• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, ملامح

الشعب المصري والحكومة بين نارين.. الإرهاب والأسعار

1- مصريون يعبرون من جوار حاجر خرساني ضخم يحمي المباني الحكومية ومقر البرلمان في شارع قصر العيني (تصوير: «المجلة»)
1- مصريون يعبرون من جوار حاجر خرساني ضخم يحمي المباني الحكومية ومقر البرلمان في شارع قصر العيني (تصوير: «المجلة»)
1- مصريون يعبرون من جوار حاجر خرساني ضخم يحمي المباني الحكومية ومقر البرلمان في شارع قصر العيني (تصوير: «المجلة»)

السلطات تواصل الحرب ضد المتطرفين.. وتزايد الشكوى من البطالة والغلاء

القاهرة: عبد الستار حتيتة

استقبل مسؤول الكنيسة ومتعاطفون من المسيحيين والمسلمين عشرات من الأقباط الذين فروا يوم الجمعة الماضي من ضربات تنظيم داعش في سيناء. وبعد الظهر وصلت سيارة أخرى يقودها سائق يدعى محمود، فيها خمسة من عائلة مسيحية اضطرت لترك منزلها في العريش، واللجوء إلى هنا. وكان السائق نفسه في طريق الفرار من سيناء إلى القاهرة، عبر مدينة الإسماعيلية المطلة على قناة السويس.

أمطار خفيفة على زجاج سيارة الأجرة المصنوعة في سبعينات القرن الماضي. يبدو السطح المالح لمياه القناة، هادئا وبراقا، رغم السحب الكثيفة التي حجبت بظلالها سماء المدينة الواقعة على الضفة الغربية للقناة في مواجهة شبه جزيرة سيناء.
ويقول السائق محمود بسيارته العتيقة: الأوضاع في العريش مأساوية. كنت أعمل في نقل الركاب بين الإسماعيلية والعريش، لكن قررت العودة إلى أسرتي في القاهرة حتى لا أموت برصاصة طائشة. هذه آخر حمولة تأتي معي إلى هنا. وأشار بيده إلى العائلة المسيحية التي كانت تبحث عن مأوى بين يدي جمهرة من المستقبلين على جانب القناة.

وبطول الكورنيش القريب من الكنيسة، حيث تعبر السفن التجارية العملاقة في الممر المائي الرابط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، كان يجري استقبال الوافدين من الضفة الأخرى عبر «معديات» بحرية صغيرة. من هنا تبدو المتناقضات في شوارع المدينة وكأنها تمشي مع العابرين. وهي متناقضات منتشرة في عموم البلاد التي تعاني من الفقر.
سيارة من الماركات الفخمة يزيد ثمنها على ثلاثة ملايين جنيه. وسيارة محمود القديمة التي لا يزيد سعرها على ثلاثين ألف جنيه. كلتاهما يقف في محطة الوقود المجاورة، وكلتاهما تدفع ثمنا موحدا لقيمة البنزين. ويمثل التصدي للإرهاب وإصلاح الدعم لملايين الفقراء ولأبناء الطبقة الوسطى، أهم القضايا التي يحاول الرئيس عبد الفتاح السيسي إنجازها بالتعاون مع البرلمان، كما أجرت الحكومة قبل أسبوعين تعديلا في عدد من وزرائها، لتسريع وتيرة العمل التي تضررت منذ أحداث 2011 التي أسقطت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

حرصت كل حكومة من الحكومات التي بدأت العمل مع السيسي، منذ توليه منصبه في صيف عام 2014، على رفع أكثر الشعارات قربا من آمال المصريين ومن قلوبهم، والتي تتلخص في بندين أساسيين: الأمن والاقتصاد. ويعتقد كثير من محترفي برامج «التوك شو» في القنوات التلفزيونية العامة والخاصة أن البلاد تتعرض لمؤامرة من أجل زعزعة الاستقرار. وتمكنت الحكومة المصرية من بسط سلطان الأمن وترميم جانب من عربة الاقتصاد، بأفضل مما كان عليه الحال في سنوات الفوضى التي انتهت بعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 2013.

ومنذ الإطاحة بمرسي، شنت السلطات الأمنية حملة كبيرة في محافظات الصعيد جنوبا، والدلتا شمالا، للقضاء على خلايا الإخوان، ومن يناصرونهم مما كان يعرف بـ«تحالف دعم الشرعية». وخلال تلك الفترة قام التيار المتشدد بمهاجمة كنائس وأديرة قبطية في عموم البلاد، واتهم هذا التيار، الأقباط، الذين تقدر نسبتهم بنحو 10 في المائة من إجمالي عدد السكان، بدعم الإطاحة بالرئيس الإخواني.
وهربا من الضربات الأمنية المتلاحقة في عامي 2013 و2014، فرت عدة قيادات من جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية وغيرها من تنظيمات، إلى خارج البلاد، بينما انتقل عدد كبير من عناصر الجماعات المتشددة إلى سيناء، وارتفعت فيها وتيرة العمليات المسلحة ضد كل مظاهر الدولة هناك، ما تسبب في مقتل المئات من رجال الأمن والمدنيين. ومنذ ذلك الوقت بدأت حرب مفتوحة ضد السلطات في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة قليلة السكان، والمحاذية للحدود مع كل من قطاع غزة وإسرائيل.

لكن في الأسبوعين الماضيين تزايدت حدة الاعتداءات الموجهة من جانب المتشددين ضد مسيحيي سيناء، والتي ينشط فيها تنظيم داعش المنبثق عما يعرف بتنظيم «أنصار بيت المقدس». وتقول الشرطة إن رجلا قبطيا يدعى سعد يبلغ من العمر 66 عاما، وابنه، مدحت 45 عاما، قتلا بالرصاص خلف مدرسة البنات الإعدادية في العريش قبل عدة أيام. وخلال أسبوعين فقط ارتفع عدد الأقباط الذين تم استهدافهم من جانب عناصر مسلحة في العريش إلى ستة. وقال القس عزت صليب، راعي الكنيسة الإنجيلية بالإسماعيلية، إن الكنيسة سوف تستقبل 40 أسرة، وطالب بتقديم المعونات المادية لمساعدة الكنيسة في استقبالهم.

ومن راديو السيارة تنبعث الأغاني والأخبار التي تدعو إلى التفاؤل. لكن بعد قليل يتدفق سيل من أنباء تتحدث عن عمليات قتل وحرق جديدة يقوم بها تنظيم داعش في سيناء. ويؤكد المذيع أن الدولة قادرة على كبح جماح الإرهاب والتغلب عليه. وقال بيان المتحدث العسكري المصري، العقيد تامر الرفاعي، إنه «استمرارا لجهود القوات المسلحة في مداهمة وتمشيط باقي البؤر الإرهابية وملاحقة العناصر التكفيرية، قامت قوات إنفاذ القانون بشمال سيناء بمداهمة عدد من البؤر الإرهابية، وأسفرت أعمال المداهمات عن مقتل (6) تكفيريين والقبض على (18) شخصا من المشتبه بهم، وتفجير مخزنين للمواد المتفجرة، واكتشاف وتدمير (8) عبوات ناسفة كانت معدة ومجهزة لاستهداف القوات على محاور التحرك». وشدد على أن «قوات إنفاذ القانون تواصل تنفيذ مهامها بكل إصرار وعزيمة لاقتلاع جذور الإرهاب والقضاء على العناصر التكفيرية».

وبعد قليل حوَّل السائق الذي يعول خمسة أطفال، مؤشر المذياع بحثا عن أخبار جديدة، وقال إن الحرب على المتطرفين في سيناء، طال أمدها بأكثر مما كان متوقعا. وشد أطراف المعطف الأسود على صدره وعنقه. الجو بارد في المساء، لكنه يأمل أن تشرق الشمس وينبعث الدفء في أرجاء العاصمة التي كان قد غادرها قبل شهر، للعمل في نقل الركاب بين مدن القناة والعريش.
والآن تمرق السيارة وسط شوارع القاهرة المزدحمة بنحو 20 مليون نسمة. وما زالت الحواجز الخرسانية الضخمة تحيط بمبنى البرلمان وعدة مبان حكومية في شارع قصر العيني، منذ نحو عامين. كما استعانت سفارات دول غربية وعربية أخيرا بهذا النوع من الجدران الإسمنتية لحماية مقارها من أي هجمات للمتطرفين، مثل السفارة الأميركية والإنجليزية والإيطالية، وغيرها.
كان محمود يعمل سائق حافلة في شركة سياحية بين القاهرة وشرم الشيخ في جنوب سيناء، إلا أن إسقاط المتطرفين لطائرة تقل سياحا روسيين، فوق سيناء، أواخر عام 2015، أصاب قطاع السياحة بانتكاسة فوق الانتكاسة التي كان قد تعرض لها بعد «ثورة» 2011.
ومنذ ثورات ما يعرف بـ«الربيع العربي» فلتت مصر من الاحتراب الداخلي مقارنة بدول أخرى مثل ليبيا المجاورة لها ومثل سوريا واليمن. لكن هذه الدولة التي يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، ما زالت تعاني من بقايا جماعات كانت تنشط في عديد المحافظات، ووصلت إلى أكبر صعود لها في السنة الوحيدة التي تولى فيها تنظيم جماعة الإخوان حكم الدولة من صيف عام 2012 إلى صيف العام التالي. وتبعثرت هذه الجماعات داخل البلاد وخارجها، عقب «الثورة الشعبية» التي عضدها الجيش، بقيادة وزير الدفاع آنذاك، السيسي.

أدت الإطاحة بحكم الإخوان إلى زلزال كبير. وجرى القبض على عدة ألوف من الجماعة التي تأسست في مصر عام 1928، وعلى داعمين لها من تيارات أخرى. ومنذ فض اعتصامين كبيرين للإخوان وأنصارهم في منطقتي «رابعة العدوية» و«ميدان النهضة»، تفجرت أحداث العنف، وجرى استهداف عدد كبير من الكنائس، وكذا استهداف مسؤولين في وزارة الداخلية والقضاء، وتعرض الاقتصاد لضربة قوية، وفقدت العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها.
ويقول السائق محمود، وهو من ضاحية شبرا الشعبية التي يعيش فيها مسيحيون ومسلمون جنبا إلى جنب ودون تفرقة في شمال القاهرة، إنه منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق، حسني مبارك، تغيرت الأمور.. «في عام 2012 أخطرتني شركة السياحة بأن أمامي خيارين إما أن أخرج على التقاعد المبكر، وإما أن أظل على قوة الشركة دون راتب، إلى أن يعود السياح مرة أخرى. ووجدت أن الخيار الثاني هو الأفضل. فربما تنصلح الأحوال مستقبلا».

وبدأ منذ ذلك الوقت العمل في نقل الركاب بسيارة كثيرة الأعطال، ورثها عن والده. لكن أمد المشكلة طال. الحرب على الإرهاب لم تتوقف، والسياحة لم ترجع. ثم، بمرور الوقت، أصبحت الأوضاع أكثر صعوبة.. «حتى عام 2014 كان صافي الربح في اليوم، بعد مصاريف السيارة، من مائة إلى مائة وخمسين جنيها. هذا المبلغ كان يكفيني أنا وأسرتي، ويكفي إيجار المنزل، وفاتورة الكهرباء، والمصاريف الأخرى. اليوم أكسب الضعف، لكنه لا يسد الحاجات الأساسية. الأسعار ارتفعت.. البنزين، والسكر، والأرز، وزيت الطعام، وزيت السيارة. كل شيء».

كان محمود من بين ملايين المواطنين ممن خرجوا إلى الشوارع في تلك الأيام، مطالبين وزير الدفاع، آنذاك، بخلع بدلته العسكرية، والتقدم لخوض الانتخابات الرئاسية، لتخليص البلاد من الإرهاب والعمل على إعادة الانتعاش للاقتصاد. ومنذ انتخاب السيسي في يونيو (حزيران) 2014، حتى يومنا هذا، جرى افتتاح العديد من المشروعات الكبرى، من بينها مشروع توسيع قناة السويس، إلا أن طموحات المصريين، رغم كل شيء، يبدو أنها أكبر مما يتم تحقيقه.

وتسببت الحملة الجديدة من نشاط المتطرفين في سيناء، أخيرا، في خسارة محمود للعمل في تلك المنطقة، وسيضطر للبحث عن خط جديد لنقل الركاب. ويقول، وقد بدأ يشعر بالطمأنينة وهو يقترب من القاهرة، إن عائلة مسيحية في العريش تعرضت للحرق في منزلها.. «شاهدت الجثث المتفحمة. هذا بشع. الإرهابيون يقتلون من يعارضهم في سيناء ويستهدفون رجال الدولة هناك، لكن التركيز على العائلات المسيحية في الأسابيع الأخيرة يبدو أن له أغراضا أخرى».
ومن جانبه يقول النائب في البرلمان المصري، عن حزب «حماة الوطن»، ماجد طوبيا، إن معدلات حدوث عمليات إرهابية في مصر، لا يذكر مقارنة بمختلف الدول في المنطقة، مشيرا إلى أن «مصر تفرض سيطرتها الأمنية الكاملة على سيناء وليس هناك ما يعكر صفو قدوم السياح الروس أو غيرهم لزيارة المنتجعات والأماكن السياحية المصرية». ويضيف أن «ما يحدث من أعمال إرهابية صغيرة وفردية هنا وهناك لا يشكك أبدا في قدرات الجيش المصري وقوات الأمن في بسط كامل نفوذهما على سيناء».

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.