• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari
صحة, قصة الغلاف

الاكتئاب… الأزمة الصامتة في الشرق الأوسط

طقوس خاصة لطرد الجن  من خلال زار في طهران (غيتي)
طقوس خاصة لطرد الجن من خلال زار في طهران (غيتي)

10% من سكان العالم يعانون من اضطرابات نفسية

• دراسة لجامعة كوينزلاند الأسترالية: المنطقة تعاني من أعلى معدل إصابة بالاكتئاب في العالم
• عادة يزور المرضى المعالجين التقليديين أو الدينيين أملا في الشفاء عن طريق طرد الأرواح الشريرة أو التخلص من «العين الحاسدة»

لندن: ياسمين الجريسي

يعاني واحد من كل عشرة أشخاص في العالم من اضطراب نفسي. وفي وقت تجتاح فيه الحروب والصراعات الشرق الأوسط، لا يجب أن تفاجئنا نتيجة دراسة أجراها باحثون في جامعة كوينزلاند في أستراليا بأن المنطقة تعاني من أعلى معدل إصابة بالاكتئاب في العالم.

المجتمعات الشرق أوسطية

وجمع باحثون آخرون أيضا أدلة تشير إلى أن الاضطرابات النفسية تنتشر بقوة داخل المجتمعات الشرق أوسطية وأنها تكلف المصابين في المنطقة أعواما من أعمارهم.
لا تحتل الصحة النفسية أولوية كبرى في الشرق الأوسط، ويعني عدم منحها أهمية أن الموارد المتاحة نادرا ما تتحول إلى سياسات أو تخطيط للعمل على مستوى شعبي من جهة الحكومات. وبذلك كما يحدث في معظم الحالات الطبية، يعاني كثيرون في البلدان العربية من نقص الدعم والمساعدة. وفي حين بدأت قضايا الصحة النفسية في الغرب تلقى قبولا اجتماعيا أكبر وتفهما أفضل، تمنع وصمة الاضطراب النفسي أحيانا الحديث عن الاكتئاب والأمراض المرتبطة به في الدول العربية. يعني نقص الاهتمام والرعاية الذي تحظى به الصحة النفسية للفرد، داخل مجتمعه أو على نطاق أوسع داخل بلاده، أن عددا قليلا من الأشخاص في الشرق الأوسط يسعون إلى المساعدة أو يتلقونها لمواجهة معاناتهم النفسية.

العناية بالصحة النفسية

يتناقض تاريخ العناية بالصحة النفسية في الشرق الأوسط تماما مع ما نراه اليوم في هذه البلدان. من المفيد التعرف على تاريخ المنطقة المبهر في هذا المجال، وكذلك أهميتها التاريخية في رعاية المرضى النفسيين وتفهم مرضهم. أنشئت أول مستشفيات للصحة النفسية في العالم في بغداد في عام 705 ميلادية، وفي القاهرة في 800 ميلادية، وفي دمشق في 1270 ميلادية. كانت تلك المستشفيات تشتهر بأنها آمنة ومريحة، ويذكر أنها كانت تحتوي على مسابح ونوافير ومياه جارية وحدائق زهور. وكان الأطباء يطبقون أنماطا علاجية مثل العلاج المهني والعلاج بالموسيقى. استمرت هذه الممارسات على يد الأطباء في الدولة العثمانية. والملحوظ أيضا في مثل تلك المؤسسات في البلدان العربية قديما، لا سيما إذا ما قارناها بالملاجئ التي ظهرت في أوروبا بعد ذلك بأكثر من 500 عام، أنها كانت تقع دائما في وسط المدن، مما يجعل من السهل على من يحتاجون المساعدة الوصول إليها ويقلل من العزلة المجتمعية للمرضى. كذلك كانت المنطقة العربية متقدمة في الأبحاث التي تناولت الأمراض النفسية. وكان مجلد «القانون في الطب» المكون من 14 جزءا للعالم المسلم ابن سينا (توفي عام 1037م) مستخدما في الغرب لأكثر من 700 عام.

ضعف الاهتمام المخصص لقضايا الصحة النفسية

في الوقت الحالي، يوجد نقص حاد في الموارد البشرية والخدمات والاهتمام المخصص لقضايا الصحة النفسية. ففي منطقة تدمرها الحروب والصراعات، لا بد وأن بها سكانا يعانون عاطفيا ونفسيا. وبالتالي تزداد الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية، بينما لا يزال المعروض في أدنى مستوى ممكن. وتقل الخدمات الصحية عن المعدلات المقبولة، كما أن ست دول من 20 دولة عربية ليس بها تشريع خاص بالصحة النفسية، ولا تضع اثنتان منها سياسة للصحة النفسية. كذلك تظل نسبة الإنفاق على الصحة النفسية من إجمالي نفقات الرعاية الصحية منخفضة للغاية. على سبيل المثال، في بريطانيا تخصص هيئة الخدمات الصحية الوطنية 13 في المائة من ميزانيتها للصحة النفسية، بينما في مصر تم تخصيص 1 في المائة فقط من إجمالي نفقات الصحة على الصحة النفسية. ووفقا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية، لا تزيد نسبة الأطباء في أي دولة عربية على 0.5 طبيب نفسي لكل 10 آلاف شخص، في المقابل في أميركا، يوجد 1.2 طبيب نفسي لكل عشرة آلاف شخص. وفي الدول المعرضة للنزاعات والحروب تبدو الإحصائيات أكثر إثارة للقلق. ذكرت منظمة أطباء بلا حدود أنه يوجد في الوقت الحالي أربعة أطباء نفسيين فقط لكل مليون شخص من سكان العراق، ويوجد عدد أقل من المتخصصين المُدربين في مهن متصلة بمجال الصحة النفسية مثل الاستشارات النفسية.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى ظهور بعض المبادرات الإيجابية في مجال الصحة النفسية في العالم العربي في الأعوام الأخيرة؛ حيث بدأت بعض الدول العربية في الاعتراف بالصحة النفسية كجزء مهم من خطط الرعاية الصحية الوطنية. وبدأ التوجه إلى اللامركزية في تقديم الخدمات النفسية، والتي كانت في السابق تقتصر على عدد قليل من المستشفيات النفسية الكبرى، إذ حلت محلها وحدات نفسية تضم منشآت لرعاية المرضى الداخليين والخارجيين في مستشفيات عامة. وبدأ عدد كبير من الدول في تنظيم برامج تدريبية في الصحة النفسية للممارسين العموم، وغير الأطباء، والطواقم الطبية التي تعمل في تقديم رعاية صحية أولية، وذلك في إطار برامج تعزيز المهارات أثناء العمل. على سبيل المثال، اعترفت قطر بأن الاكتئاب مشكلة سائدة في المجتمع وتعمل على تحسين خدماتها المتعلقة بالصحة النفسية. وتم استحداث قانون جديد يمنح لأول مرة المقيمين الذين يعانون من اضطرابات نفسية حقوقا معينة تتعلق بالعلاج، كما خصصت السلطات أموالا طائلة لافتتاح مراكز علاجية جديدة.

أساليب العلاج

أحد الجوانب الأخرى المهمة في الصحة النفسية في الشرق الأوسط هي التضارب بين التعاليم القديمة والتعامل الحديث مع مسائل الاضطرابات النفسية. يعتمد العديد من المرضى على معالجين تقليديين، ويتم إهدار كثير من الوقت والمال، مما يعني استمرار المعاناة بصورة لا داعي لها قبل اتباع أساليب العلاج العلمية في النهاية، إن حدث. في الإمارات، سعى نحو نصف المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية إلى علاج لدى غير المتخصصين قبل اللجوء إلى مقدمي خدمات متخصصين. يخضع هذا النمط السلوكي في السعي إلى العلاج إلى التأثر بمعتقدات ثقافية تتعلق بمسببات غيبية لأعراض المرض النفسي. عادة يزور المرضى المعالجين التقليديين أو الدينيين أملا في الشفاء عن طريق طرد الأرواح الشريرة أو التخلص من «العين الحاسدة».

في معظم البلدان الشرق أوسطية، لا يوجد تفاعل بين المتخصصين الطبيين والمعالجين التقليديين أو الإسلاميين. قد يُقرِّب نهج تكاملي الفجوة بين العلاج التقليدي وأساليب العلاج الغربية. كانت دراسة بريطانية نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي، والتي تناولت مس الجن والأمراض النفسية، قد أشارت إلى وجوب التشجيع على حوار مفتوح بين السلطات الدينية ومتخصصي الصحة النفسية. يستطيع متخصصو الصحة النفسية تعليم المعالجين الدينيين كيفية إدراك المرض النفسي، ويستطيع المتخصصون الدينيون بدورهم تثقيف المتخصصين الصحيين بشأن أهمية العوامل الدينية في المرض النفسي. ويمكن أن يساعد التعاون بين طريقتي العلاج على تحسين اختيارات العلاج بين سكان المنطقة، خاصة أن أساليب العلاج الطبي تعتمد على نظريات غربية عن المرض النفسي ويطبقها باحثون غربيون وتقوم أدلتها في الغالب على نماذج غربية. وعلى الرغم من أن الأمراض قد تكون متشابهة، فإن مظاهر أي مرض تختلف باختلاف الثقافة التي يظهر فيها.

يواجه الأشخاص الذين يعانون من تجربة المرض النفسي من أضرار النقص الحاد في متخصصي الرعاية النفسية ووصمة المرض وفي كثير من الحالات تجاهل مرضهم والانصراف عنه. «استمر في حياتك»، «تجاهل الأمر»، «كن قويا»، هذه هي الرسائل التي اعتاد الناس سماعها في الثقافة العربية، حيث أحيانا ما يتم تهوين الأمراض غير المرئية. ليس هناك نقص في الوعي وتناقض في هذه المسألة فحسب، بل تتجنب الغالبية العظمى من الناس أيضا النقاش والتعامل مع الأمر كلية.

يشير بحث يتعلق بعلم الأوبئة إلى أن أكثر من نصف الأشخاص الذين قد يستفيدون من خدمات الرعاية النفسية يرفضون الحصول عليها لتجنب وصفهم بـ«المرضى نفسيا». وعلى عكس الأمراض الأخرى، أحيانا ما يرتبط المرض النفسي بالشعور بالخزي الاجتماعي وتشويه السمعة والضعف في العالم العربي. كما كشفت الدراسات أن العرب المقيمين في الولايات المتحدة وبريطانيا يشعرون بمخاوف مشابهة من وصمة المرض النفسي. كذلك من يسعون إلى العلاج أحيانا ما يهتمون بكيفية رؤية الناس لهم إذا انتشرت أخبار عن حالتهم المرضية، ويخشون أيضا الخروج من دائرة القبول الاجتماعي الكامل.

تتميز الروابط الأسرية والمجتمعية بالقوة في الشرق الأوسط، ويمكن لها أن تؤدي دورا إيجابيا من خلال استخدامها كوسيلة دعم اجتماعي بدلا من الضغط الاجتماعي. وبالتالي توجد إمكانية كبيرة في كسر الحواجز المجتمعية. ولكن حتى يحدث ذلك، يجب أن يتغير الأسلوب على مستوى العامة. ويجب أن تبذل الدول العربية المزيد لنشر الوعي حول القضايا النفسية عن طريق تثقيف المجتمع بشأن طبيعة الأمراض النفسية وأعراضها وسبل علاجها.

لا يعد التعامل مع القضايا التي تحيط بها وصمة مجتمعية سهلا أو سريعا دائما. وعلى الرغم من وجود بعض الخطط لمعالجة أوجه القصور في مجال الصحة النفسية والتوعية بها في الشرق الأوسط، فنادرا ما يتم تنفيذها بالكامل. ويجب أن يتم وضع أولوية أكبر لاحتياجات الصحة النفسية الحيوية الخاصة بسكان المنطقة. وسوف يتطلب إحراز التقدم في هذا المجال استخدام أساليب تجمع بين الصحة والتوعية وممارسة ذات حساسية ثقافية. ومن خلال الجمع بين هذه الأساليب والموارد المطلوبة، سوف تتحسن حياة آلاف الأشخاص.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.