الوجه الآخر للدواعش - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تحقيقات, قصة الغلاف

الوجه الآخر للدواعش

مرتزقة «داعش» يتقاضون 1500 دولار شهريًا.. وسُمح لهم بـ«الخمر والتدخين والموسيقى»

«داعش» أجرى تحقيقًا مع أحد قياداته في سرت بشأن التلاعب في أموال الزكاة. وفي الصورة مكتب لجمع الزكاة في سرت طرد «داعش» منها.
«داعش» أجرى تحقيقًا مع أحد قياداته في سرت بشأن التلاعب في أموال الزكاة. وفي الصورة مكتب لجمع الزكاة في سرت طرد «داعش» منها.

•التنظيم الإرهابي استأجر 300 مرتزق للدفاع عن سرت.. ودعا قادته لعدم إجبارهم على أداء الصلاة و«التبسط معهم»
•المخابرات في طرابلس ومصراتة تكشف عن وثائق ورقية وصوتية فاضحة لعناصر التنظيم حصلت عليها عقب هزيمة «داعش» في سرت

طرابلس: عبد الستار حتيتة

من بين محاولاته الأخيرة للحفاظ على مركز وجوده في شمال أفريقيا، استأجر تنظيم داعش في ليبيا نحو 300 مقاتل لمساعدته في الدفاع عن مدينة سرت، وشكل منهم سريتين، ودعا قادته في المدينة إلى «التبسط» مع هؤلاء المقاتلين، وأمر بعدم إجبارهم على أداء الصلاة، وعدم منعهم من ممارسة طقوسهم الخاصة التي تتضمن «شرب الخمر والتدخين وسماع الموسيقى»، وغيرها.

يعتقد مصدر أمني في طرابلس أن مكتب زعيم «داعش» في العراق والشام، أبو بكر البغدادي، تظاهر بمعاقبة قائد التنظيم لما يعرف بـ«ولاية طرابلس»، التي تضم سرت ومدن الغرب الليبي، على تصرفه الذي انتقده «دواعش» في ليبيا، مشيرًا إلى أن قائد «ولاية طرابلس»، رجل ليبي يبلغ 63 عامًا من العمر، ويحمل جواز سفر عراقيًا ويلقب بـ«المدهوني». ويقول المصدر نفسه إن مكتب البغدادي أعاد المدهوني إلى العراق، وأرسل بدلاً منه 4 قيادات جديدة، هم سوري ومصري وليبي وتونسي، للحفاظ على وجود التنظيم في عموم البلاد عقب هزيمته في سرت.
وعثر كل من جهاز المخابرات المدنية في طرابلس، وجهاز المخابرات العسكرية في مصراتة، على وثائق ورقية وصوتية فاضحة في المكاتب الإدارية عقب هزيمة تنظيم داعش في سرت، من بينها وثائق عن أنشطة التنظيم في كثير من المعاملات اليومية؛ كالطلاق والزواج والعقوبات، بالإضافة إلى تسجيلات بين عناصر التنظيم.

ودافع «داعش» بضراوة عن أول مدينة يسيطر عليها بشكل كامل في أفريقيا، إلا أنه تعرض للهزيمة في نهاية المطاف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. ويعتقد أن المقاتلين المرتزقة هم أول من ترك المدينة، حيث تشير المعلومات إلى أن غالبيتهم عاد للعمل مع ميليشيات أخرى مذهبية وجهوية تتمركز حول طرابلس.

دورات نظرية يمر بها مقاتلو «داعش» قبل خوض المعارك.
دورات نظرية يمر بها مقاتلو «داعش» قبل خوض المعارك.

حملة المجلس الرئاسي الليبي

ومع بداية حملة المجلس الرئاسي الليبي، بقيادة فايز السراج، وبالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، لطرد «داعش» من سرت، العام الماضي، يبدو أن المدهوني اضطر وقتها لفتح الباب لاستئجار مقاتلين لتعضيد عناصره في المدينة التي تقع في الشمال الأوسط من ليبيا، وتعد من أقرب المدن إلى منطقة الهلال النفطي ومنطقة موانئ تصدير البترول، والطرق الرئيسية في هذه الدول الصحراوية شاسعة المساحة.

وكان المدهوني من بين المقاتلين العرب في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. وبعد الغزو الدولي لأفغانستان في 2001، لجأ لبعض الوقت للإقامة في شرق إيران حيث حصل على «المأوى والإعانة». وظهر المدهوني لأول مرة في ليبيا عام 2013، ثم اختفى وعاود الظهور في العام التالي في مدينة درنة التي تقع في أقصى الشرق الليبي، حيث جرى فيها أول إعلان عن ظهور تنظيم داعش في ليبيا.

وخسر التنظيم درنة في مطلع عام 2015، تحت ضربات من الجيش الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر، ومن جماعات أخرى متطرفة لكنها منافسة للتنظيم، الذي اضطر للانتقال إلى سرت وتأسيس مركز فيها. وحين تولى السراج رئاسة المجلس الرئاسي المدعوم دوليًا، قام بداية من مايو (أيار) الماضي، بشن عملية ضد التنظيم الدموي، أطلق عليها «عملية البنيان المرصوص»، ويتكون معظمها من الميليشيات المحسوبة على مدينة مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس، وعلى بعد 200 كيلومتر، إلى الغرب من سرت.

قائد «ولاية طرابلس» يستعين بالمرتزقة

واستجابت الولايات المتحدة الأميركية لطلب السراج مشاركتها في الحملة بغارات جوية ومعلومات استخباراتية. وبحسب تقرير للمخابرات الليبية أمكن لـ«المجلة» الاطلاع على بعض محتوياته، فقد ابتدع المدهوني فكرة الاستعانة بمرتزقة من أصول عربية وبربرية، بعد أن شعر بأنه ربما سيفقد المدينة التي كان التنظيم قد احتل فيها المراكز الحكومية ومبنى الإذاعة وقاعة المؤتمرات الكبرى التي كانت فيما مضى ملتقى لاجتماعات وقمم لزعماء عرب وقادة أفارقة.

وبحسب مصدر في المخابرات الليبية، فقد كان المدهوني يرسل برقيات من طرابلس، إلى رجل يدعى الشيخ ياسين في مكتب البغدادي، في الموصل. وتضمن كثير من هذه البرقيات تعهد المدهوني بالتصدي لـ«عملية البنيان المرصوص» وقدرة التنظيم على الصمود، إلا أنه، وبحلول شهر أغسطس (آب) الماضي، خسر التنظيم الجانب الغربي والشمالي من سرت.

مرتزقة التنظيم المتطرف تمكنوا من الاستيلاء على كميات من الأسلحة من كتيبة 28 مايو التابعة للقوات الحكومية.
مرتزقة التنظيم المتطرف تمكنوا من الاستيلاء على كميات من الأسلحة من كتيبة 28 مايو التابعة للقوات الحكومية.

وفي تلك الأثناء بدأت آخر محاولات «داعش» للاستمرار في السيطرة على المدينة، من خلال الاستعانة بمرتزقة، حيث تكشف الوثائق التي خلفها التنظيم وراءه أن المدهوني أغرى مجاميع من الشبان المعطشين للأموال والمتدربين على القتال، للمشاركة في الدفاع عن سرت مقابل رواتب شهرية تتراوح بين 500 دولار و1500 دولار، حسب درجة القدرة على استخدام الأسلحة. ووفقًا للمعلومات الاستخباراتية، فقد كان هؤلاء الشبان ينتمون إلى مدن وبلدات يقع معظمها في غرب طرابلس، ويعملون مع ميليشيات تعاني من شح في الأموال، مقارنة بالأموال الضخمة التي كان يملكها «داعش» في «ولاية طرابلس».

ومن بين الوثائق التي عثرت عليها المخابرات، مراسلات إلكترونية تتضمن تعليمات من المدهوني موجهة إلى قيادي «داعشي» في سرت، يدعى «أبو سياف». ويقول زعيم «ولاية طرابلس» لـ«أبو سياف»، إن هناك مجموعة من الشبان الليبيين المتحمسين «وصلوا إلى مقرنا في طرابلس ويريدون نصرة دين الله ويسعون للجهاد في سرت». ويقول المصدر الأمني إن المدهوني يبدو أنه كان حريصًا على إخفاء أن هؤلاء الشبان ما هم إلا مرتزقة مستأجرون بالأموال للقتال في صفوف التنظيم.

وبحسب ما جاء في مراسلات «الدواعش»، فقد أخبر المدهوني أبو سياف بأنه قام بتشكيل سرية من أول دفعة من «الشبان المتحمسين»، و«تتكون من 150 شابًا من الشباب الأقوياء». وأضاف أن «الدفعة الثانية في الطريق بعون الله». ثم تطرق إلى الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع عناصر هذه السرية، وقال: «وهم، مع ذلك، لديهم طريقتهم التي لا أريد أن أعترض عليها في هذه الظروف التي نمر بها. سيصلون إليكم في سرت، ولا بد من مراعاة طريقتهم التي يحيون بها».

ويشير أسلوب رد أبو سياف في البداية إلى أنه لم يفهم المقصود من «طريقتهم التي يحيون بها»، لأنه استمر في التكبير احتفاء بالبُشرى، حيث كان يقول: «الله أكبر. الله أكبر. لن يجدوا منا غير كل خير. إخوة لنا يجاهدون معنا. أهلاً وسهلاً بهم. نحن في حاجة لكل مقاتل لنصرة الإسلام ودولة الإسلام». وهنا ورد في المراسلات الإلكترونية بدء دخول المدهوني في الموضوع، قائلاً: «نعم شيخ سياف، لكن يوجد موضوع في هذا لا بد أن تعلمه، ولا بد أن تتفهمه أنت والإخوة، وهو عدم التشدد معهم».

جانب من المعارك التي شارك فيها مرتزقة «الدواعش» في محيط سرت.
جانب من المعارك التي شارك فيها مرتزقة «الدواعش» في محيط سرت.

نزوات مرتزقة «داعش»

ثم أردف موضحًا: «لديهم نزوات ربما لا نتقبلها، ونعدها خروجًا عن تعاليم الإسلام، ومخالفة للأصل وللسنة، ولكنّ للظروف أحكامًا. وأرى أن في التبسيط والتبسط مع هؤلاء نتائج جيدة لنا». وهنا اتسمت ردود أبو سياف بالارتباك مكتفيًا بالتعليق بقوله: «نعم يا شيخ.. نعم». فتابع المدهوني: «ما أريد أن أقوله هو أن نتركهم في طريقة حياتهم مثل أن يشربوا ما يريدون، وأن يدخنوا، وأن يسمعوا الموسيقى التي تخصهم، وألا نلزمهم بارتداء ملابس معينة ولا بأداء العبادات كما نؤديها».

وواصل المدهوني تعليماته أيضًا بالقول: «كما لا يجب أن يتم إلزامهم بحضور تنفيذ جلسات القصاص من المجرمين. من لا يريد أن يحضر جلسات القصاص لا نجبره على ذلك. الخلاصة أريدك أن تقنع الإخوة بتركهم على سجيتهم، والاستفادة منهم في الحرب على أعدائنا. تعامل معهم على طبيعتهم، والأيام كفيلة بتغييرهم ليكونوا مثلنا».

وأغرى المدهوني الشيخ أبو سياف، الذي كان يرى الهزيمة تقترب من التنظيم في سرت، بالاستفادة من الشبان الجدد: «العدد 150، وهم أقوياء الأجساد، ونشطاء، وشباب يافع، سوف يكونون نواة المعركة المقبلة، إن أحسنا تربيتهم بلا غلو ولا تعصب. وسوف يكون عدد السرية الثانية 150 أيضًا. وسوف يزدادون فيما بعد إن نقلوا لبعضهم أخبارًا عن حلو الحياة وطيب المعاملة وثراء العيش واحترامهم من قبلكم».

وأجاب أبو سياف قائلاً: «نوافق على كل ما قلته، وإن كانت لهم رغبة وسلوك لم تقله، فنحن نوافق عليه.. دعهم يحضرون، ولهم حياتهم الخاصة، ولن يمسسهم أحد، أو ينصحهم أحد». ووفقًا لمصدر في المخابرات العسكرية في مصراتة، فقد لوحظ دخول المقاتلين المرتزقة إلى سرت ليلاً، بعد أن قدموا في زوارق عبر البحر من ميناء قرقارش في طرابلس، إلى ميناء سرت الشرقي. وفر غالبية هؤلاء بعد تقدم قوات «البنيان المرصوص» إلى ضاحية الجيزة البحرية آخر معاقل التنظيم المتطرف في المدينة، ويقول المصدر: «ربما قتل بعضهم في المعارك، لكن معظمهم فر خارج سرت».

سهرات ماجنة

ورصد جهاز مخابرات طرابلس خلافات بين قادة التنظيم في ليبيا حول الاستعانة بهذا النوع من المقاتلين. ووصلت شكوى بهذا الخصوص في سبتمبر (أيلول) إلى الشيخ ياسين في مكتب البغدادي. وحاول المدهوني إصلاح ما يمكن إصلاحه، بينما كان «داعش» يتعرض لمزيد من الخسائر في سرت.

وقام في هذا الصدد بإحالة أحد زعماء «داعش» في المدينة، ويدعى «أبو الليث»، للتحقيق في تهم تخص «تصرفات سيئة وبعيدة عن أخلاق التنظيم وسلوكه، فهو يحيي سهرات ماجنة يتخللها شرب الخمر واغتصاب دون مبرر ولا خلق»، كما اتهمه بأنه يأخذ أموالاً خاصة بالزكاة لنفسه ولا يضعها في بيت المال، وقال إنه «مزروع داخل التنظيم لكي يكون أداة هدم». وكلف المدهوني أحد مساعديه في سرت ويدعى «الحلبي» بإحالة «أبو الليث» إلى المحكمة الشرعية.

ويبدو أن مركز التنظيم في الموصل حمَّل المدهوني مسؤولية هزيمة «داعش» في سرت، وقرر إعادته إلى الموصل، وذلك قبل إعلان المجلس الرئاسي الليبي هزيمة التنظيم فعلاً في معقله الرئيسي في شمال أفريقيا. ومن غير المعروف حتى الآن المصير الذي انتهى إليه المدهوني، لكن مكتب البغدادي كلف منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي 4 جدد بقيادة التنظيم في ليبيا، وإعادة تجميع مقاتليه الذين فروا من سرت، للتمركز في بلدات تحيط بطرابلس، منها الخُمس ومسلاتة وزوارة والزاوية وصبراتة.

أجرة المتدربين على قذائف «آر بي جيه» تبلغ 800 دولار في الشهر.
أجرة المتدربين على قذائف «آر بي جيه» تبلغ 800 دولار في الشهر.
Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة

كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.