• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تحقيقات, قصة الغلاف

إعلاميون ليبيون في مواجهة الرصاص

متظاهر يحمل لافتة تحمل صورة مفتاح بوزيد، محرر صحيفة أسبوعية خلال مظاهرة احتجاجية على اغتياله في 26 مايو (أيار) 2014 في ساحة شهداء طرابلس في ليبيا (غيتي)

بعضهم عاد للعمل وآخرون في انتظار رحيل الميليشيات

متظاهر يحمل لافتة تحمل صورة مفتاح بوزيد، محرر صحيفة أسبوعية خلال مظاهرة احتجاجية على اغتياله في 26 مايو (أيار) 2014 في ساحة شهداء طرابلس في ليبيا (غيتي)
متظاهر يحمل لافتة تحمل صورة مفتاح بوزيد، محرر صحيفة أسبوعية خلال مظاهرة احتجاجية على اغتياله في 26 مايو (أيار) 2014 في ساحة شهداء طرابلس في ليبيا (غيتي)

•تمتد جذور الصحافة الليبية إلى عام 1866… وظهرت بقوة ضمن حركات التحرر من الاستعمار التركي والإيطالي
•إعلاميون: كان الشبان الليبيون متحمسين لخوض تجربة جديدة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون… لكن الصراع السياسي المسلح قلب الطاولة على الجميع
•الصراع المبكر حول السلطة في ليبيا كان ينذر بأن الأجواء لن تكون ملائمة للعمل الإعلامي وسط غابة من الجماعات المسلحة والتوجهات المتضاربة

طرابلس: عبد الستار حتيتة
مانشستر (المملكة المتحدة): سالم أبوظهير

لا أحد يعترض طريقك، لكن من الصعب أن تواصل السير فيه. ولا يوجد في ليبيا من يقول لك عليك أن تتوقف عن ممارسة العمل الإعلامي، إلا أن هذا لا يعني أن مقرك سيكون محميا من قذائف الميليشيات. حدث هذا ضد صحف وقنوات تلفزيونية منذ الإطاحة بنظام القذافي في 2011 حتى الآن. وخلال الأسبوعين الماضيين فقط جرى استهداف قناتي «النبأ» و«مصراتة»، ضمن سلسلة طويلة من الأعمال المسلحة بين متنافسين لا يطيقون العمل الإعلامي.

الصحافة والإذاعة والتلفزيون

يقول الصحافي الليبي محمد ربيع عاشور، مدير التحرير السابق لصحيفة «فبراير»: بعد موت القذافي أو قبل موته بأيام، رجعت إلى ليبيا، وبدأت في الشغل الصحافي من جديد، حتى ترأست إدارة تحرير جريدة فبراير، بعدها بسنة أو سنتين تقريبا بدأت الأمور تأخذ منحى آخر، وصار استمراري في العمل كصحافي مستحيلا، وسط أجواء القتل والخطف والتهديد بالقتل لمن يجهر برأي مخالف.
في عامي 2012 و2013 كان الشبان الليبيون متحمسين لخوض تجربة جديدة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون. وعقدت لهذا الغرض الكثير من ورش التدريب في مصراتة وطرابلس وبنغازي، لكن الصراع السياسي المقترن بالعمل المسلح قلب الطاولة على الجميع فيما بعد، وتم الهجوم على قناة العاصمة وسط طرابلس. ويقول الإعلامي الليبي رجب بن غزي، الذي شارك في تأسيسها: لم نكن نعمل لصالح تيار بعينه، ولهذا قصفوا مقر القناة بالـ«آر بي جيه».

Untitled3

وغادر بن غزي البلاد إلى الخارج، ضمن موجة نزوح للإعلاميين من طرابلس ومن بنغازي وغيرها من المدن الملتهبة. وكان من بين من خرجوا مذيعون ومذيعات مثل ندى الزوي، ومعدو برامج، مثل أنور الشريف، وغيرهم. وبدأ الإعلاميون الليبيون يبحثون عن مقار جديدة للعمل في قنوات ليبية تبث من مواقع بعيدة عن ليبيا، أي في تلك التي تأسست في مصر والأردن وتركيا وغيرها.
كان الصحافي عاشور قبل اندلاع أحداث 2011 في ليبيا يقيم في هولندا ويرأس تحرير موقع «تاوالت» المعارض للقذافي. ومع بداية اندلاع «الثورة» ترك عمله وسكنه وكل التزاماته والتحق بزملائه في قطر حيث بدأ مرحلة جديدة ومختلفة، وعقب دخوله إلى ليبيا لمواصلة عمله الإعلامي، اصطدم بدنيا الميليشيات. يقول: خرجت من البلاد، وعدت محبطا إلى هولندا.

وعما إذا كان يستعد للرجوع إلى ليبيا مرة أخرى يوضح: أنا الآن لا أستطيع العودة لبيتي ولا زيارة أسرتي ووالدتي، خوفا على حياتي، أنا والكثير من الصحافيين الذين ساهموا في نجاح ثورة فبراير. ويختتم: «لن أعود إلا بعد أن تتخلص البلاد من الميليشيات».

«ليبيا 24»

من جانبه يقول بن غزي، الذي يقدم برنامجا ساخرا على قناة «ليبيا 24»، انطلاقا من القاهرة: يمكنني في الوقت الراهن العودة للعمل من بنغازي، لكنني أريد أن تكون عودتي إلى طرابلس التي خرجت منها. هذا أمر مهم بالنسبة لي، حتى أشعر بأن ليبيا كلها قد تحررت من حكم الميليشيات، وليس بنغازي فحسب.

أما الشريف، الذي عاد بالفعل إلى بنغازي بعد فترة عمل في القاهرة، وأصبح يعمل في قناة «الإخبارية» التي تبث من بنغازي، فيوضح أن الأمور في بنغازي أكثر استقرارا وأمنا للصحافيين.. هذا أمر واضح مقارنة بما كان عليه الحال حتى العام الماضي. لكنه لا يخفي المشكلة الرئيسية التي تواجهها معظم المؤسسات الإعلامية الليبية والتي تنحصر في أمرين: الأمن والدعم المالي.
وهناك إعلاميون ظلوا وسط معمعة الاقتتال الميليشياوي في بنغازي، وعاشوا التجربة كاملة مثل الإعلامي عبد العزيز الرواف. وعلى كل حال، وقبل مواصلة استعراض تجارب الإعلاميين الليبيين المريرة، لا بد من الإشارة إلى أن بعضا ممن غادروا البلاد في ذروة المواجهات المسلحة في 2014، شرعوا في العودة إلى المنطقة الشرقية من ليبيا، مثل المذيعة، الزوي، والإعلامي، الشريف، وغيرهم، وذلك بعد أن تمكن الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر من طرد الميليشيات المسلحة من بنغازي.

الصراع المبكر حول السلطة في ليبيا كان ينذر بأن الأجواء لن تكون ملائمة للعمل الإعلامي وسط غابة من الجماعات المسلحة والتوجهات المتضاربة. أدرك هذا، أولا، الإعلاميون المخضرمون، وبدأوا في تصفية أعمالهم والبحث عن مواقع للعمل من خارج البلاد، بينما ظل الجيل الجديد من الشبان يحاول التغلب على الواقع والدخول في سباق مع الزمن. كانت عشرات الصحف الورقية تذهب إلى المطابع، وكان يجري تركيب أجهزة البث الإذاعي والتلفزيوني. ووصل عدد القنوات الفاعلة والتي لها تأثير على الساحة الليبية إلى نحو 25 قناة، بيد أن الخلافات السياسية والميليشياوية عصفت بكل هذا.

Untitled

ومن بين المخضرمين الذين خرجوا مبكرا من ليبيا، محمود البوسيفي، الذي يعد أول نقيب للصحافيين في ليبيا. يقول: خرجت في مطلع 2012 للتنفس قليلا بعد الضغط النفسي الهائل خلال عام 2011، قصدت تونس لإجراء فحوصات طبية. وبعد شهر أبلغتني عائلتي أن مجموعة مسلحة أفرادها من الملثمين وفي سيارة مموهة ودون لوحات ترددت ثلاث مرات على البيت للاستفسار عني. ويضيف: اتصلت بهذا الخصوص بالأستاذ محمد العلاقي عضو المكتب التنفيذي والمسؤول عن ملف العدل، فأكد لي أنه ليس هناك شيء بحقي من جانب الدولة. وأن تلك المجموعة مجرد ميليشيا غير شرعية.

وشغل البوسيفي في السابق مدير الهيئة العامة للصحافة، والأمين العام المساعد السابق لاتحاد الصحافيين العرب، وعضو اللجنة التنفيذية لاتحاد الصحافيين الأفارقة، وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة العالمية للصحافيين.

ويقول بحزن مكتوم: «خلال خمس سنوات (2012 – 2017) واصلت الاتصال بالأصدقاء في الحكومات المتعاقبة للاستفسار، وكان ردهم دائما أن (الدولة) لا تطالبني بشيء. لكنهم لا ينصحون بالعودة بسبب عدم القدرة على حمايتي من أي جماعات غير منضبطة أو تشكيلات عصابية». ويستدرك: «عشت خلال هذه الأعوام تحت عباءة محبة أصدقاء ومحبين، وبالكتابة في بعض المواقع الإلكترونية والمطبوعات الليبية، واعتذرت عن الكتابة في الصحف والمطبوعات والمواقع العربية، أو الظهور السياسي في القنوات الفضائية لأسباب تتعلق بالنفور من التجاذبات وحالة الاستقطاب، فضلا عن تمسكي بالاستقلال عن أي اتجاهات سياسية وعقائدية احتراما لمهنة الصحافة التي أتشرف بالانتساب إليها».

البحث عن المتاعب

ومثله مثل معظم الصحافيين والإعلاميين الليبيين، يدفع البوسيفي ثمن انتسابه لمهنة البحث عن المتاعب. ويقول: «وأنا بعيد عن ليبيا، ولد لي ثلاثة أحفاد، دون أن أكحل عيني بهم وأؤذن في آذانهم كما هي العادة ساعة الولادة. تزوج أحد أبنائي دون أن أشاركه الفرح.. أدرك مدى بشاعة الغربة والهجرة القسرية مثلما أعرف عبث المشهد في بلادنا، غير أن ما يؤلمني حقا ويبعثرني هو غياب العقل».

وتمتد جذور الصحافة الليبية إلى عام 1866، وظهرت بقوة ضمن حركات التحرر من الاستعمار التركي والإيطالي. وبعد الاستقلال في مطلع خمسينات القرن الماضي، كانت تصدر نحو ثلاثة وثلاثين مطبوعة بانتظام، ما بين جريدة ومجلة ودورية. وتغيرت الأوضاع بعد تولي القذافي الحكم، حيث أصبح الإعلام حكرا على الدولة من خلال الصحف والإذاعة والتلفزيون، باستثناء الفترة التي حاول فيها تيار الغد بقيادة سيف الإسلام نجل القذافي، الانفتاح قليلا على التجارب الصحافية الخاصة. ودخل القطاع الخاص بقوة إلى الاستثمار في الإعلام بعد أحداث 2011.

ومن الشخصيات الإعلامية الليبية الكبيرة، هناك محمود شمام، الذي يرأس حاليا مجلس إدارة مؤسسة الوسط الإعلامية، انطلاقا من القاهرة. وعن رؤيته للمستقبل ومتى يعود للعمل من داخل ليبيا، يقول بكل بساطة: «أنا عمري في الوقت الراهن سبعون عاما، وعندما تكون الظروف في ليبيا تملك الحد الأدنى من مقومات العمل الصحافي، أكون أنا عاجزا عن العمل أو في ملكوت الله».
وسبق لشمام أن شغل منصب مسؤول الإعلام بالمكتب التنفيذي التابع للمجلس الوطني الانتقالي. كما أنه يعد المؤسس ورئيس مجلس إدارة قناة ليبيا لكل الأحرار التي انطلق بثها من قطر لتساند ثورة فبراير 2011. وردا على سؤال بشأن موعد عودته إلى بلاده، يقول بدبلوماسية معهودة يعرفها المقربون منه: «أنا لم أوجد في ليبيا خلال الثلاث والأربعين سنة الأخيرة أكثر من سبعة شهور، وبعد فبراير أدرت الملف الإعلامي بمعناه الدعوي ولَم يكن من مهامي تأسيس إعلام جديد، وقد عملت بين أبريل (نيسان) وأكتوبر (تشرين الأول) عام 2011 فقط.

صحف ليبية في العاصمة طرابلس (غيتي)
صحف ليبية في العاصمة طرابلس (غيتي)

صحيفة الوسط

وبينما يؤكد بشكل عام على أن الظروف في ليبيا «غير مواتية» لكي يعود إليها، يقول عمر الكدي، نائب رئيس تحرير صحيفة الوسط: «أنا لا أستطيع العودة إلى ليبيا سواء في شرقها أو غربها، لأنني مطلوب من الطرفين بسبب مقالاتي، فالإسلاميون في الغرب يصنفونني علمانيا، وجماعة حفتر في الشرق منزعجون من مقالاتي النقدية في حق المشير، كما منعت صحيفة الوسط التي أعمل بها من التوزيع في غرب ليبيا وشرقها، بالإضافة إلى منع راديو الوسط من البث في بنغازي وطبرق». وكان الكدي قد ترك عمله السابق في إذاعة هولندا العالمية منذ بداية اندلاع ثورة 2011 ليلتحق بزملائه في قطر ويؤسسوا أول قناة ليبية تساند ثورة فبراير.

كان الكل يريد طي صفحة القذافي التي شهدت أعمالا قمعية ضد الصحافة والصحافيين. وما زال الإعلاميون يتذكرون اغتيال الصحافي والإذاعي محمد مصطفى رمضان عام 1980، وبعده الصحافي ضيف عبد الكريم الغزال. وفي 2011 تعرض الصحافي محمد نبوس للقتل، وبعده بيوم واحد قتل الرسام قيس الهلالي.

وبعد رحيل القذافي لم تتوقف آلة الاختطاف والقتل للصحافيين، ومنهم محمد علي المعداني، وجمال محمد القويري، اللذان قتلا وهما يؤديان واجبهما الصحافي، ولحق بهما الإعلامي الشاب عز الدين قوصاد، الذي أطلق عليه مجهولون الرصاص ولاذوا بالفرار، وبالرصاص أيضا اغتيل الإذاعي رضوان الغرياني وقبلهم قتل عبد الله بن نزهة الصحافي بصحيفة فسانيا بمدينة سبها على أيدي مجهولين، واغتيل أيضا مفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة برنيق، ثم اغتيل المصور الصحافي أيوب كرناف الأوجلي مراسل قناة ليبيا الإخبارية، وبعدهم اغتيل بعبوة ناسفة الناشط عبد الباسط بوذهب في مدينة درنة.

كما أن قائمة الاختطاف تشمل الكثير من الأسماء من بينهم الناشط والمدون عبد المعز بانون، الذي اختطف في مدينة طرابلس في 2014، والمدون حسين الشاوش الذي اختطف العام الماضي، وزميله الصحافي جمال منصور.

وأدان المركز الليبي للإعلام وحرية التعبير ارتفاع العنف ضد الإعلاميين والصحافيين والنشطاء وأصحاب الرأي، معبراً عن استنكاره الشديد لأكثر من 120 حالة اعتداء وانتهاك وقمع لحرية الصحافيين والإعلاميين والنشطاء خلال عام 2016 فقط.

الرأي العام

ومن جانبها تؤكد سعاد سالم، الشاعرة والكاتبة الصحافية ومديرة تحرير مجلة البيت سابقا، أنها تركت ليبيا مرغمة لتستقر وتعيش في بلد آخر.. وتقول عن سبب تراجع الصحافة في ليبيا، بعد موت القذافي، لتصل إلى ما وصلت إليه الآن: «من الأساس لم تكن الصحافة مهنية، فلا يهم عدد الصحف والقنوات المرئية والمسموعة بقدر ما يهم ماذا تقدم، وأعتقد أن ما تم تداوله منذ البدايات عبر الصحافة مهد لكل ما حدث ولا يزال يحدث حتى الآن من فوضى».

وتضيف موضحة: «أقصد عندما تمنح الصحافة مساحة لزعماء ميليشيات في دعاية لهم، كيف ستكون هذه الصحف أو الوسيلة الإعلامية أن تقود الرأي العام صوب الدولة المدنية وتشكل أداة ضغط وتحرك الرأي العام ضد كل ما يهدد السلم الاجتماعي ودولة المؤسسات، وأيضا عندما تصبح مفردات الصحافة كلها أحكاما قطعية، فمن الصعب إقناع الناس بدولة القانون والفصل بين السلطات».
وتتابع قائلة: وبذلك، فعوضا عن أن تكون الصحافة تعني بالبحث عن الحقيقة تصبح تضليلا، بكل الوسائل، بما فيها الدين.. من هنا كان لا بد لمثلي أن يخرج. فالتهديد وسط كل هذه الهوجة العقائدية والتشنج لا يكون الخطر على الحياة من مصدر واحد، بل أي شخص موتور من الممكن أن يصبح في لحظة قاضيا وجلادا وتكون حياتي هي اللعبة التي يقرر أن ينهيها.

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة
كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.