• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
قصة الغلاف, قضايا

« أوروبا وتركيا… حرب باردة» وقودها الانتخابات

قلق أوروبي من تطور العلاقات التركية الروسية ..وتلويح أنقرة بـ«خيار شنغهاي» بديلاً عن الاتحاد الأوروبي

الرئيس الروسي خلال استقباله نظيره التركي خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة موسكو
الرئيس الروسي خلال استقباله نظيره التركي خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة موسكو

•المحرك الرئيس للصراع بين الأوروبي ارتبط جوهره بالاستفتاء الدستوري في تركيا، والمقرر إجراؤه في 16 أبريل
•تحالف «اليمين القومي» مع «المحافظين الإسلاميين» لتمرير حزمة تعديلات دستورية تشمل 18 مادة
•مشروع حزب العدالة والتنمية الحاكم يستهدف إلغاء منصب رئيس الوزراء وانتقال كامل السلطة التنفيذية إلى منصب الرئيس

أنقرة: محمد عبد القادر خليل*

تصاعدت وتيرة الحرب الكلامية بين تركيا وشركائها الأوروبيين، واستعرت بسرعة غير متوقعة، على خلفية ممانعة عدد من دول الاتحاد الأوروبي لانعقاد أي لقاءات جماهيرية تجمع مسؤولين أتراكاً، وقطاعات من الجاليات التركية على الساحات الأوروبية.

سريعاً تصاعد السجال التركي – الألماني، بهذا الشأن إلى ما يشبه «الحرب الباردة» بين الجانبين التركي والأوروبي. وبينما بدا جلياً أن التوتر المتزايد والمتناثر شرره يرتبط بملفات خارجية لم يغب تأثيرها، فإن المحرك الرئيسي لهذا الصراع ارتبط جوهره بقضايا داخلية، تعلقت من جانب بالاستفتاء الدستوري في تركيا، والمقرر إجراؤه في 16 أبريل (نيسان) 2017، ومن جانب آخر بما تشهده أغلب بلدان أوروبا من انتخابات أو حملات تمهيدية لإجرائها، والتي توظف فيها قضايا السياسات الخارجية لخدمة أجندات الأحزاب السياسية ومحركاتها الانتخابية.

تركيا وحسابات الاستفتاء الدستوري

على الجانب التركي، ارتبطت حسابات الربح والخسارة في الاستفتاء الدستوري بتحالف «اليمين القومي» مع «المحافظين الإسلاميين»، لتمرير حزمة تعديلات دستورية تشمل 18 مادة، تعد مصيرية في إطار مشروع حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي يستهدف إلغاء منصب رئيس الوزراء، وانتقال كامل السلطة التنفيذية إلى منصب الرئيس الذي سيغدو، حال تمرير هذه الحزمة، لأول مرة في تاريخ البلاد، «رئيساً متحزباً»، يمتلك اليد العليا، مقارنة ببقية السلطات.

وتعد قضية التحول الدستوري في تركيا قضية محورية، حيث يتصاعد معها استقطاب شعبي ونخبوي يتعلق بعدد من المحركات الرئيسية، يأتي في مقدمتها، طبيعة الانقسام الحزبي حيالها، والذي يرتبط بمعادلة «2 مقابل 2». فبينما يدعو حزب العدالة والتنمية الحاكم (317 نائباً من أصل 550) والحركة القومية (49 مقعداً) لتأييد التعديلات، فإن كلاً من حزبي الشعب الجمهوري (133 مقعداً)، والشعوب الديمقراطي (59 مقعداً)، يعارضان التعديل الدستوري، الذي تم تمريره إلى رئيس الدولة من قبل البرلمان، لإقراره والدعوة للاستفتاء بشأنه بعد موافقة نحو 339 نائباً، بزيادة بلغت زهاء 9 أصوات وحسب، عن النسبة اللازمة لتمرير التعديلات الدستورية عبر الاستفتاء، التي تتمثل في 3 أخماس أعضاء البرلمان (330 نائباً)، ويتم اللجوء إليها حال عدم تأييد التعديل الدستوري من قبل ثلثي الأعضاء (367 نائباً)، والتي كان من شأنها تمرير التعديلات، دون الحاجة إلى استفتاء.

إلى جانب ذلك، فإن المحرك الشعبي يعد فاعلاً رئيسياً في نمط التحركات التركية الخارجية، التي تعتبر في غالب الأحيان تجليات للسياسات المحلية، ويشير كثير من التقديرات إلى أن أكثر من 60 في المائة من القاعدة الانتخابية لحزب الحركة القومية يرفض الانسياق وراء مواقف رئيس الحزب، دولت بهجلي، ويتجه إلى رفض حزمة التعديلات الدستورية. كما يشير كثير من الاستطلاعات إلى أن ثمة كتلة عريضة تبلغ زهاء 20 في المائة من الناخبين لم تحسم موقفها بعد، ولا تزال مترددة حيال اتخاذ موقف حاسم من مقترح التعديل الدستوري، وهي تأتي من التيارات الليبرالية، التي تتخوف من الإخلال بالتوازن بين السلطات، وكذلك من التيارات المحافظة، التي تخشى وصول رئيس غير محافظ، في مرحلة لاحقة، فيقود البلاد إلى توظيف الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها، ضد التيارات الإسلامية في تركيا.

ترتب على ذلك أن أشار كثير من استطلاعات الرأي الصادرة عن مؤسسات كـ«جيزيجي»، و«أو آر سي»، و«سونر»، إلى أن نسبة رافضي التعديلات قد تكون أكبر من مؤيديها، بفارق بسيط، بما أفضى إلى استدعاء حزب العدالة مخزون الخبرة التي راكمها من العمل الحزبي قرابة العقد ونيف في مجتمع منقسم آيديولوجياً وعرقياً وطائفياً، وأسهمت هذه الخبرة من قبل في إعادة فوز الحزب في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بعد أن كان قد فقد الأغلبية البرلمانية لأول مرة، وذلك في انتخابات يونيو (حزيران) من العام نفسه.

أسهم ذلك على ما يبدو في إعادة استحضار الجدل بشأن أدوار المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، تأسيساً على أن محاولة الانقلاب التي كانت قد تعرضت لها تركيا في يوليو (تموز) 2016، قد أسهمت في تعبئة وحشد الناخبين حول الحزب الحاكم، بما جعل إثارة قضايا من قبيل احتمالات التعرض لعملية انقلاب أخرى، أو ما طرحته جريدة «حرييت» تحت عنوان رئيسي يحمل ما يفيد بأن الجيش قلق من طبيعة سياسات حزب العدالة والتنمية، من شأنه أن يضمن استمرار حالة «التعبئة»، التي يبدو أنها جاءت بالتزامن – قصداً أو دون قصد – مع التوترات التي شهدتها العلاقات التركية – الأوروبية، بفعل معارضة الدول الأوروبية السماح بما يطلق عليه «المرور الحر» للقادة الأتراك لممارسة التعبئة السياسية على ساحات هذه الدول، التي تحتضن زهاء 5.5 مليون تركي، يحق لنحو 3 ملايين منهم التصويت، ونصفهم يصوت في العادة لصالح الاتجاهات التي يتبناها حزب العدالة والتنمية.

تصعيد تركي على وقع الانتخابات

ترتب على ذلك، أن شهدت العلاقات التركية – الأوروبية توتراً غير مسبوق، لم يعكس وحسب، طبيعة التوقيت الدقيق الذي يأتي على خلفيته هذا التصعيد بالنسبة للجانبين، وإنما أوضح أيضاً أن «وقود» هذا التصعيد ارتبط على الجانب الآخر بنمط التشدد الأوروبي، الذي تعلق بتصاعد أدوار تيارات اليمين المتطرف، و«مزايداتها» المستمرة، عبر توظيف قضايا الإرهاب، واللاجئين، والأقليات، والعلاقة مع تركيا، من أجل تصعيد أدوارها في أكثر من ساحة أوروبية تشهد انتخابات تتراوح بين البرلمانية والرئاسية، ومن بين هذه الدول كل من ألمانيا، وفرنسا، وبلغاريا، والمجر، وبولندا، ناهيك بهولندا التي شهدت انتخابات تشريعية خلال مارس (آذار) 2017.

وقد بدا واضحاً في هذا الإطار، أن التوتر التركي – الأوروبي يتصاعد كلما اقترب موعد الانتخابات في أي من البلدان الأوروبية. فقد تفاقم نمطه وتصاعدت وتيرته مع هولندا، كونها أولى الدول التي شهدت انتخابات، ثم انتقل إلى بلغاريا، التي ستشهد انتخابات في 26 مارس 2017. وفيما أسهم التوتر في عدم السماح لطائرة لوزير الخارجية التركية بالهبوط في مطار روتردام بهولندا، ثم ترحيل وزيرة الأسرة والطفل التي وصلت إلى المدينة ذاتها براً، عبر الأراضي الألمانية، فإن بلغاريا قامت بعد ذلك بالتصعيد الدبلوماسي مع أنقرة، لأسباب تتعلق بإدراك يسود كثيراً من الدوائر الأوروبية، مفاده أن تركيا تعمل على إعادة تنظيم جالياتها في أوروبا، من أجل توظيفها في إطار تفاعلات أنقرة الخارجية، لا سيما في ظل الدعوات لتشكيل أحزاب للجاليات التركية على الساحات الأوروبية.

ترتب على ذلك، أن بدا التوتر الأوروبي – التركي يرتبط، في أحد جوانبه، بمحاولة الساسة الأتراك ممارسة السياسة الحزبية على الأراضي الأوروبية، بما من شأنه خلق مشكلات أمنية وسياسية بين المواطنين الأوروبيين والجالية التركية المنقسمة بين مؤيدي «العدالة» الحاكم في تركيا، ومعارضيه من الأكراد، وكذلك من أتباع حركة «الخدمة». فيما يتعلق الجانب الآخر بمحاولة وزير الخارجية التركي الذهاب إلى هولندا قبل أيام معدودة من الانتخابات، التي كانت تشهد من ناحية استقطاباً واضحاً بين التيار المحافظ الحاكم وتيار اليمين المتشدد، بزعامة خِيرت فليدرز (Geert Wilders)، ومن ناحية ثانية، فإن الزيارة كانت أقرب إلى الدعوة غير المباشرة للجاليات التركية والإسلامية بدعم حزب المهاجرين الأتراك (دينك)، الذي حصد بالفعل نحو 3 مقاعد برلمانية في الانتخابات الهولندية الأخيرة.

وقد تسبب السلوك ذاته في استدعاء السلطات البلغارية سفيرتها لدى تركيا، ناديجدا نينسكي، إثر اتهام أنقرة بالتدخل في انتخاباتها المبكرة (26 مارس 2017)، وذلك بعد ظهور السفير التركي لديها في فيلم دعائي لحزب «دوست» الجديد للأقلية التركية. وأيضاً انتقدت بلغاريا أنقرة لتشجيعها نحو 60 ألف بلغاري يعيش على أراضيها لصالح حزب «دوست»، ووصفت ذلك بأنه «تدخل مباشر في شؤون بلغاريا الداخلية».

جندي تركي أمام أحد مقار الحملة الحكومية لدعم التصويت على الاستفتاء بنعم
جندي تركي أمام أحد مقار الحملة الحكومية لدعم التصويت على الاستفتاء بنعم

حرب كلامية وإجراءات دبلوماسية متبادلة

كان من شأن اتساع نطاق التوتر بين تركيا والبلدان الأوروبية أن وجدت بعض بلدان الاتحاد الأوروبي حرجاً في استقبال مسؤولين أتراك، بما دفع السلطات في الدنمارك إلى مطالبة رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، إلى تأجيل زيارته التي كان مقرراً لها مسبقاً نهاية مارس 2017، تقيّداً بارتدادات تحول التوتر المكتوم في العلاقات التركية – الأوروبية إلى سجالات دعائية علنية، وتصريحات عدائية متبادلة، ترتبط بتصاعد حدة الرفض التركي، لمنع بعض مسؤوليها من عقد لقاءات جماهيرية مع الجاليات التركية في أوروبا.

استدعى ذلك دعوة النمسا إلى حظر جميع التجمعات الجماهيرية للجاليات التركية، ورفض استقبال القادة الأتراك على الساحات الأوروبية، غير أن أغلب البلدان الأوروبية فضلت التريث، هذا إلى أن أسهم التصعيد التركي حيال ألمانيا، ومن بعدها هولندا، والسويد، والنمسا، في تصاعد انتقادات قادة الأحزاب المتطرفة – داخل ألمانيا وخارجها – لتركيا والأحزاب الأوروبية الحاكمة، جراء عدم اتخاذ مواقف حاسمة حيال تصاعد حدة التصريحات التركية إزاء أكثر من بلد أوروبي.

لم يكن ذلك لينفصل عن خلفية الأحداث من حرب كلامية، تضمنت رفض تركيا – على أكثر من مستوى – السياسات الأوروبية، التي حسبتها أنقرة تعبر عن نظرة استعلائية عنصرية، بما دفع الرئيس التركي إلى القول إن الأوروبيين لن يتمكنوا من السير بأمان في الشوارع إذا واصلوا نهجهم الحالي إزاء بلاده، بما أدى إلى استدعاء المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، السفير التركي الجديد لدى الاتحاد، لتفسير تصريحات للرئيس رجب طيب إردوغان بشأن أمن المواطنين الأوروبيين. وقالت الناطقة باسم الاتحاد الأوروبي، مايا كوسيانسيتش: «لقد طلبنا من المندوب الدائم لتركيا لدى الاتحاد الأوروبي المجيء إلى المكتب الأوروبي للعمل الخارجي»، «لأننا نرغب في الحصول على تفسير».

وفي إطار «حرب التصريحات» وسياسات التصعيد المتبادل، وصف الرئيس التركي، ومن بعده جملة من القيادات والساسة الأتراك، الأوروبيين بـ«فلول النازيين»، و«البرابرة»، و«العنصريين الفاشيين»، وذلك في معركة لم يبتعد عنها التلاسن الصحافي. فعلى سبيل المثال، وُصفت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بـ«الخالة القبيحة»، و«أنثى هتلر». وقد بدا من ذلك أن ثمة توجهاً تركياً إلى تحويل هذه المعركة إلى محرك رئيسي يستهدف دفع المواطنين للتمترس خلف القيادة السياسية التي تخوض معركة الدفاع عن «الكبرياء التركي»، في مواجهة «القوى الاستعمارية»، التي أدت أدواراً تاريخية في إسقاط الإمبراطورية العثمانية، فضلاً عن كونها غدت تعادي مظاهر «النهضة الاقتصادية»، التي شهدتها أنقرة خلال السنوات الأخيرة.

وفي إطار إدارة هذه المعركة، اتهم الرئيس التركي السلطات الهولندية بالضلوع في «مجزرة سريبرينيتسا»، وقتل أكثر من 8 آلاف من البوسنيين عام 1995، مستنكراً «الفكر العنصري الذي يسود الشارع الأوروبي». كما أشار إلى أن أنقرة قد تُراجع، عقب الاستفتاء، علاقاتها مع أوروبا، التي وصفها بأنها باتت تشبه «العلاقة مع أوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية». كما أقدم الرئيس التركي على دعوة الجاليات التركية في أوروبا إلى عدم دعم تيارات اليمين القومي المتطرفة، والابتعاد عن الأحزاب المحافظة التي تتخذ مواقف متشددة حيال مصالح تركيا الحيوية. وذهب الرئيس إلى حد دعوة الأتراك في البلدان الأوروبية، لإنجاب ما لا يقل عن 5 أبناء، من أجل «تحديد مستقبل أوروبا»، مشدداً على أن «هذا هو الرد الأفضل على الوقاحة والعدائية والأخطاء التي ارتكبت بحقكم».

«اليمين الأوروبي» والتصعيد التركي

بدت استراتيجية «حافة الهاوية» طريقة مثلى لدى نخبة الحزب الحاكم في تركيا لتعبئة الشعب التركي خلف قيادته السياسية. فعبر التصعيد مع البلدان الأوروبية استطاع الرئيس التركي تحويل تطورات هذا الصراع إلى مادة موظفة لخدمة دعم أطروحاته بشأن مواد الدستور المقترح تعديله. وقد استفاد الحزب الحاكم في تركيا من تصاعد أدوار أحزاب اليمين المتطرف، مثلما أفادها تصعيده، لا سيما في ظل أجندتها المتخمة بقضايا الإرهاب واللاجئين و«الأقليات فوبيا»، بفعل العمليات الإرهابية التي طالت أكثر من بلد أوروبي، مما جعل النمط المستخدم في الدعاية الانتخابية التركية، وكذلك نظيرتها الأوروبية لأحزاب اليمين تُظهر تركيا كأنها تقف في مواجهة أوروبا الرافضة لسيطرة الرئيس التركي على السلطة السياسية، عبر معارضتها التعديلات الدستورية التي من شأنها إطلاق صلاحياته.

وعلى الرغم من أن ذلك جعل الهجوم على الدول الأوروبية يمثل أفضل دعاية للتعديلات الدستورية، فإنه على جانب آخر، أفضى إلى تعليق ألمانيا العمل بسياسة «المرور الحر»، حيث ألغت أي لقاءات جماهيرية للقيادات التركية على أراضيها. كما قال رئيس جهاز المخابرات الألماني، برونو كال، لمجلة «دير شبيغل» إن «الحكومة التركية لم تستطع إقناع جهازه بأن فتح الله غولن، رجل الدين التركي، المقيم في بنسلفانيا، كان وراء محاولة الانقلاب»، وأضاف: «حاولت تركيا إقناعنا بذلك على كل المستويات، لكنها لم تنجح بعد»، وقد دفع ذلك السلطات التركية إلى اتهام ألمانيا بأنها متورطة في محاولة الانقلاب التي شهدتها أنقرة خلال العام الماضي.
وعلى جانب موازٍ، فقد توالت الانتقادات الأوروبية على تركيا، حيث ندد عدد من المسؤولين الأوروبيين، وعلى أكثر من مستوى، بسجل تركيا الحقوقي، ملوحين بأن تمرير هذا التعديل الدستوري سيعني ابتعاد تركيا عن عتبات الاتحاد الأوروبي. وقد خصص عدد من الصحف الغربية الصفحات الأولى للحديث عن هذه القضية، والبعض تعرض لها باللغة التركية، بغية وصول رسالته إلى الناخب التركي، والبعض الآخر طالب بعدم التصويت لإردوغان صراحة، فيما دعا بعض الكتاب الجاليات التركية لانتخاب أنظمة سياسية، كالتي «ينعمون بها في أوروبا، وليست أنظمة تبعدهم عن النظم الأوروبية الديمقراطية».

وعلى الرغم من حسبان بلدان الاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني حزباً إرهابياً، فإن السلطات الألمانية سمحت بمظاهرة ضمت نحو 30 ألف كردي، وذلك لإعلان رفض الاستفتاء في تركيا، وللمطالبة بما أطلق عليه «حرية كردستان»، بما أوضح تداخل الملفات وطبيعة القضايا العالقة بين الجانبين التركي والأوروبي، لا سيما أن تركيا تتهم أوروبا بأنها لم تتخذ مواقف حاسمة من دعم السلطة الديمقراطية في تركيا، حينما تعرضت لمحاولة انقلاب في يوليو 2016، كما تعتبر أنقرة أن بلداناً أوروبية فتحت ساحاتها المحلية، وأتاحت وسائل إعلامها المختلفة لتحركات معارضي السلطات التركية، من حركة فتح الله غولن، والجماعات المحسوبة على «العمال الكردستاني»، كما ساندت «القوى الانقلابية»، لا سيما في ظل رفض تسليم الجنود الأتراك الذين طلبوا اللجوء السياسي إلى كل من ألمانيا، واليونان، والدنمارك.

هذا في الوقت الذي اتهمت فيه برلين أنقرة باستخدام الاتحاد التركي الإسلامي في ألمانيا (ديتيب) للتجسس على عناصر تابعة لحركة «الخدمة»، مما دفع السلطات الألمانية لإلغاء كثير من المشروعات المشتركة مع الاتحاد التركي، الخاصة ببرامج «التربية الإسلامية»، و«مكافحة التطرف». كما اتهمت تركيا بانتهاك حقوق الإنسان، وذلك بعد حبس الصحافي، دينيز يوجيل (ألماني من أصل تركي)، بدعوى أنه «عميل ألماني».

رفع العلم التركي أمام السفارة الهولندية احتجاجا على رفض هبوط طائرة وزير الخارجية التركي بروتردام
رفع العلم التركي أمام السفارة الهولندية احتجاجا على رفض هبوط طائرة وزير الخارجية التركي بروتردام

روسيا والتصعيد التركي – الأوروبي

في غمار ذلك، بدا واضحاً القلق الأوروبي من مسار تطور العلاقات التركية مع روسيا، لا سيما في ظل رغبة أنقرة شراء منظومة الصواريخ S – 400، الروسية، هذا فضلاً عن تلويحها بـ«خيار شنغهاي»، بديلاً عن الاتحاد الأوروبي. وقد أفضى مسار التوتر المتصاعد بين الجانبين، إلى وقف تدريبات عسكرية مشتركة بين النمسا وتركيا، كما جمد المجلس الأوروبي مساعدات قدرت بنحو 4.450 مليار يورو، كان مقرراً تقديمها لأنقرة في الفترة من 2016 إلى 2020، ولم تكن قد حصلت منها إلا على نحو 167 مليون يورو.

وفي الوقت الذي اتخذت فيه تركيا خطوات فعلية لترسيخ التعاون مع روسيا، عبر زيارات عالية المستوى كان آخرها زيارة الرئيس التركي للقاء نظيره الروسي، في 9 مارس 2017، كانت العلاقات التركية – الأوروبية تتجه نحو مزيد من التوتر والتأزم، ليس وحسب لحدة التصريحات التركية، التي وصفت كثيراً من البلدان الأوروبية بـ«جمهوريات الموز»، وإنما لأن ذلك عكس بالضرورة حجم الهوة السياسية بين الجانبين التركي والأوروبي.

وقد أوضحت التهديدات التركية حيال دول الاتحاد، حسب تصريحات لقيادات أوروبية، أن ثمة ازدراءً تركياً بالاتحاد، الذي تتفاوض تركيا من أجل اجتياز عتباته منذ عقد ونيف خلى. ذلك أنها في الوقت الذي أجرت فيه زهاء 20 تعديلاً دستورياً من أجل الانضمام للنادي الأوروبي، عادت لتعلن إمكانية عودة تطبيق عقوبة الإعدام، حال تمرير حزمة التعديلات الدستورية، التي كانت قد ألغتها عام 2004 من أجل بدء مفاوضات العضوية، مما يؤشر إلى أن التوجه العام للابتعاد عن القيم الأوروبية، ويشكل تطوراً تعتبره دول الاتحاد خطيراً، واستنساخاً لنمط الحكم «الصندوقراطي» على الطريقة الروسية.

وفي الوقت الذي أشار فيه الرئيس التركي إلى أن العضوية الأوروبية لم تعد تهدد تركيا، وأن بلاده قد تعيد العمل بعقوبة الإعدام، حال تمرير التعديل الدستوري، مشدداً على أن بلاده لن تسمح من الآن فصاعداً لأي من الأوروبيين على أراضيها بالتجسس تحت ذرائع مختلفة، فإن نوربيرت روتغين، العضو في المجلس الفيدرالي الألماني، صرح بأن مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد ستنتهي، حال ما خرجت نتائج الاستفتاء بنعم. ومن جانبه، أكد مارتن شولتز زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، دعمه لقرار منع أعضاء الحكومة التركية من إقامة فعاليات فوق الأراضي الألمانية، مضيفاً: «لا مكان لمن يستخدم الحصانة الدبلوماسية في سبيل سياسة حزبية في ألمانيا».

ويبدو التحول التركي – الأوروبي ليس أسير التوترات الأخيرة، وإنما نتاج تراكمات كثيرة، ذلك أن أنقرة تعتبر أن دول الاتحاد لم تقم بتنفيذ كامل اتفاق اللاجئين، بما يشمله ذلك من مخصصات مالية، ومنح مواطني تركيا تأشيرة «شنغن» (Schengen) الضرورية لحرية الحركة إلى البلدان الأوروبية. هذا في وقت تعتبر فيه دول أوروبية أن تركيا وظفت ورقة اللاجئين لابتزاز دول الاتحاد. كما أنها أضحت، كروسيا، أحد محركات صعود تيارات اليمين المتطرف على الساحة الأوروبية، وبينما تنتهج روسيا سياسات اعتبرتها تقارير استخباراتية غربية تستهدف دعم تيارات اليمين القومي، الذي يؤيد الانعزال عن أوروبا، وإعادة الاعتبار للدولة القومية، ويتبنى رؤى معادية للإسلام، فإن سياسات الرئيس التركي وتصريحاته باتت تُستغل أيضاً من قبل اليمين الأوروبي المتطرف، الذي يتهيأ للانتخابات في كثير من البلدان الأوروبية.

وبينما يبدو من ذلك أن مصالح تركيا الاقتصادية، والأمنية، وتوجهات النخبة الحاكمة، ومواقفها من سياسات الاتحاد الأوروبي تدفعها لتجاوز خلافات الماضي، لتحسين الروابط مع موسكو، فيما يشبه «التحالف الاضطراري»، فإن هذا لا يعني أن تحالف الدولتين، وقياداتهما الراغبة في استحضار الماضي بمآثره ومآسيه، لتأجيج المشاعر القومية وإذكائها، بغرض دعم توجهات النخب الحاكمة، يمثل تحالفاً قابلاً أكثر للتماسك والاستمرار.

فالتدحرج التركي تجاه موسكو والابتعاد عن أوروبا، قد يفقدها القدرة على المناورة التي تبغيها، ويجعلها أسيرة توجهات ليست بالضرورة تصب في مصلحة خياراتها الذاتية، كونها قد تجسد بدرجة أكبر «روابط استنزافية»، تُستخدم فيها تركيا لخدمة إعادة التموضع الروسي في المنطقة، فيما أنقرة نفسها قد تعاني من نتائج التوافقات السياسية التي قد لا تشملها، وعلى رأسها التوافقات الأميركية – الروسية المحتملة. ويبدو أن ذلك الدرس لا تزال أنقرة في حاجة إلى استيعابه، لا سيما بعد الجدل بشأن «معركة منبج» في سوريا، وفيما يخص قضية تحرير الرقة.

وعلى الرغم من خطورة التصعيد التركي – الأوروبي وارتداداته المحتملة، فإن ما بدا من هدوء نسبي لحدة «العاصفة» بين هولندا وتركيا، عقب الانتخابات الهولندية الأخيرة، التي لم تفضِ إلى بلوغ اليمين المتطرف السلطة، قد يعني أن مستقبل العلاقات التركية – الأوروبية لم يعد يرتبط فقط بنتائج استفتاء التعديل الدستوري في تركيا، وإنما يرتبط أيضاً بمعارك اليمين المتطرف متصاعدة الحدة على ساحات أوروبا المختلفة، فضلاً عن الوجهة التي ستنحو إليها علاقات أنقرة مع موسكو خلال الفترة القليلة المقبلة.
* رئيس تحرير «فصلية شؤون تركية» بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.