للوزراء، وبعدها توليه سدة الحكم عام 2014، وهي السنة التي بدأ فيها تراجع سعر الليرة التركية عن مستوياتها عام 2013 بعيد مظاهرات حديقة جيزي في يونيو (حزيران) من ذلك العام. وتلى ذلك انفجار فضائح الفساد التي تورط فيها نجله وانتشارها عبر تسريبات صوتية، نشرت على وسائل التواصل أوائل عام 2014، ومنذ منتصف 2013 وحتى بداية 2014 كانت الليرة قد خسرت نحو 10 في المائة من قيمتها، حيث قاربت 2.4 ليرة مقابل الدولار.

وكان البنك المركزي يتعرض لانتقادات وضغوط مباشرة، وأحيانًا هجومًا بالاسم وبعبارات قاسية على إرديم باشجي، محافظ البنك المركزي (2011 – 2016)؛ الأمر الذي جعل «المركزي» التركي مقيدًا أمام التحولات الطارئة؛ فالرئيس يرفض زيادة معدلات الفائدة، سعيًا لتعزيز الإقراض والإنفاق والاستثمار، فيما يرى البنك المركزي أن زيادة الفائدة أمر ضروري لكبح انخفاض سعر الليرة ومعدلات التضخم. وكان حرص إردوغان على الظهور مدافعا أول عن الاقتراض بفائدة منخفضة، يأتي دائمًا على حساب قيمة العملة الوطنية. صحيح أن محافظ البنك المركزي باشجي كان يعارض خفض الفائدة وينفذ ما يراه بالفعل، فقد رفعها مرات عدة بين 2013 و2016، إلا أن الليرة دفعت ثمن عدم الانسجام بين «المركزي» التركي والحكومة، فالرئاسة لاحقًا.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، تسلم المحافظ الجديد مراد جتين قايا، وهو من مواليد عام 1976، ولاية جديدة تستمر لخمس سنوات. ويتمتع المحافظ الجديد بدعم خاص من الرئاسة؛ إذ عُيّن نائبا للمحافظ السابق عام 2012 بعد تعديل دستوري مثير للجدل، عدلت بموجبه القوانين الحاكمة لتعيين نواب محافظي البنك المركزي، وصار اختصاص العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الذي يحمل شهادته جتين قايا، ضمن معايير الأهلية في هذه الوظيفة الحساسة، وهو ما لم يكن متاحًا في السابق. ويعتبر الرجل أحد المقربين جدًا من الحكومة والرئاسة إلى درجة أنه كان يسرب ما يحصل في اجتماعات المركزي التركي، المستقل نظريًا، لدوائر صنع القرار السياسي في البلاد، بحسب ادعاء الكاتب التركي عبد الله بوزكورت. كما أن سنه الصغيرة نسبيًا (40 عامًا) كان مثار جدل وشكوك بافتقاره إلى الخبرات اللازمة لإدارة هذه المؤسسة الكبيرة.

توتر سياسي وعقوبات 2015

مجموعة من أوراق الـ100 ليرة تركية في متجر لصرف العملات في مدينة إسطنبول (غيتي)
مجموعة من أوراق الـ100 ليرة تركية في متجر لصرف العملات في مدينة إسطنبول (غيتي)

بعد فشل حزب العدالة والتنمية في تحقيق غالبية مقاعد البرلمان ليشكل الحكومة وحده في يونيو 2015، تراجعت الليرة وتفاقم التراجع مع انهيار المباحثات لتشكيل حكومة ائتلافية، وفقدت الليرة في ذلك العام نحو ربع قيمتها؛ حتى وصلت إلى حدود 2.8 ليرة مقابل الدولار.

ورغم نجاح الحزب الحاكم في الانتخابات التي عقدت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، فإن ذلك لم يفلح كثيرًا في ثني العملة عن مسلسل التراجع.
ورغم رفع معدلات الفائدة عدة مرات في 2015، فإن هذا الإجراء لم ينجح في وقف التراجع؛ إذ بدأت موجة من العمليات الإرهابية تضرب البلاد، كان مصدرها حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش الإرهابي، وفقًا لما تعلنه الحكومة التركية.

ولكن التطور الأخطر الذي شكل ضربة للاقتصاد التركي هو عملية إسقاط الطائرة العسكرية الروسية في أواخر نوفمبر، التي اعتبرها الروس جرحًا قوميًا أصابهم جميعًا، فقررت الحكومة الروسية تعليق الرحلات الجوية، وفرضت سلسلة من العقوبات القاسية بحق الأتراك، نتج منها توقف تدفق السياح الروس الذين يشكلون المرتبة الثانية في عدد السياح الأجانب (4 – 5 ملايين سائح سنويًا)؛ مما يعني حرمان البلاد من نحو 13.5 مليار دولار، تشكل 14 في المائة من مجمل الدخل السياحي الذي بلغ 96 مليار دولار، وكذلك تقويض الصادرات التركية إلى روسيا، وأرخت تلك العقوبات بظلالها على العام التالي.

تحولات 2016 وتراجع السياحة

في حديث إلى «المجلة»، يقول رجل الأعمال التركي، الذي فضل التعريف عن نفسه باسم أيدين، وهو يحترف تصنيع وتسويق المنتجات الغذائية: «كان عام 2016 في غاية الصعوبة؛ لأن إقفال السوق الروسية أمام المنتجات التركية فوّت علينا فرصًا تصديرية مهمة بأكثر من ملياري دولار في تقديري. كما أن العمليات الإرهابية التخريبية قلصت من أعداد السياح، وأغلقت الكثير من الفنادق أبوابها في إسطنبول، ولولا مسارعة إردوغان بالاعتذار من القيادة الروسية لخسرنا أكثر من ذلك بكثير، فتوقيت الاعتذار توافق مع مطلع صيف 2016؛ مما خفف من تأثيرات مقاطعة السياح الروس للبلاد، لكن الضرر قد حصل، وقد يكون إنقاذ الموسم السياحي أحد أسباب الاعتذار!».

وحصل اللقاء مع أيدين مؤخرًا في أديس أبابا، حيث أضاف: «هذه هي المرة الثالثة التي آتي فيها إلى أفريقيا من أجل البحث عن أسواق بديلة للسوق الروسية، ونجحت في فتح أسواق جديدة لمنتجاتي الغذائية. أعرف السوق الروسية جيدًا، لكن القوة الشرائية هنا أضعف بكثير».

في تموز، أثارت محاولة الانقلاب الفاشلة مخاوف كبيرة، ونشرت حالة من عدم اليقين في أوساط المستثمرين ورجال الأعمال الذين توجهوا إلى تحويل عملتهم إلى الدولار واليورو؛ مما أدى إلى تفاقم حالة سوق الصرف، فانكسر حاجز 3 ليرات مقابل الدولار، ووصل إلى 3.1؛ الأمر الذي أنذر بتراجعات متتالية.
ومع كل انفجار جديد، كانت قيمة الليرة تهتز أكثر فأكثر، ويقول أيدين: «تعاني تركيا منذ عامين تقريبًا موجات إرهاب أصولي غير منضبط، إلى جانب حرب أهلية غير معلنة في المناطق الجنوبية الشرقية مع حزب العمال الكردستاني، نتج منها دمار هائل، لا تسلط وسائل الإعلام الضوء عليه؛ مما جعل البلاد وجهة أقل جاذبية للسياحية والاستثمار. كما أن موجة الإقالات التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة وطالت كبار قادة الأمن وصغارهم أيضًا، أضعفت قدرة الأجهزة الأمنية على التنبؤ بالعمليات الإرهابية، ولم يعد تخلو يوميات الصحف من نشر أحداث الإرهاب، وهكذا كانت ليرتنا الوطنية تدفع الضريبة عند كل مفترق».
ويضاف إلى ما سبق، أن التعديلات الدستورية التي تهدف إلى منح الرئيس سلطات تنفيذية وصلاحيات مطلقة، أضعفت ثقة الأوروبيين، وهم الشريك الأكبر لتركيا، في تحول البلاد إلى نموذج ديمقراطي، وترافقت كل جلسة برلمانية لمناقشة تلك التعديلات مع تراجع ما في قيمة الليرة في سوق الصرف.

تاجر يتلقى أوراقًا من عملة الليرة من أحد الزبائن في كشك لبيع الخضرة في مدينة إسطنبول (غيتي)
تاجر يتلقى أوراقًا من عملة الليرة من أحد الزبائن في كشك لبيع الخضرة في مدينة إسطنبول (غيتي)

أما الأخطر في حديث رجل الأعمال التركي أيدين، فهو قوله: «رجال الأعمال يخزنون الدولار واليورو بكميات كبيرة، ورؤوس الأموال، بدأت بالتسرب إلى الخارج. أعرف رجال أعمال كثرا يفعلون ذلك، وجزء منهم مرتبطون بجماعة رجل الدين فتح الله غولن، صاحب التأثير القوي في البلاد. هناك حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن مستقبل البلاد، والليرة جزء من ذلك».

كما أن السياحة التركية تعاني هبوطًا كبيرًا في الأعداد، فقد زار البلاد 41 مليون سائح عام 2014، و36 مليونا في 2015، أما إحصائيات عام 2016، التي لم تظهر كاملة، فتشير إلى أن العدد الإجمالي قد لا يتجاوز 26 – 28 مليون سائح، وهو ما يفقد البلاد مدخولاً هائلاً من العملة الصعبة، يؤمّنه هذا القطاع الحيوي.

وقال رئيس اتحاد الفنادق، تيمور بايندير: إن إيرادات الغرف تراجعت 42 في المائة على مدار الأشهر العشرة الأولى من 2016، مقارنة بالفترة نفسها من 2015، مسجلة أيضا أكبر هبوط في أوروبا، بينما شهدت بعض الفنادق معدلات إشغال عند 30 في المائة فقط؛ وهو ما يعني أنها كانت تعمل بخسارة، مضيفًا: «باع بعض ملاك الفنادق شققهم لتلبية احتياجاتهم وسرح القطاع 40 في المائة من عمالته».

الليرة الضعيفة مفيدة؟

يشكل انخفاض قيمة العملة الوطنية التركية فرصة لتعزيز الصادرات؛ إذ تهبط كلفة الصادرات وتزيد قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية، وبخاصة أن البلاد تتمتع بقاعدة صناعية وزراعية وسياحية متينة ومتنوعة، وبذلك يتحسن الميزان التجاري التركي الذي يعاني عجزا يتراوح بين 60 و80 مليار دولار سنويًا.

وتذكر بيانات غير رسمية لوزارة التجارة والجمارك التركية، أن صادرات البلاد في عام 2016 وصلت إلى 142.61 مليار دولار، بانخفاض طفيف جدًا عن عام 2015 حين بلغت 143.81 مليار دولار.

وفي تصريحات حديثة لوكالة «الأناضول» التركية، قالت الخبيرة الاقتصادية ومديرة شركة «إم آر في أسوشيتس» مايرا رودريجيز فالاداريس: «إن انخفاض قيمة الليرة التركية قد يشكل فرصة إيجابية بالنسبة لتركيا، ويساعدها على خفض العجز في التجارة الخارجية».
وبذلك، تصبح الصادرات التركية أكثر جاذبية للأسواق الخارجية، وبخ

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.