• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
شؤون سعودية, قصة الغلاف

الضرائب و«النمو» في ميزان الاقتصاد السعودي

وزير المالية السعودي محمد الجدعان يكشف عن الميزانية الوطنية للبلاد لعام 2017 خلال مؤتمر صحفي عقد في الرياض 22 ديسمبر الماضي (غيتي)

من المتوقع أن تدر دخلاً بقيمة 25 مليار دولار سنويًا على دول الخليج مجتمعة

وزير المالية السعودي محمد الجدعان يكشف عن الميزانية الوطنية للبلاد لعام 2017 خلال مؤتمر صحفي عقد في الرياض 22 ديسمبر الماضي (غيتي)
وزير المالية السعودي محمد الجدعان يكشف عن الميزانية الوطنية للبلاد لعام 2017 خلال مؤتمر صحفي عقد في الرياض 22 ديسمبر الماضي (غيتي)

•اتفقت السعودية مع شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي على فرض ضريبة المنتجات الضارة التي تدخل حيز التنفيذ في أبريل المقبل

جدة: معتصم الفلو

تبدو أعوام 2016 و2017 و2018 الأكثر عمقًا في تاريخ هيكلة الاقتصاد السعودي، الذي دخل مرحلة جديدة، يتراجع فيها دور النفط في تقرير مصير المداخيل الحكومية، ويبدأ تحميل المواطنين والمقيمين جزءًا من مسؤولية توفير المداخيل، مع تخلٍ عن سياسات دعم السلع المستوردة، وحتى زيادة الرسوم الجمركية، أو تخفيض الأسعار للسلع والخدمات المنتجة محليًا مثل المشتقات النفطية والماء والكهرباء، إلى جانب إلغاء الإعفاءات عن كثير من الرسوم الحكومية، وفرض ضريبتين للمرة الأولى: المنتجات الضارة، والقيمة المضافة. فهل ستؤثر هاتان الضريبتان على النمو السعودي؟

بحسب صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن يحقق الاقتصاد السعودي نموًا متواضعًا لا يتجاوز 0.4 في المائة هذا العام، وهو أمر يضع نمو استثمارات القطاع الخاص موضع الحذر والتأني، مما يقود إلى تراجع في توليد فرص العمل، سيما أن القطاع الخاص يعتمد في نموه على الإنفاق الحكومي على مشاريع البنية التحتية وغيرها، إلى جانب «الاستهلاك – الطلب» المحلي الكثيف.

ولعل صانع القرار الاقتصادي السعودي يدرك جيدًا أن تلك الخطوات، وإن كانت تدريجية، ينبغي أن تقارب مسألة ارتباط الاستهلاك اليومي طردًا بمستوى الأسعار والضرائب المفروضة على السلع. فكلما زادت التكاليف على المستهلك، تردد في إنفاق المال وأعاد ترتيب أولوياته. وكذلك الأمر ذاته ينطبق على الشركات التي ستتردد في ضخ الأموال إذا لم تلحظ نموًا في حركة الأسواق والاستهلاك، آخذين في الحسبان تعويض المواطنين المرتقب عبر برنامج «حساب المواطن» الذي يأخذ في الحسبان تعويض المواطنين عن ارتفاع تكاليف المعيشة أثناء التحرير التدريجي لأسعار السلع والخدمات.

ضريبة المنتجات الضارة

اتفقت السعودية مع شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي على فرض ضريبة المنتجات الضارة التي تدخل حيز التنفيذ في 1 أبريل (نيسان) المقبل. وتشمل الضريبة المشروبات الغازية بنسبة 50 في المائة، ومنتجات التبغ ومشروبات الطاقة بنسبة 100 في المائة، على أن يتم النظر في توسيع الضريبة على المشروبات والمأكولات الغنية بالسكر لاحقًا.

صحيح أن فاتورة علاج السمنة والأمراض الناتجة عن المنتجات الضارة، ارتفعت إلى مستويات هائلة، ولكن لم تجر حتى الآن استطلاعات موثوقة تكشف عدد الأشخاص الذين من المرجح توقفهم أو تخفيضهم استهلاك تلك المنتجات في حال رفع أسعارها إلى سقوف عالية.

قد تكون هذه الخطوة مفيدة لناحية جعل الحصول على المنتجات الضارة أكثر صعوبة من ذي قبل، لكن في الوقت ذاته، ينبغي أن تترافق مع حملة توعوية مكثفة، فالمستهلك الذي اعتاد الحصول على تلك المواد بأسعار معقولة مثل المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة، لن يسهل عليه تغيير سلوكه. كما أن بدائل المشروبات الغازية ليست مغرية؛ بل إنها أغلى ثمنًا. وتزداد المشكلة لدى أرباب الأسر، فمثلاً يبلغ سعر العبوة في معظم المشروبات الغازية نحو 1.5 ريال (40 سنتًا)، ومن المرتقب أن يرتفع سعر العبوة إلى 2.25 ريال (60 سنتًا)، فيما يبلغ أقل سعر للعصير الطبيعي، وهو البديل المفترض، نحو 5 ريالات للكأس الواحدة من الحجم الصغير (1.3 دولار)!

وبحسب تقرير نشر قبل نحو عامين تقريبًا، فقد قدر موقع «يورومونيتر إنترناشيونال» حجم استحواذ المشروبات الغازية على مجمل سوق المشروبات في السعودية بنحو 49 في المائة، فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أن حجم المبيعات يبلغ نحو ملياري دولار.

أما التبغ، فإنه يطرح إشكاليتين، أولاهما: الخوف من تخصيص جزء أكبر من دخل الأسرة لشراء التبغ وحرمانها من مستلزمات أخرى، وثانيهما: نشوء سوق للتهريب من الدول المجاورة، يطرح المنتجات ذاتها بسعر أرخص، مما يشكل تحديًا أكبر لأجهزة الجمارك، إضافة إلى فقدان الخزينة العامة جزءًا من الدخل، الناتج عن عدم شراء التبغ من الأسواق النظامية. وهنا، تبرز أهمية مراقبة تبعات هذه الخطوة ومعالجة المشكلات الناتجة عن رفع الأسعار بعيد تطبيقها.
ووفقًا لأحدث الإحصاءات التي قدمتها إحدى جمعيات مكافحة التدخين السعودية، يقدر عدد المدخنين في السعودية بنحو 6 ملايين شخص، وتستهلك المملكة 99 طنًا من التبغ يوميًا، فيما تصل فاتورة السجائر إلى 12 مليار ريال (3.2 مليارات دولار). وبعد تطبيق الضريبة، يتوقع أن يقفز ثمن العلبة الواحدة من 12 ريالاً (3.2 دولار) في المتوسط، إلى 26 ريالاً (6.9 دولار).

مستثمر سعودي في سوق الأسهم السعودية. (غيتي)
مستثمر سعودي في سوق الأسهم السعودية. (غيتي)

ويقول الخبير الاقتصادي الدولي محمد الرغيس في اتصال مع «المجلة» من إسبانيا: «يبدو فرض ضريبة على المنتجات الضارة مواكبًا للاتجاهات العالمية السائدة، حيث إن كثيرًا من الدول، سيما الغربية، أخذت خطوات كبيرة على هذا الصعيد. فمثلاً يبلغ متوسط سعر علبة التبغ بين 5 و7 يوروهات في إسبانيا، آخذين في الاعتبار أنها تزيد كل عام تقريبًا بنحو 10 في المائة، مما جعل المدخنين يتجهون إلى سجائر اللف التقليدية. وفي الحقيقة، إن هذا التوجه صحيح، لأن خزائن الضمان الصحي تنفق المليارات على رعاية المدخنين، ففي الولايات المتحدة تبلغ تكاليف الرعاية الصحية للمدخنين نحو 170 مليار دولار. تلك المنتجات لا تساهم في النمو الاقتصادي، بل هي مستوردة بالكامل».

ضريبة القيمة المضافة

من المقرر البدء في تنفيذ ضريبة القيمة المضافة مطلع العام المقبل بعد إقرار مجلس الوزراء السعودي الموافقة على الاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة لدول مجلس التعاون الخليجي أواخر يناير (كانون الثاني) 2017.

ولم يعرف بعد إن كانت الضريبة سيجري تحصيلها على الفواتير مباشرة أم إن التاجر أو مزود الخدمة سيدفعها مقدمًا ويضيفها إلى سعر السلعة.
وفي جميع الأحوال، لم تبدأ حملة منظمة من وزارة المالية لشرح تفاصيل هذه الضريبة الجديدة وأساليب تحصيلها، والفوائد التي سيجنيها الاقتصاد وحياة المواطنين ككل عند تطبيق هذه الضريبة، سيما أنها المرة الأولى التي يستخدم فيها مصطلح «ضريبة» داخل البلاد، بدلا من مصطلح «رسوم».
وتستثني الضريبة نحو مائة سلعة أساسية، وهي المرتبطة بالمعيشة اليومية، وستكون بنسبة 5 في المائة على إجمالي المشتريات.

وحول ذلك، يوضح الرغيس أن «نسبة 5 في المائة ليست ثقيلة على جيوب المستهلكين، وهي ضمن الأدنى عربيًا وعالميًا، إذا ما قورنت مثلاً بالمغرب (20 في المائة)، والأردن (16 في المائة)، ومصر (10 في المائة)، وهنغاريا (27 في المائة). في البداية، سيتردد المستهلكون في إنفاق أموالهم، سيما أنهم لم يعتادوا على هذا النوع من الضرائب، إلا أنها ليست جديدة بالكامل على السعوديين، وهم بين الشعوب الأكثر سفرًا وسياحة على مستوى العالم، ويعرفون الضريبة ويتعاملون بها في الخارج».

ومن المتوقع أن تدر الضريبة الجديدة دخلاً بقيمة 25 مليار دولار سنويًا على دول الخليج مجتمعة، فيما تستأثر السعودية بنحو ثلث هذا المبلغ تقريبًا؛ أي بين 8 و9 مليارات دولار في العام الواحد.

أما تأثر النمو، فهو مسألة أخرى، بحسب الرغيس الذي يقول: «نعم، قد يتأثر النمو في البداية، لأن إنفاق المستهلكين سيتأثر، كما أن الشركات ستتردد قليلاً في التوسع وضخ الأموال للاستثمار، ولكن الأمور ستعود إلى طبيعتها لاحقًا عندما يتكيف المستهلكون مع الضريبة الجديدة. أما انخفاض النمو المتوقع لهذا العام، فله أسباب مرتبطة بتعافي أسعار النفط وضغط الإنفاق المحلي وتجميد كثير من المشروعات الحكومية».

ويضيف: «صحيح أن صندوق النقد خفض توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد السعودي في عام 2017 إلى 0.4 في المائة، وهو أقل معدل منذ الأزمة المالية العالمية في 2009، مقارنة بمعدل اثنين في المائة في توقعات نشرت خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2016، لكن وزير المالية محمد الجدعان توقع نمو الاقتصاد بنسبة واحد في المائة. كلا الرقمين متواضع للغاية. دفع جميع مستحقات القطاع الخاص سيساعده على الاستمرار، إلا أن المشكلة تتجدد عند عدم طرح مشروعات جديدة، تتيح فرصًا أكبر للنمو».

يبقى القول إن آثار الضرائب على النمو لا يمكن الجزم بها إلا عند بدء تطبيقها، ويبقى الخيار للمستهلك في تحديد أولوياته!

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.