موسكو تمنح جواز السفر الروسي لمواطنين بـدول مجاورة و«محتلة» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية

موسكو تمنح جواز السفر الروسي لمواطنين بـدول مجاورة و«محتلة»

عسكري من جمهورية دونيتسك الشعبية يتلقى جواز سفر روسي من مكتب إصدار جوازات السفر بمنطقة باديونوفسكي في دونيتسك فبراير الماضي(غيتي)

تسخدمه كأداة قوة ناعمة لتعزيز مصالحها وتبرير تدخلها في شؤون دول أخرى

عسكري من جمهورية دونيتسك الشعبية يتلقى جواز سفر روسي من مكتب إصدار جوازات  السفر بمنطقة باديونوفسكي في دونيتسك فبراير الماضي(غيتي)
عسكري من جمهورية دونيتسك الشعبية يتلقى جواز سفر روسي من مكتب إصدار جوازات السفر بمنطقة باديونوفسكي في دونيتسك فبراير الماضي(غيتي)

•ديناميكية منح الجنسية الروسية لأفراد يقيمون في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بجورجيا يوصف بأنه عملية غير قانونية مخططة و جزء من سعي روسيا الزاحف لضم هاتين المنطقتين
•منذ نحو 15 عاماً قامت موسكو بتبسيط قوانينها الخاصة بالجنسية وجعلت من السهل للغاية على الروس الذين «لا دولة لهم» الحصول على الجنسية الروسية دون الذهاب إلى روسيا من أجل الحصول عليها
•تعني كلمة «باسبورتزاتسيا» بالروسية«إدخال نظام جواز السفر إلى السكان» أو «تنفيذ عملية قيد»
استخدمت روسيا سياسة منح جواز السفر الروسي لتبرير تدخلها في شؤون دول أخرى، ومن المرجح أن تستمر في استخدامها. وتعني كلمة «باسبورتزاتسيا» بالروسية: «إدخال نظام جواز السفر إلى السكان» أو «تنفيذ عملية قيد».

سانت بطرسبرغ : مايا أوتاراشفيلي*

يقدم الصحافي الروسي البارز أنطون أوريخ تعريفا بارعا للمصطلح بأنه «بكتيريا خطيرة». ووصف أوريخ، وهو من معارضي حكومة بوتين، عملية منح جواز السفر الروسي بأنه توجه خطير يمكن أن يستخدم من أجل تبرير نزاعات عسكرية، إذ تشعر روسيا بأن لها الحق في حماية السلامة المادية لمواطنيها في الداخل والخارج.

وإذا كانت هناك مناطق حبيسة في بعض الدول تعيش بها مجموعات كبيرة من حاملي جواز السفر الروسي (على سبيل المثال أوسيتيا الجنوبية)، فقد تتجرأ روسيا لشن تدخلات عسكرية إذا اعتقدت أن هذه المجموعات التي تحمل جواز السفر الروسي معرضة لخطر مادي. كان ذلك المنطق هو المبرر الذي استخدمته روسيا لخوض الحرب ضد جورجيا في عام 2008. انتهت تلك الحرب بإثارة خلاف حول مشروعية التدخل العسكري، وأبرزت قضايا مثل حقيقة أن الكثير من حاملي جواز السفر الروسي يقيمون في دول أوروبية مثل إستونيا ولاتفيا. ويتمثل أكثر احتمال يثير القلق في استخدام روسيا للمبرر ذاته للاعتداء على هاتين الدولتين العضوتين في الناتو، والذي سيؤدي حتما إلى تصعيد عسكري واسع النطاق في المنطقة.

لذلك يعد منح جواز السفر أداة قوة ناعمة تستغلها روسيا في «الخارج الأدنى» منذ أعوام، ولكن هل من الممكن لدول أخرى استخدام الأداة ذاتها ضد المصالح الروسية، أو لتعزيز مصالحها الخاصة؟ فتحت سياسة الاتحاد الأوروبي لتحرير التأشيرة باتجاه الشرق الاحتمالات أمام دول مثل جورجيا وأوكرانيا، والتي تعد أراضيها الهدف الأول لسياسة منح جواز السفر الروسية.

كيف تعمل سياسة منح جواز السفر الروسي؟

في الإصدارات المعاصرة، يميل مصطلح «منح جواز السفر» إلى الظهور غالبا فيما يتصل بالعلاقات الروسية مع جورجيا وأوكرانيا. يذكر تقرير صدر عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عام 2010 عن حقوق الإنسان في «الأراضي المحتلة»( ) في جورجيا مصطلح «منح جواز السفر» قسرا في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية:

«إن عملية وديناميكية منح الجنسية الروسية لأفراد يقيمون في الأراضي المحتلة في جورجيا، إقليم تسخينفالي/ أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، يمكن أن يوصف بأنه عملية غير قانونية لمنح جوازات سفر للسكان المقيمين في هاتين المنطقتين في جورجيا، وأنها مخططة ومنفذة كجزء من سعي روسيا الزاحف لضم هاتين المنطقتين».

بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، تمت صياغة قانون المواطنة الروسي بحيث يناسب الظروف غير العادية الخاصة بالروس المقيمين على الدوام خارج حدود روسيا بعد الاتحاد السوفياتي. كان هؤلاء الأفراد قد تُركوا بلا دولة، وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي بينما يُعرفون بأنهم روس فقد اتضح أنهم يعيشون في دول أصبحت الآن أعضاء سابقين في الاتحاد السوفياتي، وتعد الآن «خارج» روسيا. ولكن كانت عملية الحصول على الجنسية الروسية صعبة للغاية لدرجة أن كثيرا من الروس المقيمين في الخارج ظلوا دون جنسية تماما (يقيم كثير من الأفراد الذي مروا بهذا المأزق في لاتفيا وإستونيا، بالإضافة إلى دول شيوعية سابقة أخرى).
ولكن بعد عام 2002، قامت روسيا بتبسيط قوانينها الخاصة بالجنسية، وجعلت من السهل للغاية على الروس الذين «لا دولة لهم» الحصول على الجنسية الروسية دون الذهاب إلى روسيا من أجل الحصول عليها، ودون أن يتطلب الأمر الإقامة الفعلية في روسيا. ووفقا لبيتر روديك، خبير القانون الأجنبي في مكتبة الكونغرس، تم تبسيط عملية التقديم لمن يعيشون في منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية (وتعرفان أيضاً بدولتي الأمر الواقع اللتين تدعمهما روسيا، أو منطقتي صراع مجمد).

«ويستطيع الأشخاص تقديم الطلبات حتى دون مغادرة منازلهم، لأن المنظمات غير الحكومية الوطنية الروسية التي على صلات وثيقة مع الجهات الرسمية الروسية تأخذ أوراق الأوسيتيين الجنوبيين إلى مدينة روسية قريبة لاستكمال الإجراءات. وتذكر تقارير أنه بعد هذه اللوائح، استغل ما يصل إلى 90 في المائة من سكان أوسيتيا الجنوبية الذين يبلغ تعدادهم ما يقارب 100 ألف شخص هذه الفرصة للحصول على الجنسية الروسية، بالإضافة إلى مجموعة خاصة من جوازات السفر الروسية المخصصة للصدور في أوسيتيا الجنوبية».

من المهم ملاحظة أن الأفراد الذين حصلوا على جوازات السفر الروسية ليسوا جميعا من أصول روسية، ويتردد أن سياسة منح جوازات السفر في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية تستهدف خصيصا السكان من غير الروس.

وبالتالي منذ مطلع الألفية، بدأ القادة الجورجيون والأوكرانيون في استخدام مصطلح «منح جوازات السفر» على نطاق واسع. وهو ما اكتسب شعبية بعد حرب روسيا وجورجيا في عام 2008. وقد ظهر المصطلح أيضاً في الإعلام العام الناطق بالإنجليزية مثل مقالات بول غلوب في «نيويورك تايمز». وقد ذكر أحد تلك المقالات من عام 2008 تصريحا نقلا عن وزير الخارجية الأوكراني آنذاك يعرب فيه عن مخاوف من عملية منح روسيا لجوازات السفر في القرم: «ليس من المفاجئ أن الكثير من قادة الدول المجاورة لروسيا بدأوا في التساؤل عما إذا كانت موسكو قد تستخدم تلك الاستراتيجة الخاصة بجوازات السفر ضدهم. على سبيل المثال حذرت وزارة الخارجية مرارا من أن (عملية منح جوازات السفر الروسية في القرم تمضي قدما)».

في الوقت الحالي لا توجد إحصائيات دقيقة متاحة تحديدا عن أعداد الأوكرانيين (في القرم والآن في دونباس) والأبخازيين والأوسيتيين الجنوبيين الذين يحملون جوازات سفر روسية. ووفقا لوزارة الخارجية الروسية، بحلول عام 2015، كانت قد أصدرت ما يزيد على 31 ألف جواز سفر لسكان أوسيتيا الجنوبية( ). يجب ملاحظة أن هذه الجوازات تمنح جنسية روسية كاملة لهؤلاء السكان، وتسمح لهم بالتصويت في الانتخابات الروسية، بالإضافة إلى المشاركة في نظام الرخاء الاجتماعي الروسي (أي الحصول على معاشات ورعاية صحية روسية).

منح جوازات السفر لإعادة فتح الحوار؟

في الوقت الحالي، يقدم الاتحاد الأوروبي تأشيرة حرة لجورجيا، ويعمل على تفعيل اتفاق مشابه مع أوكرانيا، ومن المهم تحديد موقع المناطق الانفصالية في هذه الدول من المعادلة. هل سيستفيد سكان القرم وأبخازيا وجنوب أوسيتيا من التكامل الأوروبي لأوكرانيا وجورجيا؟ وإن حدث، فكيف سيكون؟
على سبيل المثال، تحاول الحكومة الجورجية الآن استخدام منح جواز السفر كوسيلة لرسم مسار جديد نحو المصالحة مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وأعلنت أنها ستمنح جوازات إلكترونية جورجية للأبخازيين والأوسيتيين الجنوبيين حتى يتمكنوا أيضاً من التمتع بمزايا التأشيرة الحرة لأوروبا. من الناحية النظرية، تملك الحكومة الجورجية اليد العليا في هذا الموقف، فإذا قبل هؤلاء الأفراد جوازات السفر الجورجية لأجل الدخول إلى أوروبا، سيكون عليهم التخلي عن جوازات سفرهم الروسية. وفي الوقت الحالي، تمنع الحكومات الأوروبية إصدار تأشيرات «شينغن» لمن «يحملون جواز سفر روسي ممن يقيمون في المناطق التي تحتلها روسيا، بما فيها أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، بالإضافة إلى شبه جزيرة القرم في أوكرانيا». وبالضرورة يستطيع هؤلاء الأفراد إما الدخول إلى أوروبا أو روسيا فقط، وليس الاثنتين. وقد يحصلون على تأشيرة «شينغن» الأوروبية بالحصول أولا على جوازات السفر الجورجية أو الأوكرانية من أجل التمتع بتأشيرة حرة (في حالة جورجيا). وإذا قررت جورجيا وأوكرانيا البدء في حملة كبرى لتقديم جوازات السفر لسكان هذه الأراضي المتنازع عليها، وروجتا كما ينبغي لمزايا التأشيرة الحرة فقد يمتلكان سلاحا مضادا لسياسة منح جواز السفر الروسية.

سيعتمد نجاح هذا الاحتمال على عدة عوامل. وسيكون على هاتين الحكومتين التعامل مع عملية منح جواز السفر بسلاسة ودبلوماسية. ويجب أن تبحثا عن وسيلة سلمية ومشجعة لتقديم خدمة منح جوازات السفر للجمهور، وجعل العملية خالية من الصعوبات. حتى الآن قدمت جورجيا عملا نموذجيا بإصلاح مكاتب خدماتها العامة، وأوكرانيا في طريقها أيضاً إلى تحقيق الأمر ذاته. علاوة على ذلك، يجب أن يتم تنفيذ اتفاق تحرير تأشيرة الاتحاد الأوروبي دون أي مشكلات، ويجب أن يحقق منافع متبادلة للأطراف المعنية، لذلك تصبح إمكانية الحصول على فرصة أكبر للوصول إلى الغرب عبر علاقات وطيدة مع الاتحاد الأوروبي حافزا كبيرا للمناطق الانفصالية لإعادة فتح الحوار. في الوقت الراهن، حرية الدخول إلى روسيا هي الحافز الأكبر الذي يُبقي سكان المناطق الانفصالية مدفوعين إما بالرغبة في الانضمام إلى روسيا أو العيش تحت «حمايتها». كانت روسيا تضخ مبالغ مالية طائلة إلى هذه المناطق في صورة مساعدات عسكرية وتنموية وقروض، بالإضافة إلى جميع المزايا التي يحصل عليها المواطن الروسي من الدولة: يعني ذلك لحاملي جواز السفر الروسي رعاية صحية تمولها الحكومة ومعاشات بالإضافة إلى فرص السفر إلى روسيا والعمل والدراسة بها. ويمكن القول إن هذه المزايا أكثر تحفيزا من تلك التي تستطيع الحكومتان الجورجية والأوكرانية تقديمها في اللحظة الراهنة. وهكذا إذا تراجع تمويل روسيا لدولتي الأمر الواقع، بسبب افتقار روسيا للموارد (ويذكر أن الناتج المحلي الإجمالي الروسي قد بدأ لتوه في استعادة نموه الإيجابي لأول مرة منذ الركود الأخير)، قد يساعد ذلك على التخلص من البديل المغري أمام التغريب والذي يتمثل في نظام الرخاء الروسي والمساعدات التنموية.

وهكذا يجب على جورجيا وأوكرانيا أن تخوضا طريقاً طويلا قبل أن تنجحا في نسخ أو تقليد سياسة منح جواز السفر الروسية، ولكنها أداة قوة ناعمة تدرسانها بجدية. وهي طريقة أخرى يمكن أن تؤدي سياسة الاتحاد الأوروبي بتحرير التأشيرة من خلالها دوراً مهماً في تحقيق السلام في أوروبا الشرقية.

*ملحوظة: تستخدم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مصطلح «الأراضي المحتلة» (أي التي تحتلها روسيا) عند الإشارة إلى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وأحيانا ما يستخدمه باحثون ومنظمات بالتبادل مع «جمهوريتي الأمر الواقع» أو «المنطقتين الانفصاليتين». ولكل من هذه المصطلحات تعريف مختلف، وبالتالي يمكن أن يكون مربكا (من الواضح أن هناك اختلافاً كبيراً بين كونها محتلة أو انفصالية). وينطبق الأمر ذاته على حكومتي هذه الأراضي؛ «حكومتين عميلتين» (كما يستخدم في تقرير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا)، و«حكومتين معلنتين ذاتياً» و«حكومتي الأمر الواقع». وتظهر جميعها في إصدارات مختلفة بشأن أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا. في عام 2008، مرر البرلمان الجورجي قرارا يعلن رسميا أن أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا أراض تحتلها روسيا. وأطلق حملة لحشد تأييد المجتمع الدولي في وصفهما بأنهما «محتلتان من روسيا». ويتردد المجتمع الدولي في استخدام هذه التسمية الجديدة. وتشير معظم إصدارات الاتحاد الأوروبي إلى هاتين المنطقتين بأنهما «منطقتا نزاع مجمد» و«منطقتان انفصاليتان» وليستا «أرضاً محتلة».
* وفقاً لتعداد سكاني أجري في عام 2015 وأصدرته الحكومة في أوسيتيا الجنوبية، يقيم بها حالياً 53,532 شخصاً.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.