• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
تحقيقات, قصة الغلاف

سوق رائجة للتجسس على الاتصالات في ليبيا

111753794

111753794

يديرها سماسرة في البحر المتوسط… وسعر الجهاز يصل إلى 7 ملايين دولار
• مصدر أمني : الميليشيات لديها أجهزة تنصت وتخشى من حصول المجلس الرئاسي على جهاز يمكن من خلاله كشف خصوم السراج
• رصدت المخابرات الليبية عملية إعادة بث المعلومات التي يجري الحصول عليها من ضباط في الجيش لصالح أجهزة استقبال خارج الحدود الليبية

تشهد سوق بيع وشراء أجهزة التنصت على الهواتف في ليبيا رواجاً غير مسبوق، في أوساط جماعات متطرفة وأخرى خارجة عن القانون. ويدير العملية سماسرة ينشطون في منطقة البحر المتوسط وشمال أفريقيا.
يبلغ سعر الجهاز القادر على تتبع وتسجيل مكالمات أرقام بعينها، ما لا يقل عن مائتي ألف دولار، بينما يزيد السعر لذلك الذي يعمل ببصمة صوت المتصل من أي رقم كان، إلى نحو 7 ملايين دولار، ولديه إمكانية استرجاع المكالمات التي جرت في وقت سابق، كما أن له ميزة اختراق البريد الإلكتروني ومواقع الدردشة الخاصة على الإنترنت.
ويعتقد أن عددا من رجال الأعمال الذين يسعون لكسب ود الميليشيات والسلطات والأجهزة الأمنية في بعض البلدان الفقيرة في جنوب البحر المتوسط، يلجأون إلى تمويل شراء أجهزة التنصت من السوق السوداء، وتقديمها هدايا لبعض القيادات الميليشياوية أو الأمنية، وذلك لتحقيق عدة أهداف؛ من بينها إيجاد ستار لتمكين هذه الأجهزة من العمل دون مؤاخذة من باقي القوى، مع الحصول على بعض التسجيلات الخاصة بالخصوم من أجل الضغط عليهم أو ابتزازهم أو إقصائهم من الساحة السياسية والاقتصادية.

أجهزة التنصت

ويوجد أكبر عدد من أجهزة التنصت التي لا تتبع الحكومات، في الوقت الراهن، داخل العاصمة الليبية طرابلس التي تعج بالميليشيات والجماعات المسلحة. وواحدة من الوقائع التي تؤشر إلى الخوف من امتلاك الخصوم أجهزة تنصت، تلك التي جرت عقب تعيين المجلس الرئاسي الليبي الذي يرأسه فائز السراج لمسؤول عن جهاز أمني في طرابلس. وحين طلب هذا المسؤول تزويده بجهاز تنصت بشكل رسمي من المجلس المعترف به دوليا، تدخلت عدة ميليشيات وحذرته من مغبة استحضار جهاز من هذا النوع.
ويقول مصدر أمني إن تلك الميليشيات لديها بالفعل أجهزة تنصت، وتخشى من حصول المجلس الرئاسي على جهاز يمكن من خلاله كشف خصوم السراج في العاصمة الليبية. ويضيف قائلا: «في أواخر فبراير (شباط) الماضي، طلب العقيد الذي جرى تعيينه ليكون مسؤولا عن جهاز المباحث العامة في طرابلس، منظومة مراقبة للهواتف، إلا أن بعض الشخصيات المحسوبة على المجلس الرئاسي تعرضت لضغوط من جانب ميليشيات منافسة، ومن ثم نصحت بأنه لا داعي لشراء منظومة للمراقبة، وعللت ذلك بأن جهاز المباحث العامة يمكنه الاعتماد على إدارة المخابرات في طرابلس حين يريد مراقبة هواتف بعينها يشتبه في أصحابها».

في المقابل، تقدم العقيد المشار إليه بطلب جديد لاقتناء جهاز مراقبة، وقال في الطلب إن تقنية تتبع الهواتف تعد من الأمور الحيوية لعمل المباحث وتساعد على رفع القدرة والأداء في العمل. لكن جرى الرد عليه من جانب الرافضين، بالقول إن كل منظومة لمراقبة الهواتف تدخل إلى طرابلس بمثابة طعنة في القلب. وأشار متنفذ مقرب من المجلس الرئاسي إلى أن الفوضى التي ضربت العاصمة الليبية، وكثرة أجهزة التنصت على الهواتف، أصبحت خطرا على الحياة الخاصة بالمواطنين، حيث إن بعضاً ممن يعملون على تلك الأجهزة يستغلونها في ابتزاز الأثرياء وابتزاز النساء و«هتك عرض بيوت العائلات».

رصد هواتف

ورغم أن العقيد المسؤول في المباحث تعهد بأن يشرف بنفسه على جهاز التنصت، وأن يبعد عنه أي يد يمكن أن تستغله لمصالح خاصة، فإن طلبه قوبل بالرفض مجددا. وفي المقابل تمتلك جماعات وميليشيات وحدات تنصت خاصة فيما تعد أجهزة مخابرات مصغرة. وبعض هذه المعدات مركبة في سيارات تتجول في العاصمة؛ حيث إنها لا تملك القدرة على الدخول على منظومة الهواتف من مراكز ثابتة وبعيدة عن الهدف. وتقف السيارة وداخلها الجهاز قرب بيت من البيوت أو مكتب من المكاتب أو مقر لميليشيا معادية، ويبدأ جهاز التنصت في الدخول على الهاتف المراد اعتراض مكالماته.

وهناك جماعات تملك أجهزة متقدمة يبلغ ثمن الجهاز الواحد منها في المتوسط نحو مليوني دولار، وهذا النوع يجري تركيبه في مكان ثابت وله هوائي طويل يتم وضعه أعلى سطح المبنى. ويدخل هذا الجهاز على منظومة الشركات المشغلة لخدمات التليفون الجوال، ويتم إدخال الرقم المراد مراقبته، ويقوم الجهاز بإعطاء إشارة في كل مرة يبدأ فيها هذا الرقم في الاستخدام.
كما يمكن من خلال الجهاز نفسه مراقبة تحركات حامل الجهاز من خلال شريحة الخط الموضوعة في هاتفه. ولدى الجهاز القدرة على تحديد موقع حامل الهاتف من خلال أعمدة الإرسال الخاصة بشركات الهواتف؛ أي إنه يمكن حصر مكان تحرك صاحب الهاتف في محيط يتراوح بين 300 متر وحتى 3 كيلومترات، حسب قوة أعمدة الإرسال وتعددها وبعدها أو قربها بعضها من بعض.

مخابرات دولية

ويعد أقوى جهاز تنصت ومراقبة في طرابلس في الوقت الراهن ذلك الذي يوجد في مقر يديره عملاء لشركات عسكرية غربية في منطقة تسمى «الفروسية» في العاصمة. وهناك أطراف دولية تعتمد على مشغلين لأجهزة تنصت في الداخل الليبي. ويقول مصدر أمني: «لا يمكن أن تتفق مع سمسار في أوروبا على جلب جهاز تنصت دقيق إلا إذا كانت هذه العملية برمتها تجري تحت أعين جهاز من أجهزة المخابرات الدولية».
وهناك أجهزة مراقبة أخرى يزيد ثمنها على 4 ملايين دولار، وهذه لديها القدرة على اعتراض كل شيء؛ بما في ذلك برقيات الفاكس التي ترسل بالاعتماد على الهواتف ذات الخطوط الأرضية. وفي عملية قامت بها إحدى الميليشيات التي تملك هذا النوع من الأجهزة، تمكنت من مراقبة رسائل نصية ورسائل إنترنتية (ماسينجر) لضباط وجنود في المنطقة الشرقية من ليبيا، لصالح التحالف المعادي لقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر.
ولدى بعض الميليشيات والجماعات المسلحة القدرة المالية على استئجار مهندسين متخصصين في العمل على أجهزة التنصت وربط بعضها ببعض عبر عدة مدن ليبية. وأشهر هؤلاء المهندسين رجل فرنسي يدعى جان يعمل حاليا مع قيادات «داعشية» في منطقة الخُمس وزوارة بمحيط العاصمة الليبية.
وهناك شبكات مراقبة متكاملة منتشرة في طرابلس غربا، وبنغازي شرقا، وسبها جنوبا، ولها تواصل مع أجهزة أخرى موجودة في مناطق ذات طبيعة هشة عبر دول بالشرق الأوسط. ومن أكثر عناصر الجماعات التي تتعاون في هذا المجال، عناصر تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، وأخرى تابعة لـ«الجماعة الليبية المقاتلة» الموالية لتنظيم القاعدة، بالإضافة إلى بعض الجماعات الداعشية التي تمكنت من الحفاظ على أجهزة التنصت الخاصة بها أثناء فرارها من سرت إلى غرب البلاد أواخر العام الماضي.

برنامج فلكس سباي

ورصدت المخابرات في طرابلس وبلدة مصراتة ذات الاستخبارات العسكرية القوية، نشاطا محموما للتجسس بين الميليشيات والجماعات المسلحة. ومن بين هذه الوقائع تلك التي تخص التجسس على الجيش الليبي، بواسطة منظومة مراقبة في شرق ليبيا، تعتمد على برنامج يسمى «فلكس سباي»، وبالتحديد في مدن درنة وإجدابيا وبنغازي. ووفقا للمصدر الأمني الليبي، فإن ما يجري رصده من تحركات لبعض ضباط الجيش المقربين من حفتر، تستقبله وحدة مراقبة تتبع قياديا إخوانيا في مدينة مصراتة، ومنها يجري ضخ المعلومات إلى وحدة أخرى في طرابلس تابعة لقيادي في «الجماعة المقاتلة».
كما رصدت المخابرات الليبية، وفقا للمصدر نفسه، عملية إعادة بث المعلومات التي يجري الحصول عليها من ضباط في الجيش، لصالح أجهزة استقبال خارج الحدود الليبية. وبحسب المصدر، فقد جرى تتبع عمليات استقبال معاكسة؛ أي قادمة من أجهزة تنصت خارج حدود ليبيا، إلى وحدتي جمع المعلومات الخاصتين في مصراتة وطرابلس.

ولا يعمل برنامج «فلكس سباي» إلا على نوع متقدم من أجهزة التنصت المربوطة بهوائيات قوية، ولديه القدرة على التجسس على رسائل الهواتف النصية، وعلى مراسلات الـ«فايبر» والـ«واتساب»، والبريد الإلكتروني، والاطلاع على قائمة الأرقام الهاتفية المسجلة، وباقي المستندات، وتصوير الموقع الموجود فيه الهاتف عن طريق كاميرا الهاتف نفسه، ويمكنه كذلك اعتراض المكالمات الهاتفية، وفتح سماعة الهاتف والاستماع للأصوات الموجودة في محيطه، وكذلك الحصول على الصور ومقاطع الفيديو المخزنة عليه.

ويبلغ ثمن هذا النوع من الأجهزة نحو 7 ملايين دولار، ويغطي مدى يبلغ مئات الكيلومترات. ولا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق الأجهزة الأمنية التابعة للدول. ويقول المصدر الأمني الليبي إن هذا الجهاز كان يوجد مثيل له لدى مخابرات القذافي، وكان له هوائي طويل مركب فوق سطح مبنى المخابرات في قلب العاصمة، إلا أن القصف الجوي الذي تعرضت له طرابلس في 2011 أدى إلى تدمير كل من المعدة والهوائي. ومنذ ذلك الوقت لم تتمكن مخابرات طرابلس الجديدة من امتلاك جهاز مماثل، وبدا من المستغرب، وفقا للمصدر نفسه، أن تمتلك ميليشيات خارجة عن سلطة الدولة جهازا خطيرا من هذا النوع. ويشير إلى أن عدة مخابرات دولية ممن بدأت في العمل مبكرا ضد القذافي انطلاقا من المنطقة الشرقية من ليبيا في 2011، كانت قد جلبت أجهزة تجسس متقدمة، من بينها جهاز مماثل لما كان لدى مخابرات طرابلس في ذلك الوقت، معربا عن اعتقاده بأن ميليشيات لها أذرع داخل ليبيا وخارجها تمكنت من الاستحواذ على منظومة مراقبة مشابهة لتلك التي كانت موجودة في بنغازي أثناء الحرب ضد القذافي، وعززت ذلك بالتواصل مع سماسرة مشبوهين في البحر المتوسط لشراء العشرات من أجهزة التجسس الأخرى لأغراض مختلفة.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.