«جدة... أم الرخا والشدة» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ذاكرة المكان

«جدة… أم الرخا والشدة»

حاضرة البحر

كورنيش جدة - تصوير سلمان مرزوقي
كورنيش جدة – تصوير سلمان مرزوقي

جدة: ميرزا الخويلدي

«حدثني أبي عن جّده أن هذا المكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان كان محطة للمراكب الآيبة التي تحمل أشواق الرجال الذين جاءوا من الغربة بالبخور والعطور وهدايا المحبين…» هذا ما قالته صبية عبرت رصيف البحر بخمارها الأسود، حسبما عبّر عنه عاشق مدينة جدة، الراحل محمد صادق دياب، «الشرق الأوسط»: 27-11-2005.
«جدة… أمّ الرخا والشدّة» تنفّست الحياة يوم هبّ الصيادون من قاع البحر يفتشون عن مرفأ يميلون إليه بأشرعتهم، ويلقون فوقه أجسادهم، قبل آلاف السنين، فكانت جدة… حاضرة البحر التي تقول الحكايات إن أم البشرية «حواء» نزلت إليها من الجنة حين افترق شملها مع أبينا آدم، حيث نزلت حواء إلى جدة، واختار آدم أن يحطّ في بلاد الهند، وظلا يفتشان عن بعضهما حتى التقيا فوق جبل عرفات، وفي جدة دُفنت أمنا حواء… ومن «حواء» اقتبست اسمها «جدة» أي الأم (بفتح الجيم)، ومن جدة بن جرم «شيخ قضاعة» استلفت اسمها مكسوراً أوله، لكنها أخذت من البحر كنيتها في التجلد والعناء، حين يأتي اسمها منطوقاً بالضم في أوله «جدة»… وهي تسمية يميل لها ياقوت الحموي في معجمه.

* * *

«جدة… أمّ الرخا والشدّة» تغرس أقدامها في التاريخ. قيل إن حفرياتها كشفت عن خمسة آلاف عام من عمر الحضارة فوق أرضها، مرّ بها الإسكندر الأكبر بين عامي 323 و356 قبل الميلاد، وسكنها بنو قضاعة بعد انهيار سد مأرب سنة 115 قبل الميلاد. وعلى سواحلها مرّ المحاربون والفرسان، واعتركوا على أرضها؛ من سلاجقة وأيوبيين ومماليك، حتى حكمها العثمانيون. وتعرضت لغارات الأساطيل البرتغالية في القرن السادس عشر ميلادي، ثم لغارات القراصنة الهولنديين في القرن السابع عشر الميلادي. وقد كانت تغري الغزاة وأساطيلهم، ما دفع قانصوه الغوري آخر سلاطين المماليك البرجية (1446 – 1501) لتحصينها بسور يمنع هجمات البرتغاليين عبر البحر الأحمر، وظلّت جدة مسورة حتى أزيل السور في عام 1947.

* * *

«جدة… أمّ الرخا والشدّة» كانت بوابة الدخول إلى مكة، وفي كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» الذي ألفّه الرحّالة محمد بن أحمد المقدسي المعروف بالمقدسي البشاري (947 – 990 ميلادية) فإن جدة كانت «خزانة مكة ومطرح اليمن ومصر». كانت بوابة الدخول والخروج لحضارات قصدت أو خرجت من المدينة المقدسة، قبل الإسلام كانت طريقاً لمرور العبادات الوثنية، وبعد الإسلام كانت سبيلاً لحركة التنوير.
وهي عبر تاريخها «مدينة كثيرة الخيرات مزدهرة بالتجارة باسقة العمران»، حسب وصف الرحالة والفيلسوف الفارسي ناصر خسرو (1004 – 1088).

«جدة… أمّ الرخا والشدّة» تفتح ذراعيها في الماضي والحاضر لكل العالم الآتي بحثاً عن زادٍ روحي نحو مكة والمدينة، أو ملاذٍ ينفض عنه الفقر والغربة. فكانت أحياؤها عنواناً للتآخي، وخصوصا فيما يعرف بجدة القديمة مثل حارة البحر، وحارة الشام، وحارة اليمن، وحارة الكرنتينا التي يقصدها الآتين من أفريقيا.
أما حارة «المظلوم» فقد اقتبست اسمها من حكاية قديمة، تنسب لأحد علماء المدينة المنورة الذي قتله العثمانيون شنقاً، بعد اتهامه بالضلوع في فتنة، واسمه عبد الكريم البرزنجي، وقيل إن دمه صاغ كلمة «مظلوم» التي بقيت اسما للحارة حتى اليوم.

* * *

«جدة… أمّ الرخا والشدّة» لا أحد يعلم تحديداً منذ متى صارت جدة تسمى بـ«أم الرخا والشدة»، لكن ظلّ هذا التعبير راسخاً في الذاكرة الشعبية قروناً طويلة، يرمز لمعاناة السكان في هذه المدينة التي كانت لكل أبنائها أمّاً حنوناً تهب أبناءها الطمأنينة والحنان… وكان هذا التعبير – رغم مجازيته – صارخاً في الشعور العميق بالانتماء إلى الحضن الدافئ للمدينة التي لا تفرط في أبنائها في شدة أو رخاء.
«جدة… أمّ الرخا والشدّة» هو أيضاً عنوان دراسة قيمة لاثنين من الباحثين، هما: الدكتورة ثريا التركي، أستاذة علم الأنثروبولوجيا في الجامعة الأميركية في القاهرة، والدكتور أبو بكر باقادر، أستاذ الاجتماع في جامعة الملك سعود، وشارك في تأليفه الدكتورة آمال طنطاوي، وصدر في عام 2006، والكتاب عبارة عن دراسة استطلاعية وتحليلية لسيرة التحولات الاجتماعية في المدينة، وتأثير التحولات الاقتصادية والسياسية على الحياة الاجتماعية. هو يتصل بمشروع بحثي آخر قامت به المؤلفة الدكتورة ثريا التركي، بالاشتراك مع الدكتور دونالد كول، في كتابها الذي سبق هذه الدراسة، وتناولت دراسة التحولات الاجتماعية في مدينة عنيزة بمنطقة القصيم وسط السعودية (دراسة أنثربولوجية)، وحمل الكتاب عنوان: «عنيزة، التنمية والتغيير في مدينة نجدية عربية»، وصدر عام 1987م.

* * *

«جدة… أمّ الرخا والشدّة» كانت أكثر من مدينة تزينها الأضواء، وتلونها مباهج المدنية الحديثة، كانت تعّبر عن علاقة عميقة تربطها بأبنائها، مثلاً.. الراحل محمد صادق دياب، كان يتعامل مع محبوبته «جدة» كمعشوقة حسناء، قال عنها في روايته «مقام حجاز»: «أنا المدينة الأُنثى، على أرضي هبطت حواء من السماء فكنتُ مسرحاً لحياتها، وحضناً لرفاتها، أنا جدة بكل حركات الجيم، إذا فتحته كنتُ جدة المُدن والناس، وإذا كسرته كنت حداثة الحياة، وإذا ضممته كنت جارة البحر، على هضابي توالت كتائب المظلومين عبر التاريخ (…) هلك الظالمون، وظل المظلومون أحياء بيننا، ترمّدت عظام القتلة ونعمت أرواح الضحايا بالوجود، والمُدن كائنات تصمت، ولكنها لا تنسى، وعلى هذه الصفحات بعض ما فاض من إناء الغليان. التوقيع: جدة».

مهرجان جدة
Previous ArticleNext Article
كاتب سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.