ترمب في الرياض... زيارة قصيرة وعناوين كبيرة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

ترمب في الرياض… زيارة قصيرة وعناوين كبيرة

الملك سلمان بن عبد العزيز يرحب بوزير الدفاع الاميركي جيمس ماتيس في الرياض خلال زيارته السعودية في 19 ابريل الماضي (غيتي)

العلاقات السعودية الأميركية: تصحيح المسار ومحورية الدور

الملك سلمان بن عبد العزيز يرحب بوزير الدفاع الاميركي جيمس ماتيس في الرياض خلال زيارته السعودية في 19 ابريل الماضي (غيتي)
الملك سلمان بن عبد العزيز يرحب بوزير الدفاع الاميركي جيمس ماتيس في الرياض خلال زيارته السعودية في 19 ابريل الماضي (غيتي)

ملفات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية… قراءة في زيارة الرئيس الأميركي إلى السعودية

•تعكس القمة الأميركية – العربية – الإسلامية المكانة التي تحظى بها السعودية إقليمياً ودولياً… وتمثل اعترافاً أميركياً بالدور الذي تلعبه المملكة في إعادة تشكيل بنية النظام الدولي
• زيارة ترمب للرياض ثمرة جهد جبار لولي ولي العهد بعد توليه لملف العلاقات السعودية الأميركية وأثمر أول زيارة لرئيس أميركي لدولة عربية إسلامية في أولى جولاته الخارجية
• تعد زيارة الرئيس الأميركي للسعودية نقطة تحوّل مهمة لإعادة النظر في التوجهات التي تبناها ترمب حيال الإسلام والمسلمين
• زيارة ترمب تحمل في طياتها اعترافاً وتأكيداً أميركياً على مكانة السعودية في العالم الإسلامي كنموذج للتمييز بين الإسلام كدين يدعو إلى التعايش السلمي والتطرف الإسلامي الذي تتبناه بعض الجماعات الإرهابية
• التعاون الاقتصادي المشترك والتبادل التجاري والاستثمارات تمثل محاور رئيسية في قمة خادم الحرمين والرئيس الأميركي لتحقيق التنمية للأطراف كافة في ظل «رؤية المملكة 2030»

باكو (جمهورية أذربيجان): أحمد طاهر*

في إطار تحول ملموس في العلاقات السعودية الأميركية ما بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واستكمالا لإزالة آثار حقبة الرئيس السابق باراك أوباما وما شهدته من توترات على خلفية تباين رؤي البلدين بشأن بعض القضايا الإقليمية وخصوصا السياسة الأميركية حيال التدخلات الإيرانية المستمرة في شؤون دول المنطقة والتي شهدت توسعا ما بعد الاتفاق النووي، حملت زيارة الرئيس الأميركي والتي تعد أول جولة خارجية له، منذ توليه سلطاته في يناير (كانون الثاني) 2017 إلى المملكة العربية السعودية كأول دولة في المنطقة وأول دولة عربية، الكثير من المؤشرات، أبرزها:

أولا: تمثل الزيارة خطوة أولى على طريق استعادة التحالف التاريخي الذي جمعهما طيلة عقود من الزمن، إذ تشهد صفحات التاريخ وسجلاته على تقارب سعودي أميركي ممتد منذ ثلاثينات القرن المنصرم، وإن شهد فترات توتر إلا أنه سرعان ما استعاد البلدان علاقتهما، ولعل ما جرى في أواخر عهد الرئيس السابق أوباما وعودة العلاقات بين البلدين لم يخرجا عن النهج الذي اتسم به مسار علاقاتهما. وقياسا بقصر الفترة التي قضاها ترمب في الحكم والتي تتجاوز المائة يوم بقليل، فإن وتيرة تواصل إدارته مع بلدان الخليج تبدو كثيفة بما يوحي بأن هذه الإدارة سعت لتدارك أخطاء الإدارة السابقة. مع الأخذ في الحسبان أن هذه الزيارة هي ثمرة جهد الأمير محمد بن سلمان ولى ولى العهد، كما أشار إلى ذلك وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بقوله: «إن هذه الزيارة ثمرة جهد جبار لولي ولي العهد بتوليه لملف العلاقات، أثمر أول مرة بالتاريخ زيارة أولى لرئيس أميركي لدولة إسلامية».

ثانيا: تعد الزيارة نقطة تحول مهمة لإعادة النظر في التوجهات التي تبناها الرئيس الأميركي ترمب حيال الإسلام والمسلمين، والتي تجلت في منع مواطني عدة دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة، وهو القرار الذي أوقفه القضاء الأميركي في بعض الولايات، إلا أن هذه الزيارة تحمل في طياتها اعترافا وتأكيدا أميركياً على مكانة المملكة في العالم الإسلامي كنموذج للتمييز بين الإسلام كدين يدعو إلى التعايش السلمي، وبين الإسلام المتطرف الذي تتبناه بعض الجماعات الإرهابية التي حاول البعض إلصاق مرجعتيها إلى المملكة العربية السعودية، إذ مثلت هذه الزيارة خطوة غير تقليدية وكسرا للبروتوكول المتبع في البيت الأبيض، حيث يُعد ترمب هو أول رئيس أميركي منذ جيمي كارتر لا يقوم بزيارته الافتتاحية إلى دول الأميركتين، أو أحد حلفاء بلاده في أوروبا، بل جعل السعودية هي المحطة الرئاسية الأولى ليبعث برسالة قوية بأن الولايات المتحدة لا تحمل أي موقف معادٍ تجاه المملكة أو المسلمين بشكل عام.

ثالثا: تعكس القمة العربية والإسلامية التي سيتم عقدها على هامش الزيارة المكانة التي تحظى بها المملكة العربية السعودية إقليميا ودوليا، بل تمثل في الوقت ذاته اعترافا أميركيا آخر بالدور الذي تلعبه المملكة في إعادة تشكيل بنية النظام الدولي عبر تبنى سياسة قائمة على التواصل مع كل الفاعلين الدوليين سواء كانوا دولا أم فاعلين من غير الدول. كذلك دورها في الكثير من الأزمات الإقليمية كما هو الحال في اليمن وسوريا، ودورها المتميز في الحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج في مواجهة التهديدات والتحديات التي تعصف ببعض دولها سواء كانت داخليا أم خارجيا، يدلل على ذلك ما جاء في كلمة الرئيس ترمب عن هذه الزيارة، بقوله: «بكل فخر اليوم، أقدم إعلانا تاريخيا مهما وأخبركم بأن أول زيارة خارجية لي كرئيس للولايات المتحدة ستكون إلى المملكة العربية السعودية».

في ضوء هذه المؤشرات، يمكن قراءة زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المملكة العربية السعودية من خلال عدة محاور تشمل أبرز الملفات والقضايا المطروحة على جدول أعمال الزيارة، وذلك على النحو التالي:

العلاقات السعودية الأميركية… التحالف المستمر

رغم ما أصاب العلاقات السعودية الأميركية من فتور في عهد الرئيس السابق بارك أوباما، فإن زيارة ترمب مثلت تصحيحًا لتلك الأخطاء عبر عودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، إذ يمثل ملف علاقات البلدين محورا رئيسيا من محاور الزيارة عبر اللقاء الذي سيجمع القيادة في البلدين لبحث استكمال الجهود التي بذلها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة في أواخر عام 2016، حيث يشمل جدول الأعمال ثلاثة ملفات رئيسية، وهي:

1-

الملف الأمني، وذلك عبر تعميق التعاون والتنسيق بين الجانبين في مجال محاربة الإرهاب، يما يعطي مؤشرا على دعم الولايات المتحدة للإسلام المعتدل كضرورة للانتصار في الحرب على الإرهاب، وهو ما أكد عليه الرئيس ترمب بقوله: «سنرسي مع السعودية دعائم تحالف جديد ضد التطرف والإرهاب والعنف»، إذ إنه من المنتظر توقيع بعض الاتفاقات في هذا المجال.

2-

الملف العسكري، وذلك عبر إبرام صفقة تسليح بين البلدين تهدف المملكة من ورائها إلى زيادة قدراتها التسليحية في مواجهة المخاطر والتحديات التي تحاك لها من كل جانب، وهو ما كان قد أشار إليه وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بقوله: «اتخذت الإدارة الأميركية خطوات للمضي قدما في بيع قنابل موجهة، كانت الإدارة الأميركية السابقة قد أوقفتها».

3-

الملف الاقتصادى، وذلك عبر التعاون الاقتصادي المشترك والتبادل التجاري والاستثمارات، إذ تمثل محاور رئيسية في تحقيق التنمية للأطراف كافة وخصوصا في ظل «رؤية المملكة 2030». ومما يؤكد على أهمية الجانب الاقتصادي في ملف الزيارة أنه خلال ذات الشهر (مايو/ أيار 2017)، سيعقد المنتدى الاقتصادي الخليجي الأميركي، والذي يهدف إلى تعظيم العلاقات بين الجانبين اقتصاديا وتجاريا واستثماريا، والتعاون في مجالات المقاولات والغاز الطبيعي ونقل التكنولوجيا والتعليم والصحة.

الرئيس الاميركي دونالد ترامب يستقبل الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع في البيت الابيض 14 مارس الماضي (غيتي)
الرئيس الاميركي دونالد ترامب يستقبل الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد ووزير الدفاع في البيت الابيض 14 مارس الماضي (غيتي)

القمة العربية – الإسلامية وتصحيح مسار العلاقات الأميركية العربية

مثلت الزيارة خطوة مهمة على طريق تصحيح مسار العلاقات الأميركية مع العالمين العربي والإسلامي بعد ما شهدته من توترات بسبب التخاذل الأميركي عن مساندة الشعوب العربية والإسلامية في قضاياهم المصيرية وخصوصا قضية محاربة الإرهاب بصورة غير انتقائية أو انتهازية تتفق والمصالح الأميركية على حساب مصالح تلك الشعوب، حيث تأتي القمة العربية الإسلامية – الأميركية التي دعت إليها القيادة السعودية بهدف التأسيس لشراكة جديدة في مواجهة التطرف والإرهاب ونشر قيم التسامح والتعايش المشترك، وتعزيز الأمن والاستقرار والتعاون خدمة لحاضر ومستقبل شعوبها كما تحددت أهدافها في كلمة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في اجتماعه مع مجلس الوزراء السعودي في منتصف مايو 2017.

ولذا، فقد كانت هذه الزيارة بمثابة رسالة واضحة للعالم كافة بأنه يمكن للولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية تكوين شراكة، على حد وصف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وهو ما يفتح أفقا أوسع للتعاون والتبادل بعيدا عن أية صياغات فضفاضة لمسار علاقات الجانبين. إذ إنه ليس صحيحا أن الولايات المتحدة يمكنها الاستغناء عن مجموع الدول المعتدلة في المنطقة التي تتحمل عبء محاربة الإرهاب والقضاء على تنظيماته، كما أنه ليس صحيحا أيضاً أن الدول العربية رغم سعيها لإعادة التوازن في علاقتها الخارجية عبر بناء تحالفات مع أطراف دولية أخرى، يمكن أن يمثل ذلك تراجعا عن العلاقات العربية الأميركية أو على حساب هذه العلاقات، وإنما يعد من الأهمية بمكان أن يدرك الطرفان مدى الأهمية التي يمثلها كل طرف للآخر.

ومن ثم، فالرغبة الأميركية وتحديدا المسعى الذي تبناه ترمب في حملته الانتخابية الرامي لاستعادة الدور الأميركي في العالم، لن يتحقق إلا من خلال استعادة تحالفاتها مع شركائها الاستراتيجيين، وعلى رأسهم البلدان العربية والإسلامية الداعمة للاستقرار في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وهو ما أكد عليه مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال ‏ماكماستر بقوله: «إن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن يبدأ أول زيارة خارجية له بالمملكة ‏العربية السعودية نابع من رغبته في توصيل رسالة سلام ووحدة مع قادة العالم الإسلامي، كما يسعى لحشد الدعم لمكافحة الإرهاب والتطرف». ‏

على الجانب الآخر، ما تواجهه البلدان العربية والإسلامية المنطوية تحت لواء التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، من تحديات وتهديدات داخلية وخارجية لن تستطيع مواجهتها إلا من خلال إعادة رسم مسارات علاقاتها مع القوى العالمية على أسس تحترم سيادتها وتصون حقوق شعوبها في التنمية والاستقرار، من دون أن تحسب على هذا الطرف أو ذاك، وهو ما يتفق مع النهج الذي كان قد أعلنه ترمب فيما سبق بقوله: «إنه ليس من مهمة الولايات المتحدة أن تملي على الآخرين طريقة الحياة التي يجب أن يسلكوها، بل إن الهدف هو بناء ائتلاف من الأصدقاء والشركاء الذين يتقاسمون هدف مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط».

وعليه، فكما هو واضح للجميع أن العالم الآن ليس هو العالم قبل 20 أو 30 عاما، وإنما تغيرت ملامحه كافة، فالتنظيم التقليدي للعلاقات الدولية في الطريق إلى التغير خلال السنوات القليلة القادمة، وهو ما يبرز أهمية إعادة النظر في حجم تحركات هذه الدول ومستوياتها ومساراتها.

إيران والخروقات المستمرة… ضرورة تبني منهج حاسم

من غير مبالغة يمكن القول إنه رغم تعددية القضايا والملفات المطروحة على جدول أعمال الزيارة، فإن ملف التدخلات الإيرانية واختراقاتها المتكررة لدول المنطقة سواء بشكل مباشر كما هو الحال في العراق وسوريا أو غير مباشر عبر وكلائها كما هو الحال في لبنان واليمن والبحرين، سيحظى باهتمام كبير من الجانبين، نظرا لأمرين، هما:

الأول: سعى الإدارة الأميركية الجديدة أن تثبت للجميع قدرتها على استعادة مكانتها الدولية في دوائر تحركاتها الرئيسية ومنها منطقة الشرق الأوسط، ويدلل على ذلك أن هذه الزيارة تأتي قبل المشاركة في قمة حلف الناتو ومجموعة G7، وأن ما جاء في البرنامج الانتخابي للرئيس ترمب بشأن إعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني يمثل نقطة محورية على خريطة تحركات السياسة الخارجية الأميركية، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال استعادة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع حلفائها الخليجيين كونهما من أكثر البلدان تضررا من هذا الاتفاق، وهو ما سيكون محورا رئيسيا في القمة الخليجية الأميركية التي ستعقد على هامش الزيارة، بما يمهد الطريق لوضع حجر الأساس لمحور عربي أميركي لردع طهران وكبح جماح تطلعاتها التوسعية.

أما الأمر الثاني فيتعلق بمصالح الأطراف الخليجية وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي ترى في التدخلات الإيرانية المستمرة تهديدا مباشرا لأمنها القومي وللأمن القومي الخليجي في مجمله، بل وللأمن القومي العربي. وأن ثمة ضرورة ملحة لوضع حد لهذه التدخلات التي تزايدت كثيرا ما بعد الاتفاق النووي والذي اعتبر من وجهة نظر دول الخليج كلمة السر التي اعطتها الإدارة الأميركية السابقة لطهران لتمدد وجودها في المنطقة. ولذا، فتصحيح مسار الاتفاق النووي يمثل خطوة مهمة على سبيل مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، وهو ما كان قد أشار إليه وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس خلال زيارته للرياض في أبريل (نيسان) 2017، وذلك بقوله: «إن علينا التغلب على مساعي إيران لزعزعة استقرار بلد آخر ومنعها من تشكيل ميليشيا أخرى مثل (حزب الله). والنتيجة النهائية هي أننا على الطريق الصحيح لتحقيق ذلك».

زيارة ترمب… إجراءات مطلوبة

نهاية القول إن الزيارة رغم قصر فترتها وتعددية موضوعاتها، فإنها تظل نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات الأميركية العربية. ففي الوقت الذي تمثل فيه أهمية للولايات المتحدة في مسعاها لاستعادة دورها العالمي والحفاظ على مكانتها في الإقليم الذي ظل لفترة طويلة (منذ نهاية الحرب الباردة وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) ساحة مفتوحة لتحركها منفردة، وهو ما يستوجب أن يكون لها دور فاعل في أزمات المنطقة وقضاياها وخصوصا بعد الإخفاقات التي منيت بها الإدارتان الأميركيتان السابقتان (باراك أوباما وجورج بوش الابن) وأدت إلى اختلال استقرار المنطقة وانحسار نفوذها لصالح التغلغل الإيراني والتوسع الروسي، وهو ما ترتب عليه زعزعة ثقة حلفائها من بلدان المنطقة بشأن مدى مصداقية سياساتها في المنطقة ومساندتها لحلفائها الاستراتيجيين، ولعل الحالة اليمنية والسورية يمثلان اختبارين مهمين لمدى مصداقية الإدارة الأميركية بعد التذبذب والتردد الذي اتسمت به إدارة باراك أوباما تجاة الأزمتين، وإذ يؤكد هذا التحول أمرين مهمين: الأول، أن ثمة سياسة خارجية أميركية جديدة وفاعلة في إدارتها لأزمات المنطقة من خلال تبني سياسة واضحة وقوية وثابتة في تحقيق تسويات سياسية لهاتين الأزمتين وفق أسس القرارات الدولية ذات الصلة. أما الأمر الثانى، فيتمثل في أنه يضع حدا للتدخلات الإيرانية في قضايا المنطقة ومحاولاتها المستمرة في خلخلة أمنها واستقرارها.

على الجانب الآخر تمثل الزيارة كذلك نقطة تحول مهمة للبلدان العربية والإسلامية في مواجهة قضاياها المتعددة، وهو ما يستوجب أن يدركوا أمرين مهمين: الأول، أن تصحيح مسار علاقات هذه الدول وتوجهاتها الخارجية ومدى قدرتها على تبني موقف الند من القوى العالمية لموازنة وجودها وحل أزماتها لن يتحقق إلا بالالتفاف حول المملكة العربية السعودية نظرا لمكانتها ومركزتيها الدينية، وهو ما أثبتته الأحداث، ففي ظل التراجع الأميركي والفراغ الاستراتيجي لها في المنطقة وتصاعد أزماتها وتردي أوضاعها، تصدرت القيادة السعودية لمواجهة التحديات وحماية مصالحها والمصالح العربية والإسلامية وإعادة مسار الاستقرار والتنمية للمنطقة، وهو ما تجلى بوضوح في قيادتها للتحالف الإسلامي العسكري الذي اتخذ خطوات جادة في مواجهة التحالف الحوثي المدعوم إيرانيا. أما الأمر الثاني، فيتمثل في ضرورة إعادة ترتيب القضايا المحورية المهمة على جدول أعمال دول المنطقة بشكل أكثر اتفاقا، إذ من الأهمية بمكان إدراك هذه الأطراف أن مشكلاتهم تتعلق بتباين وجهات النظر بشأن التهديدات التي تواجههم. صحيح أن لكل دولة رؤيتها بشأن تهديداتها المباشرة إلا أنه من الصحيح كذلك أن ثمة تهديدات مشتركة تمثل الجانب الأكبر من إجمالي هذه التهديدات يأتي في مقدمتها الإرهاب وتنظيماته. وعليه، فمن المهم أن تتفق الأطراف العربية على تصنيفاتها لهذه التنظيمات بما يضع أمام الرئيس الأميركي قائمة موحدة ومحل اتفاق من البلدان العربية والإسلامية بشأن التنظيمات التي تنطوي تحت لائحة الإرهاب. كذلك الأمر بالنسبة للتهديدات الإيرانية وتدخلاتها في شؤون المنطقة وأوضاعها، الأمر ذاته يمتد أيضاً للممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ورفضها الانصياع لأية ضغوط لاستئناف مفاوضات السلام المتعثرة بسبب تعنتها وممارستها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، وهو ما يتطلب الاستفادة من هذه الزيارة لخلق إطار يحيى مسيرة المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية.

ملخص القول إنه بقدر رمزية هذه الزيارة المُؤكدة على المكانة التي تحظى بها المملكة العربية السعودية في محيطها الإقليمي وبيئتها الدولية، ليس فقط لأنها تسيطر على احتياطي النفط الأكبر في العالم، بل أيضاً بسبب مواقفها الإقليمية والدولية الداعمة للاستقرار والدافعة للتعايش السلمي بين مختلف الشعوب، وهو ما يدلل على النتيجة التي توصلت إليها الإدارة الأميركية إلى أن السعودية هي حليفها العربي الأهم في الشرق الأوسط، بما يستوجب من واشنطن أن تتفهم التوجهات السعودية حيال كثير من القضايا الدولية والإقليمية. إلا أنه في الوقت ذاته، يلقي بعبء كبير من المسؤولية على المملكة في إدارة قضايا وأزمات المنطقة الملتهبة بحنكة ومهارة دبلوماسية شهد بها العالم أجمع في مراحل تاريخية سابقة ليس أبعدها الموقف السعودي الداعم للكثير من البلدان العربية التي شهدت أحداثا عصيبة فيما عرف بـ«الربيع العربي»، إذ مثّل الموقف السعودي علامة بارزة في مساندته لدول الخليج التي واجهت هذه المخاطر كما هو الحال في البحرين وسلطنة عمان، وهو الموقف ذاته الذي تكرر مرتين في دعمها ومؤازرتها للشعب المصري في استعادة أمن دولته واستقرارها، ولا يزال الدور السعودي في اليمن وسوريا مستمرا وداعما للشعبين ضد المجازر التي تُرتكب في حقهما.

* باحث زائر بمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة جمهورية أذربيجان

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.