ليبيا... من تنظيم «داعش» إلى كتائب «طمطم» و«حنكورة» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تحقيقات, قصة الغلاف

ليبيا… من تنظيم «داعش» إلى كتائب «طمطم» و«حنكورة»

مستقبل الميليشيات المسلحة بعد ست سنوات من الاقتتال

	ميليشيا فيلق «بدوريات» على الطريق الرئيسي في تاجوراء الواقعة على بعد 15 كيلومترا من العاصمة طرابلس(غيتي)
ميليشيا فيلق «بدوريات» على الطريق الرئيسي في تاجوراء الواقعة على بعد 15 كيلومترا من العاصمة طرابلس(غيتي)

طرابلس (ليبيا): عبد الستار حتيتة
مانشستر(بريطانيا): سالم أبو ظهير

* الضربة الأولى التي أدت إلى خلخلة الأوضاع في ليبيا كانت تتعلق بإطاحة القذافي من الحكم
* لم تتمكن ليبيا من استعادة نفسها بعد الثورة وجرى فتح الباب لتقوية الميليشيات على حساب بناء الجيش والشرطة
* ميليشيات وزعماء حرب من أمثال طمطم وحنكورة والسبيرتو والعبعوب والشيتا وشريخان والبقرة والطاجين والبطشة أصبحت مصدراً لابتزاز السكان تحت سطوة الأسلحة

من عهد معمر القذافي الذي انتهى في عام 2011 إلى عهد «طمطم» و«حنكورة» و«سبيرتو»، وغيرها من الأسماء الجديدة لميليشيات وزعماء حرب يتقاتلون في طرابلس، تبدو ليبيا في مفترق طرق، ما بين «الدولة الفاشلة» أو «التقسيم إلى عدة دويلات»، أو العودة إلى جادة الصواب بين الجماعات المتناحرة، لإنقاذ ما تبقى في هذا البلد الغني بالنفط وقليل السكان.

منذ ست سنوات من الاقتتال، ما زالت الأوضاع خطرة في طرابلس وبنغازي ومصراتة ودرنة وسبها، وغالبية المدن الليبية الأخرى، رغم الجهود التي تقوم بها دول الجوار، والأمم المتحدة وممثلها في ليبيا، مارتن كوبلر. ويقول عيسى عبد المجيد، المستشار السابق لرئيس البرلمان الليبي: بلادنا تتعرض لمؤامرة. وإذا لم نتوصل إلى حلول عاجلة لهذه الفوضى، فإن شبح تقسيم البلاد سيظل قائما. ويضيف: هناك أطراف تغذي الاقتتال وتسعى للقضاء على ليبيا.

الضربة الأولى التي أدت إلى خلخلة الأوضاع في ليبيا كانت تتعلق بإطاحة القذافي من الحكم، وما ترتب عليه. فقد وجد الحكام الجدد الدولة مؤسسات ضعيفة وجيشا مفككا. ومنذ عام 2012 حتى منتصف 2014 هيمن على حكم ليبيا جماعات متشددة منها «جماعة الإخوان» و«الجماعة المقاتلة».
تقوية الميليشيات على حساب بناء الجيش والشرطة
وخلال تلك الفترة لم تتمكن الدولة من استعادة نفسها. وجرى فتح الباب لتقوية الميليشيات على حساب بناء الجيش والشرطة، مع حالة من الهوس بالعداء لكل من كان يعمل في نظام القذافي.

وضج الليبيون من طريقة حكم التيار المتشدد. وقاموا في انتخابات البرلمان في 2014 بإسقاط معظم مرشحي ذلك التيار، إلا أن الميليشيات لم يعجبها الأمر، فقررت الإبقاء على البرلمان السابق (المؤتمر الوطني) والإبقاء على الحكومة المنبثقة عن المؤتمر وهي حكومة الإنقاذ. وجرى طرد البرلمان من طرابلس، حيث إنه يعقد جلساته في طبرق في أقصى شرق البلاد منذ ذلك الوقت.
ويقول إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدالة والمصالحة الوطنية، في البرلمان، إن المتطرفين بدأوا حينذاك في تصفية العسكريين من أبناء القوات المسلحة والشرطة في بنغازي، وفي مدن أخرى، وترتب على ذلك قيام الجنرال خليفة حفتر بالإعلان عن «عملية الكرامة» لإعادة تجميع القوات المسلحة والتصدي للإرهابيين. وفي المقابل قامت جبهة المتطرفين والمتشددين، بالتوحد في كيان واحد، انطلاقا من طرابلس، لمواجهة الجيش.

ولا بد من الإشارة إلى أن الجيش الليبي تأسس خلال الحرب العالمية الثانية ولديه تاريخ طويل من الخبرة، حيث مر بكثير من المنعطفات الكبيرة. ففي مطلع شهر أغسطس (آب) عام 1940. اتفق في القاهرة العقيد الإنجليزي بروملو مع الأمير محمد إدريس السنوسي على أن يمكن الأخير القيادة البريطانية من الاستعانة بعدد كبير من المهاجرين الليبيين الموجودين في مصر ليقاتلوا مع الجيش الثامن البريطاني من أجل تحرير ليبيا من الاحتلال الإيطالي لها.
وبهؤلاء المهاجرين تكونت النواة الحقيقية للجيش الليبي وسميت بالجيش المرابط أو بالقوة العربية الليبية والتي تم تنظيمها وتدريبها في ثكنة عسكرية على الطريق الرئيسي الصحراوي القاهرة – الإسكندرية. وقاتل هذا الجيش مع قوات الحلفاء في معارك حلفا والعلمين وتمكنوا من طرد الإيطاليين من برقة، واستمروا في التقدم حتى حرروا طرابلس في الشهر الأول من عام 1943.

كان أولئك المقاتلون النواة الحقيقية للجيش الليبي، الذي تشكلت منه، فيما بعد، وبشكل منظم ومخطط، قوة دفاع برقة والقوة المتحركة المركزية بطرابلس. وبعد استقلال ليبيا عام 1951 بادرت حكومة المملكة الليبية لإرسال البعثات العسكرية للخارج لتخريج دفعات سريعة من ضباط الجيش الليبي. وفي عام 1955 بلغ عدد المنتسبين للجيش ما يقارب ألفي عسكري، ما بين ضابط وجندي، يحمون الوطن والدستور والقانون.
وارتفع العدد تدريجياً بعد تشكيل السلاح البحري، ثم السلاح الجوي وسلاح المخابرة، والدفاع الجوي والقوات البرية حتى بلغ عدد منتسبيه ستمائة وخمسين ضابطاً ونحو عشرة آلاف جندي، استمر تحسن أداء الجيش، واستمر في تطوره حتى قام أفراد منتسبين لهذا الجيش بقلب نظام الحكم في أول سبتمبر (أيلول) 1969، وكان الضابط الشاب معمر القذافي على رأس العملية.

مقاتل من ائتلاف الميليشيات «الفجر ليبيا» الذين استولوا على طرابلس في نهاية أغسطس 2014 )غيتي(
مقاتل من ائتلاف الميليشيات «الفجر ليبيا» الذين استولوا على طرابلس في نهاية أغسطس 2014 )غيتي(

زعماء حرب

وأيا ما كان الأمر، إلا أن أحدا لم يكن يتخيل أن تختفي أسماء ألوية وكتائب وقيادات عسكرية وأمنية كبيرة أو يتم الزج بها في السجون، مثل أبو بكر يونس وعبد الله السنوسي وبوزيد دوردة، و«اللواء 32 معزز»، وكتيبة الفضيل، لتظهر مكانها أسماء أخرى لميليشيات وزعماء حرب، من أمثال طمطم وحنكورة والسبيرتو والعبعوب والشيتا وشريخان والبقرة والطاجين والبطشة. وإلى آخر هذه الأسماء العجيبة التي أصبحت مصدرا لتندر الليبيين، لأن معظم هذه الشخصيات لا علاقة لها بالعمل العسكري والأمني، ويعد السبب الرئيسي لوجود غالبيتها، البحث عن الأموال وابتزاز السكان تحت سطوة الأسلحة وفي غياب القانون وغياب الدولة.

ومن المعروف أن الجسم الرئيسي للميليشيات يتكون من مجاميع تابعة للجماعة الليبية المقاتلة وجماعة الإخوان وجماعات دينية متشددة أخرى، منها تنظيم داعش. وبالتوازي مع هذه القوات الميليشياوية، التي تتعاون مع بعضها البعض أحيانا، هناك ميليشيات تتكون من محكومين سابقين كانوا في سجون القذافي وخرجوا أثناء أحداث 2011، وهؤلاء من تجار المخدرات والقتلة، ومرتكبي الجرائم، يقدر عددهم بالآلاف. ومنهم من أصبح من أصحاب الملايين و«يحل ويربط» في قرارات السلام والحرب مثل طمطم الذي كان له نشاط ظاهر في الحرب الأخيرة التي جرت في ضاحية أبو سليم في طرابلس.

ويقول الرائد محمد الحجازي، الخبير الأمني والعسكري، والمتحدث السابق باسم «عملية الكرامة»، إن الحل في ليبيا يتطلب تحركات جدية بين كل الأطراف من أجل إنقاذ الدولة من الضياع، مشيرا إلى أن المنطقة الشرقية من البلاد، أكثر أمنا وانضباطا، وأصبحت توجد فيها آليات الدولة القادرة على حماية مواطنيها، وذلك بفضل الجيش، مشيرا إلى أن الدولة لن تقوم لها قائمة إلا إذا بسط الجيش سلطانه على كل البلاد، وأعاد الأمن والأمان لها.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني في ليبيا، أن المتوقع هو أن تستمر الفوضى والاقتتال في طرابلس، طالما ظلت الأسلحة في يد الجماعات في العاصمة، وأن الحل هو تعضيد الجيش حتى يتمكن من استعادة نفسه، ودمج باقي الضباط والجنود داخله، والمقصود بهم الضباط والجنود الذين كانوا يحاربون حلف الناتو حتى سقوط النظام في 2011، وفضلوا منذ ذلك الوقت النأي بأنفسهم عن الاقتتال الأهلي.

الجيش الليبي بعد تولي القذافي

وبالعودة إلى تطور الجيش الليبي بعد تولي القذافي حكم البلاد عام 1969، فقد استفاد الرجل من عائدات ليبيا الهائلة الوفيرة وسخرها في تطوير الجيش باستيراده ترسانة ضخمة من الأسلحة المتطوّرة من روسيا وفرنسا ودول المعسكر الاشتراكي الشرقي، لكنه فوجئ بعد أشهر قليلة من سيطرته على البلاد الليبية بمحاولات بعض ضباط الانقلاب عليه فيما يعرف بانقلاب آدم الحواز، ثم تكرار المحاولة في عام 1975، والتي يعرفها الليبيون بمحاولة انقلاب المحيشي المقرب منه جداً، ونهاية بمحاولة ضباط في 1993 معظمهم من قبيلة بني وليد المقربة منه أيضا.
هذه المحاولات الانقلابية، وأسباب أخرى كانت كافية لأن يخاف القذافي من الجيش النظامي، فقام بحل ما كان يسمى بمجلس قيادة الثورة ونصب نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبذلك تمكن من ممارسة صلاحياته بصفة مطلقة، وشرع بشكل فوري في العمل على تحييد وتهميش دور الجيش الليبي، وإهمال منتسبيه وإضعاف قدراتهم وتغييب دورهم، وإرسالهم إلى حروب خارج ليبيا، وقبل ذلك كله وبعده، قيامه بتشكيل جسم جديد سماه الشعب المسلح واعتبره من آيديولوجيات الكتاب الأخضر.

وفي نظام معمر الجماهيري نصت إحدى مواد إعلان السلطة الشعبية الصادر في شهر مارس (آذار) 1977 على أن «الدفاع عن الوطن مسؤولية كل مواطن ومواطنة وعن طريق التدريب العسكري العام… يتم تدريب الشعب وتسليحه وينظم القانون طريقة إعداد الإطارات الحربية والتدريب العسكري العام».
بعدها توالت القوانين والقرارات والمناشير التي تم تكريسها بشكل ممنهج ومدروس لتعمل بشكل تدريجي على تفكيك مؤسسة الجيش الليبي النظامي.
ولم ينتظر القذافي كثيرا حتى أسس وبشكل محترف ودقيق وعلى مستوى عال ما عرف بالكتائب الأمنية، والتي توزعت في شرق البلاد وغربها وجنوبها وأضحت كيانات مستقلة ماليا وفنيا ولا علاقة لها بالجيش ولا بالشعب المسلح بل تفوقت وتميزت بتجهيزها الكامل بما تحتاجه وبتدريبها المتقدم المتطور وتميزت وأيضا بكونها لا يوجد لها قيادة موحدة بل كانت تحت الإشراف المباشر والكامل من قبل معمر القذافي نفسه، ويدين كامل أفرادها المنتسبين لهذه الكتائب بالولاء المطلق للقبيلة ولشخصه، وقسمهم قبل انتسابهم لهذه الكتائب على استعدادهم للموت دفاعا عن معمر القذافي وعن سلطة الكتاب الأخضر بدلا من الولاء للوطن.
وحملت بعض هذه الكتائب الأمنية أسماء بعض أصدقاء معمر أو أبنائه، وتوزعت في أنحاء ليبيا. وحملت كتيبة اسم حسن الجويفي وهو صهر القذافي، وتشكلت عام 1982 وفي مدينة بنغازي كانت كتيبتا الفضيل بوعمر وعمر المختار، وفي مدينة البيضاء كانت كتيبة الجارح، وكتيبة حمزة في مدينة مصراتة، وكتيبة الساعدي وكتيبة المعتصم في مدينة سرت، وكتيبة فارس الصحراء في سبها، وكتيبة المقريف وكتيبة خميس في طرابلس، وكتيبة سحبان في غريان.
وأسهمت بعض من هذه الكتائب فيما بعد وأدت دوراً مهما في قمع انتفاضة السابع عشر من فبراير (شباط) 2011، اتهمت وسائل الإعلام العالمية، وبعض المؤسسات الحقوقية بتورط بعض المقاتلين في هذه الكتائب بارتكاب جرائم حرب وارتكاب جرائم اغتصاب وقتل وتهجير ليبيين معارضي القذافي الذي تناصره هذه الكتائب. ومن جانب آخر تخلت بعض هذه الكتائب عن القذافي. ففي الشرق انضم جنود كتيبة الجارح والفضيل لثورة فبراير، فيما انسحبت كتيبة المقريف لتسمح للثوار بالدخول للعاصمة طرابلس من دون قتال يذكر.

وأدت حالة عامة من تغير الولاءات ومن الإصرار على الدفاع عن حكم القذافي أمام المنتفضين وأمام حلف الناتو، إلى إرباك صفوف الجيش طوال فترة الانتفاضة التي استمرت ثمانية أشهر، وأثرت على نظرة كثير من زعماء الانتفاضة للجيش وعلاقته بالحكم مستقبلا. ففي الأيام الأولى من شهر مارس 2011، تداولت المنظمات التي تهتم بانتهاكات حقوق الإنسان، ووسائل الإعلام خصوصا والعالمية منها، أخبار مفادها أن بعض القوات التابعة للقذافي تقصف بالطيران الحربي مدنا مأهولة بالسكان في الشرق الليبي.

وبغض النظر عن صحة هذه التقارير، أو عدمها، أو أن هذه التقارير كانت لها أهداف سياسية، لكن تهديدات سيف الإسلام بأنه سوف يكون هناك قتلى بالآلاف وأن أنهارا من الدم سوف تتدفق في حال استمرار المتظاهرين المطالبين بإسقاط نظام والده، ألقت بظلالها على صورة المستقبل بطريقة أو بأخرى.
كان القذافي يطالب أنصاره بالهجوم على المتظاهرين وقتلهم بلا رحمة ناعتا إياهم بالجرذان، وهذا فتح المجال واسعاً أمام المجتمع الدولي ليتدخل في ليبيا تحت مبرر النواحي الإنسانية والأخلاقية ويمنح الصلاحيات الكاملة لقوات الناتو لتباشر عملها العسكري في ليبيا، وذلك بناء على طلب صريح من المجلس الانتقالي الليبي. واستفاد أمراء الحرب الجدد، وكان غالبيتهم من المقاتلين السابقين في أفغانستان، ومن التيار المتطرف. وحصلوا على أسلحة من الغرب وعلى دعم مخابراتي وعكري واسع.

رجل يمشي خلال اشتباكات بين ميليشيات متنافسة في حي شعبي بطرابلس (غيتي)
رجل يمشي خلال اشتباكات بين ميليشيات متنافسة في حي شعبي بطرابلس (غيتي)

تجاوزات الناتو

وأسهم الناتو في تدمير الجيش وكثير من المؤسسات. وتطبيقاً لقرارات المجتمع الدولي، شرعت قوات الناتو بداية من يوم 17 مارس 2011 في شن غارات جوية مكثفة، رغم أن قرارات المجتمع الدولي أشارت صراحة إلى أن مهمة الناتو حماية المدنيين الليبيين، وذلك عن طريق «فرض منطقة حظر جوي على حركة الطيران العسكري الليبي وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة»، لكن الناتو تجاوز ذلك من خلال تنفيذه 24346 غارة، و9182 غارة هجومية، و9711 طلعة جوية، مستخدما طائرات مقاتلة، وطائرات مروحية هجومية، وطائرات من دون طيار.
وقصف الناتو المطارات العسكرية والمنشآت الحيوية، إضافة لقصفه مواقع مدنية ومقرات حكومية، كما استهدفت ضربات حلف الناتو بشكل دقيق جداً مقار الكتائب الأمنية التي شكلها القذافي لحمايته وحماية نظامه، ولم يتوقف القصف الجوي والبحري على مخازن السلاح ومقار تجمع الكتائب ومعسكراتهم، إلا بعد تدميرها بشكل كامل تقريباً، وموت القذافي في يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول) من تلك السنة.

قبل مقتل القذافي، لم تتوقف ماكينة الإعلام الخارجي الممنهج، والمعادي له عن التصفيق وبقوة لكل من يقاتله ويطمح لسقوطه.
فإلى جانب الناتو الذي ساند الثوار على الأرض، كان الإعلام يصور المقاتلين الأحياء والذين كان عددهم قليلا جداً مقارنة بالعدد الموجود الآن كشجعان وفدائيين ومطالبين بالحق والحرية والعدالة، ويصف الأموات منهم بـ«الشهداء»، ولم يغفل على تسمية المقاتلين مع القذافي بالمرتزقة وبعد موت القذافي بقليل لم تتردد هذه القنوات نفسها في نعت العدد الهائل والمبالغ فيه بالميليشيات التي خرجت عن سيطرة الدولة وصارت هي الدولة وهي من تقرر.
وبلغت سطوة الميليشيات إقدامها على اختطاف رئيس الحكومة (علي زيدان في 2013)، ومن سطوتها اقتحامها للمؤتمر الوطني (البرلمان السابق) وتدخلها في قانون الانتخابات، واقتحامها الوزارات، والمصارف، والسفارات، والاستيلاء بالكامل على مؤسسات الدولة الرسمية، وتحويلها لمقار ومكاتب وثكنات عسكرية، ولهذه الميليشيات القدرة على إعلان الحرب، وقفل الطرق الرئيسية والسيطرة على المنافذ الحدودية للدولة بما فيها الموانئ والمطارات، ويمكن لزعماء بعض هذه الميليشيات تمثيل الدولة الليبية والاجتماع مع السفراء ورؤساء الدول.

ومنذ أواخر 2014 بدأت الأمم المتحدة محاولات لحل الأزمة الليبية، بالتزامن مع بدء الاحتراب الأهلي على نطاق واسع، حيث اشتبكت الميليشيات المتنافسة للسيطرة على مطار طرابلس الدولي ما أدى إلى تدميره بالكامل. ونتج عن سلسلة من المفاوضات ما أصبح يعرف باتفاق الصخيرات الذي نتج عنه مجلس رئاسي وحكومة وفاق برئاسة فايز السراج. إلا أن الأمم المتحدة يبدو أنها ارتكبت كثيرا من الأخطاء. ويقول عبد المجيد وهو أصلا زعيم في قبيلة التبو الليبية: لم يشركنا أحد في الحوار.

كما أن كثيرا من الأطراف الليبية الأخرى أعلنت صراحة تجاهل الأمم المتحدة لها في مفاوضات الحل. ومن هذه الأطراف القبائل المحسوبة على نظام القذافي، والتي رفضت من البداية الانخراط في الانتفاضة أو العمل تحت راية حلف الناتو التي تنظر إليه باعتباره قوة استعمارية جاءت لتخريب ليبيا، كما يقول الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية في مؤتمر القبائل الليبية.
وينتمي الزبيدي إلى قبيلة ورفلة. كما تشعر قبائل الأمازيغ وغيرها بأن المتصارعين في ليبيا يسعون إلى الحكم وليس إلى بناء الدولة التي كان يطالب بها المتظاهرون في ساحة المحكمة في بنغازي يوم 17 فبراير. ويقول الرئيس السابق للكونغرس الأمازيغي، فتحي بن خليفة إن الأمم المتحدة تجاهلت الأسس التي ينبغي اتباعها لتأسيس دولة جديدة بعيدا عن التجاذبات التي كانت تنحصر فقط حول من يحكم وليس حول الدستور والقانون وحقوق جميع المكونات الليبية سواء كانوا عربا أو من الأمازيغ.

صراعات داخل العاصمة

ومن جانبه يوضح عبد المجيد أن المجتمع الدولي يبدو أنه يريد أن يقسم ليبيا إلى دويلات، مستغلا الفوضى فيها. وتشعر قبائل التبو بالغبن من تجاهل الحكام الجدد لحقوقها، ولهذا أعلنت عن قيامها بتشكيل «كونغرس للتبو» لكي يكون متحدثا باسمها، مثل الموجود لدى الأمازيغ. ويوجد لقبائل الطوارق مجلس أعلى يعنى بشؤونهم. وتقاطع كل هذه الكيانات أعمال لجنة صياغة الدستور وتقاطع لجنة الحوار التي تعمل وفقا لاتفاق الصخيرات.
كما نأت القبائل العربية المحسوبة على نظام القذافي، بما لها من قوات عسكرية، بنفسها عن الصراع الدائر حول السلطة بين البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق والذي يستند في عمله على قوة الجيش بقيادة حفتر، والبرلمان السابق الذي يعقد جلساته في طرابلس، ويستند على قوة الميليشيات المسلحة. أما السراج، فأصبح يعتمد في عمله على مجلس يسمى المجلس الأعلى للدولة وهو مجلس من مخرجات الصخيرات، ويعتمد على بضعة ميليشيات من طرابلس ومصراتة.
وفي الوقت الراهن تعددت الصراعات داخل العاصمة نفسها. وبدأ كل طرف يحاول أن يجمع أي كمية من المقاتلين ومن أمراء الحروب، حتى لو كان مثل «طمطم» و«حنكورة» و«السبيرتو». واستغلت الجماعات المتطرفة هذه الفوضى في تحقيق مكاسب. فقد هاجم مسلحون مقار وزارات ومؤسسات كان ينبغي أن تكون تابعة للمجلس الرئاسي، وتوسعت ميليشيات أخرى في السرقة والنهب للممتلكات العامة، سواء كانت أموالا سائلة أو سبائك من الذهب أو براميل من النفط أو أسلحة أو غيرها.

كما أخذ تنظيم داعش يعيد ترتيب صفوفه بعد أن خسر مدينة سرت. ويقول عبد المجيد: خلايا «داعش» النائمة أصبحت في كل مكان. الجماعة المقاتلة وجماعة الإخوان، وباقي الجماعات يساعدون بعضهم بعضا للسيطرة على ليبيا. ويضيف: كلهم دواعش.
وفي آخر التطورات قامت الميليشيات بهجومين كبيرين خلال الأيام الثلاثة الأخيرة… الأول ضد الجيش في منطقة الموانئ النفطية، والثاني على المقر الرئيسي لأكبر أرشيف أمني ليبي في طرابلس. ويتضح من هذين الهجومين القدرات الكبيرة التي أصبحت عليها هذه الميليشيات سواء من حيث التسليح ونوع الأسلحة المتقدمة، وما وصل إليها من آليات عسكرية، بالإضافة إلى الكميات الضخة من الأموال، والتي جرى عن طريقها استئجار ألوف المقاتلين لمساعدتها في فرض نفوذها في ليبيا. ويؤكد القشاط أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه من فوضى يعني أن البلاد مقبلة على كارثة.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.