• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
وجهات نظر

القمة: انخفاض المكان وارتفاع المهمة

28th Arab League Summit

28th Arab League Summit

*بقلم: مجيد عصفور

تنعقد القمة العربية في دورتها الثامنة والعشرين في الأردن في منطقة البحر الميت، في أصعب مرحلة تمر بها الأمة العربية دولاً وشعوباً.
ففي الوقت الذي تشهد فيه هذه القمة تمثيلاً عالي المستوى، يذكرنا بأيام النهوض القومي العربي، فإن صعوبة الملفات الملقاة على طاولة القمة وتعقيداتها، ربما تخطف بريق هذا التمثيل، وتحوله إلى مجرد جسم كبير غير قادر على الحركة من ثقل الأحمال ووهن القوائم.

الملف الأصعب عربياً في هذه القمة وسابقاتها باعتباره عابراً للقمم، هو الملف الأسهل بنفس الوقت، فملف القضية الفلسطينية لا يجابه أي اعتراضات من أحد، ولا خلاف على إدانة أفعال إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني ولا خلاف كذلك على التأكيد على إصرار العرب على أن حل الدولتين هو الحل الأمثل المقبول فلسطينياً وعربياً ودولياً لإنهاء هذه القضية المزمنة بشرط أن تكون عاصمة دولة فلسطين التي ستعيش إلى جانب دولة إسرائيل القدس الشرقية.

وما دام بنيامين نتنياهو غير موافق على هذا الحل ومعه رموز جماعة اليمين المتطرف في إسرائيل، وما دام قد استطاع أن يخلخل قناعة الإدارة الأميركية الجديدة بأن حل الدولتين ليس بالضرورة هو الحل الأمثل لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي فإن إعلان القادة العرب خلال القمة تمسكهم بحل الدولتين سيكون مجرد تصريح يضاف إلى تصريحات سابقة في مناسبات مختلفة حول الموضوع، إلا إذا كان هذا الموقف مدعوماً بمطالبة صريحة وقوية موجهة إلى المجتمع الدولي ولا سيما الإدارة الأميركية بضرورة السعي لإقرار هذا الحل والضغط على إسرائيل للقبول به كي يكون لمثل هذا الموقف الصادر عن القمة معنى يبعث بعض الأمل لدى الشعوب العربية التي ينتظر أبناؤها أن يسمعوا شيئا جديداً يرقى إلى مستوى الفعل المقنع بمواجهة إسرائيل.

بقية الملفات التي ستبحثها قمة البحر الميت تبرز فيها إيران كقاسم مشترك، ففي الملف السوري تظهر إيران وفي الملف العراقي هناك إيران أيضا وفي الملف اليمني وكذلك في بقية الملفات كالملف البحريني والليبي واللبناني، ولا يمكن للقادة العرب أن يتناولوها بنية إيجاد الحلول التي ينتظرها الشارع العربي دون التطرق لعلاقة إيران الوثيقة في كل هذه الملفات المتأزمة.

إن التصدي للملف السوري، وهو ملف شائك ومعقد في آن، يجب أن يتم بحثه بكافة أبعاده دون مجاملة أو مواربة لأن هناك من يعتقد أن جهات غير إيران وبعضهم موجود في القاعة شاركت في تأزيم القضية السورية وأدى تدخلها إلى تداعيات كثيرة أغرت دولاً أجنبية بالتدخل أيضاً مما جعل الساحة السورية تعج بالمقاتلين والرايات والأجندات التي يصعب تتبع الخيوط التي تحركها من كل الاتجاهات.

قد يكون الحل بالمرور على السطح دون الغوص عميقاً في التفاصيل والمسببات التي أدت إلى طول أمد الصراع الدائر بين المعارضة والنظام على الأرض السورية والذي يطحن الآلاف من أبناء الشعب السوري، وبين الدول الداعمة لكلا الطرفين في المحافل الدولية.

وإذا ما تم اللجوء إلى هذا الخيار فإن القادة العرب لا يكونون قد أتوا بجديد على طريق حل هذه القضية فيبقى القديم على حاله، ما يعني المزيد من الضحايا قتلى ومهجرين ومصابين ومعتقلين ومفقودين مع استمرار التدمير لكل إمكانات سوريا.

الملف الآخر الصعب الذي يتصل بشكل أو بآخر بالملف السوري، ملف الإرهاب، وفي هذا الملف تبرز العلامة مع إيران كمتهمة من معظم الدول العربية بأنها وراء كل هذا الخراب الحاصل في سوريا واليمن وليبيا والعراق ولبنان والبحرين.

إن إيران بلا شك هي من أعطت للعرب وغير العرب أسباب تحميلها مسؤولية سوء العلاقة وسوء الجوار والحوار، نتيجة أطماعها في الهيمنة على هذه الدول وتدخلها في شؤونها الداخلية، وهي أطماع لا يمكن إخفاؤها وأحياناً تعلنها إيران نفسها من خلال تصريحات مسؤولين مدنيين وعسكريين إيرانيين.

إن وجود بعض الآراء داخل البيت العربي تدعو إلى عدم التصعيد مع إيران من خلال عبارات تصدر عن بيان القمة، لا بل معارضة البعض لتضمين البيان أي عبارات إدانة لإيران سبب كاف لاندلاع خلافات تهدد القمة كما تهدد إيران أمن الدول الممثلة بالقمة وفي هذه الحالة يبدو أن إيران حاضرة في القمة وخارجها لكن حضورها مزعجٌ للجميع سواءً الذين يتحفظون على إدانتها أو الذين يرون فيها مصدراً للصدع والصداع.

أمام هذا الواقع فلربما يفضل القادة العرب الحرص على وحدة الصف العربي، والتخلي بالتالي عن إدراج عبارات شديدة تجاه إيران وهو ما يناسب رغبة البعض الذين يميلون إلى سياسة تدوير الزوايا الحادة لضمان الخروج بأكبر قدر من التوافق وأقل قدر من الخلاف والاختلاف.

إن تجنب التصدي لتفاصيل الملف السوري وعلاقة إيران به قد يضمن الهدوء للقمة لكنه لا يردع لا إيران ولا النظام السوري بل ربما يشجعانه على المضي في النهج الذي سارا عليه منذ ست سنوات اعتماداً على عدم جدية العرب وغيرهم للجم هذا الانفراد المتعسف، وبنفس الوقت سيتلقى المواطن العربي الذي يرقب نتائج القمة القرارات بتأكيد انطباعه بأن القمة نادرا ما كانت مصدراً لأمل حقيقي يلبي تطلعاته التي صار التضامن فيها ترفاً لا يمكن بلوغه وكل عبارات الأمة العربية الواحدة أسطر باهتة.

إذن فالملف السوري خلافي بلا حدود، وفي كل بند داخله مجال لتبادل الاتهامات وربما ما هو أكثر من ذلك.

إزاء هذا التعقيد وتضارب الآراء وحتى المصالح بين الدول فإنه من المتوقع أن يلجأ البلد المضيف (الأردن) إلى محاولة ترحيل ملف الأزمة السورية والاكتفاء بالتأكيد على الحل السياسي وصون وحدة أراضي الدولة السورية ووحدة شعبها وترك التفاصيل للمباحثات الدولية التي تجري في جنيف وأحياناً في عواصم عربية وأجنبية وربما يتناسب هذا الترحيل مع رغبة الجميع في انتظار توجهات الإدارة الأميركية الجديدة حول الأزمة.

أما بقية الملفات مثل ملف اليمن وليبيا والعراق وإلى حد ما لبنان، فإنها ليست أقل وعورة من الملفين السوري والإيراني نظراً لتشابه الأسباب والأجندات.
وتهتم بهذه الملفات الدول العربية كافة لكن الاهتمام يبدو واضحاً بصورة أكبر لكل دولة لديها جارة مأزومة خوفاً من تصدير الأزمة إلى أراضيها وهذا ما نراه لدى دول جوار سوريا والعراق وليبيا واليمن.

إن قمة البحر الميت هي بحق قمة المهمات الصعبة، فهي تأتي في وقت تتعرض فيه بعض الدول إلى فقدان استقلاليتها وسيادتها على أراضيها، فيما تغرق دولٌ أخرى في أزمات اقتصادية خانقة ومديونية عالية وبطالة في صفوف الشباب الذين يشعرون بالإحباط والتهميش مما يجعلهم صيداً سهلاً لقوى التطرف والإرهاب.
من هنا فإن استطاعت قمة البحر الميت أن تخرج بحد أدنى من التوافق على الجوامع العربية والتوافق على خطاب عربي واحد تعمل رئاسة القمة على تقديمه باسم العرب لدول القرار تكون قد تقدمت خطوة للأمام ووضعت حداً لمسلسل التراجع الذي كان عنوان السياسة العربية داخلياً وخارجياً لعقود طويلة، مما أثر سلباً على مكانتها بين الدول وأصبح العالم ينظر إلى العرب كأمة عاجزة لا تتقن سوى الكلام دون الفعل.

إن هناك ملفات موازية للملفات سابقة الذكر لا تقل أهمية عنها تتمثل في الاهتمام بمخرجات من العصر من تكنولوجيا حديثة وما أمنته من التواصل بين الشعوب وتأثيرها على البيت الداخلي لكل دولة، وما انفتاح الشباب العربي على بعضهم البعض وكشف أسباب الضعف، ما أدى إلى حدوث فجوة وأزمة ثقة بين الشباب والمسؤولين إلا إحدى نتائج إتاحة المعلومات للكافة.

إن هذه المعطيات وغيرها يجب ألا تغيب عن مداولات القادة لأن تجاهلها هو بمثابة هروب لا يؤمن السلامة بل على العكس يزيد من كلفة الإصلاح والعلاج مع مرور الزمن الذي لا يعمل لمصلحة المؤجلين بل يراكم حالة الاحتقان التي أدت إلى ما حدث في دول عدة مثل تونس ومصر وليبيا وسوريا التي يفترض أن تكون شواخص تنبيه وإنذار إلى بقية أعضاء الأسرة العربية كي لا تتعرض إلى ما تعرضت له هذه الدول من مآس ما زالت شعوبها تئنُ وجعاً من نتائجها.

خلاصة القول: إن أمام قمة البحر الميت فرصة لإحياء أمل الشعوب العربية بمؤسسات دولها وإعادة الثقة بالحكومات العربية، لا يجوز إضاعتها لأن في ذلك إضاعة لآخر أمل تتعلق به الشعوب العربية في مواجهة الأخطار.

هي قمة تعقد في أخفض بقعة في العالم لكنها تستطيع أن تكون أعلى من المكان بقراراتها وتصديها للتحديات.

*مجيد عصفور – رئيس التحرير السابق لجريدة الرأي الأردنية

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.