• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

الانتخابات البريطانية… معركة حامية غير مضمونة

لماذا تدهور وضع «المحافظين» بعد إعلان البرنامج الانتخابي؟

متظاهرون  يرفعون لافتات مناهضة لحزب المحافظين والمعارضة في هاليفاكس  شمال انجلترا 18 مايو 2017 بعد كشف  تيريزا ماي  عن نيتها بالقضاء على الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي (غيتي)
متظاهرون يرفعون لافتات مناهضة لحزب المحافظين والمعارضة في هاليفاكس شمال انجلترا 18 مايو 2017 بعد كشف تيريزا ماي عن نيتها بالقضاء على الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي (غيتي)

•افتقر المحافظون للشفافية بعد إصدارهم مقترح «ضرائب الخرف» الذي يرغم المسنين على دفع مبالغ طائلة من ممتلكاتهم غير المنقولة للدولة مقابل الرعاية الصحية
•يعتقد بعض الباحثين أن «هجوم مانشستر الإرهابي سيتلاشى على الأرجح من أذهان الناخب البريطاني قبل أن يقوم بالتصويت».
•مع أن نصر المحافظين ما زال محتملاً جدًا، فلن يكون بالنصر الكاسح الذي توقعته تيريزا ماي في البداية

لندن – جود الحلواني

قبل نحو شهرين، وخلال زيارة إلى سنودونيا في ويلز، أقدمت تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا على اتخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة في البلاد. وهو القرار الذي فاجأ الجميع. خصوصاً بعدما أكدت ماي مراراً أن الانتخابات لن تجرى قبل عام 2020. ولتبرير التحول الجذري في قرارها، وليس الأخير في سلسلة المفاجآت، قالت ماي إن الانتخابات ضرورية لإنهاء حالة الانقسام تحت قبة البرلمان. وقالت إنها تأمل بتوحيد هيئة صنع القرار قبيل محادثات الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

وتوقع حزب المحافظين انتصاراً كبيراً نظراً إلى تنبؤات استطلاعات الرأي، لكن الشهرين الأخيرين لم يكونا سهلين على ماي بتاتاً. وتحولت ثقة ماي شبه العمياء إلى حالة من التوتر والتساؤل عما إذا كان قرارها «الطائش» قد ينقلب عليها. وبدأت أحوال المحافظين بالتدهور لحظة إعلانهم عن برنامجهم الانتخابي الذي افتقر إلى خطة تفصيلية للإنفاق ومصادر تمويل مقترحاتهم. وأشعل ذلك وابلاً من التساؤلات في الإعلام البريطاني، خصوصاً في جانب الإنفاق الاجتماعي. وأصبح المحافظون عرضة للانتقادات التي رجحت أن برنامجهم الذي افتقر إلى التفصيل أو الشرح لكيفية تطبيقه، سيؤذي الملايين من المواطنين.

عطاءات الوقود للتدفئة

فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق بعطاءات الوقود للتدفئة خلال فصل الشتاء، أشار الخبراء إلى أن مقترح المحافظين بتوزيع تلك العطاءات بناءً على قياس معدل الدخل لن يكون بالمستطاع تطبيقه إلا إذا تم تضييق الضمانات المادية الحكومية الأخرى التي يتسلمها المتقاعدون، وإن لم يتم ذلك التقليص، ستؤول المقترحات المطبقة إلى ترتيب نفقات إدارية ضخمة مما سيهدر أي نوع من الادخار الذي اقترحه العمال. والى جانب ذلك، فإن توزيع العطاءات من خلال برنامج قياس الدخل المعيشي سيعني أن 5 من كل 6 متقاعدين في بريطانيا – ما يساوي 10 ملايين متقاعد – لن يتلقوا شيئاً.

بدورهم، دافع المحافظون عن خطتهم وقالوا إنهم سيتفادون السيناريو المذكور أعلاه من خلال ابتكار آلية جديدة لقياس معدلات الدخل لإدماج المزيد من المتقاعدين، لكنهم لم يوضحوا تفاصيل تلك الآلية، ولجأوا إلى إصدار مسودة للقوانين الجديدة بورقة خضراء، وأعلنوا أنهم سيكشفون تفاصيلها بعد فوزهم بالانتخابات.

ضبابية مقترحات المحافظين أثارت شكوك الناخبين وتساءلوا عن نيات الحزب اليميني الحقيقية. وتضاعف افتقار شفافية المحافظين بعد إصدارهم مقترح «ضرائب الخرف» الذي يرغم المسنين الذين بحاجة إلى عناية على دفع مبالغ طائلة من ممتلكاتهم غير المنقولة للدولة مقابل تلك الرعاية.

ضريبة الخرف

وفي الحقيقة قام حزب العمال المعارض بتسمية المقترح بـ«ضريبة الخرف» لأن المصابين بالأمراض المزمنة سيكونون الأكثر عرضة للتأذي منه.
وفي أعقاب غضب الشارع جراء ذلك المقترح، سرعان ما أثار إعلان جديد من ماي جدلاً أوسع عندما أكدت أن ذلك المقترح سيصاحبه سقف أعلى للمبالغ التي سيضطر المسنون إلى إنفاقها مقابل تلقي الرعاية الصحية.

وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يلغي أو يعدل فيها زعيم حزب تيريزا ماي في بريطانيا بنداً رئيسياً من البرنامج الانتخابي خلال الحملة الانتخابية. وحتى أثناء إعلانها، لم تتطرق ماي إلى التفاصيل حول كيفية تطبيق هذا السقف الأعلى. والتغيير المفاجئ هذا شكك في قيادة ماي «القوية والمتزنة» التي تدور حولها جميع أهداف حملتها الانتخابية.

متظاهرون  يرفعون لافتات مناهضة لحزب المحافظين والمعارضة في هاليفاكس  شمال انجلترا 18 مايو 2017 بعد كشف  تيريزا ماي  عن نيتها بالقضاء على الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي (غيتي)
متظاهرون يرفعون لافتات مناهضة لحزب المحافظين والمعارضة في هاليفاكس شمال انجلترا 18 مايو 2017 بعد كشف تيريزا ماي عن نيتها بالقضاء على الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي (غيتي)

مستقبل الرعاية

من جانبها، قالت باربرا كيلي، وزيرة الرعاية الاجتماعية في حكومة الظل العمالية إن «ما يحتاجه المواطنون هو الوضوح واليقين ليتأكدوا من أن احتياجاتهم المستقبلية ستكون متوفرة لهم». وأضافت: «ما يوفره المحافظون اليوم هو عبارة عن فوضى وضبابية وتضارب في الرؤى حول مستقبل الرعاية في هذه البلاد». واستطردت: «أراد المحافظون الحد من تكاليف الرعاية في أبريل (نيسان) 2016، ومجدداً في أبريل 2020، واليوم يتكلمون عن ورقة خضراء، ما أعتبره تكتيكاً تعطيلياً آخر». وفي غضون ذلك، وجه أعضاء حزب الديمقراطيين الأحرار، انتقادات لحزب المحافظين أيضاً، وقالوا إن برنامجهم الانتخابي يمثل «انهياراً». وللرد، قالت ماي للصحافيين: «لم يتغير شيء، ما زلنا على نفس الأساسيات والسياسات». لكنها قوبلت بالاستياء والتشاؤم.

وبالإضافة إلى ذلك، ازداد الاستياء عندما قدمت ماي مقترحاً لإعادة السماح بصيد الثعالب في المملكة المتحدة، الأمر الذي قوبل بانتقاد واسع من جمعيات الرفق بالحيوان في بريطانيا. ووسط زوبعة الانتقادات، أصدر حزب العمال المعارض برنامجه الانتخابي الذي كان أكثر وضوحاً وتفصيلا من برنامج المحافظين، واعتبرته بعض الصحف المحلية البرنامج العمالي الأكثر تكاملا في تاريخ الحزب الحديث. ما أكد أنهم جاهزون لمنافسة المحافظين بقوة في الانتخابات. ووفر البرنامج الانتخابي خططاً وحلولاً لتفادي التقشف الذي بات البريطانيون يشكون منه. ويحاول البرنامج أيضاً إعادة إحياء مبادرات ظن البعض أنها «انقرضت» أو أنها يسارية بشدة وتفتقر إلى تطبيقات واقعية؛ مثل تأميم السكك الحديدية وشركات الطاقة والكهرباء. ويقدم البرنامج أيضاً مقترحات تحت مظلة السياسات الاشتراكية الديمقراطية التي ترمي إلى توفير خدمات لائقة للعموم إلى جانب سد الفجوة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

التأمين الصحي المجاني

وبتوسيع حدود السياسات في بريطانيا، يعد حزب العمال في برنامجه تأميماً واسعاً وزيادة إنفاق على الخدمة الصحية الوطنية (التأمين الصحي المجاني الحكومي في بريطانيا)، وإلغاء أقساط الجامعات للطلاب ورفع الضرائب على أصحاب الدخل العالي والحد من التفاوت بالرواتب بين القطاعين الحكومي والخاص. وقد يكون برنامج «العمال» أكثر جاذبية لعامة الشعب خصوصاً أنه يستهدف قضايا مثل التعليم التي تخاطب العائلات التي تحوي أطفالاً وشباباً.

ومع ذلك، فإن حزب العمال وبرنامجه الانتخابي كان عرضة للانتقاد من قبل وسائل الإعلام؛ فقد ذكرت صحيفة «ذا إندبندنت» أنه على الرغم من أنه لدى جيرمي كوربن «مجموعة من الأفكار العملية» لتحسين مستويات المعيشة بالنسبة لغالبية البريطانيين، فإنه لا يعير اهتماماً لما يتعلق بـ«المخاوف الحقيقية للناخبين البريطانيين» في مقابل ماي التي «أخذت المخاوف بعين الاعتبار عند صياغتها لسياساتها». وفيما يتعلق بالبرنامج الانتخابي لحزب العمال، فقد ادعت صحيفة «الغارديان» أن «ضعف كوربن يكمن في أنه لا يفعل الكثير لجعل أفكاره تبدو واقعية وعملية». وفي الوقت نفسه، تحذر بعض الصحف من احتمال أن البرنامج الانتخابي الجذاب سيبقى على رف يجمع الغبار بعد 8 يونيو (حزيران) «وتدعي» أن أخطاء كوربن والانقسامات في الحزب هي نكسات حقيقية. وبالمثل، فقد وصفت صحيفة «تلغراف» البرنامج الانتخابي لحزب العمال بـ«أجندة اشتراكية» وتتهم كوربن بأخذ بريطانيا «مرة أخرى إلى السبعينات».

ومن الممكن ملاحظة أثر البرنامج الانتخابي العمالي على مجريات الحملات الانتخابية من خلال عدة استطلاعات للرأي أشارت إلى أن الفجوة بين مؤيدي المحافظين والعمال قد تقلصت بمقدار النصف منذ إصدار البرنامجين الانتخابيين. وأثار ذلك قلق المحافظين خصوصاً بعدما أشار استطلاع رأي لموقع «يوغوف» إلى أن الفجوة بين الحزبين أصبحت مجرد خمس نقاط مقارنة بـ24 نقطة في السابق. وتزامن الخبر المقلق هذا مع قبول صادم لزعيم حزب العمال جيرمي كوربن الذي سبق وكان شخصية جدلية غير متوافق عليها حتى بين أعضاء حزبه المعارض. إلى ذلك قال مات زرب-كزن، المؤيد لحزب العمال والمتحدث السابق باسم جيرمي كوربن، إن موقع «يوغوف» بيّن أن السياسات الفضلى لحزب العمال تعتبر جاذبةً أكثر، مقارنةً بالسياسات الدنيا لحزب المحافظين.

لكن، ومع عودة واعدة لحزب العمال وصعوده في استطلاعات الرأي، وقع هجوم مانشستر الإرهابي. وتبعاً لذلك، أصبح الحوار الوطني يسير بعيداً عن موضوع السياسة الاجتماعية للسيدة ماي. وفي سياقٍ متصل، أثارت السيدة دبي هيكس، مسؤولة في حزب العمال في سترود، الجدل حين صرحت بأنها «لا تعتقد أن هجوم مانشستر الإرهابي حدث في وقت ملائم للسيدة ماي». لكن السيدة هيكس كانت تعرب عن افتراضٍ واسع النطاق في أوساط نشطاء حزب العمال وحزب المحافظين بأن فظائع هجوم مانشستر الإرهابي ستصب في صالح السيادة ماي نظراً لكونها وزيرة الداخلية لمدة 6 سنوات قبل تبؤها لمنصب رئيسة الوزراء والانطباع السائد لدى الناخب البريطاني بأنها على دراية بحيثيات الأمن، وحفظ النظام، ومواجهة الإرهاب.

وصرح تيم بيل، الأستاذ في السياسة في جامعة كوين ماري في لندن بأن الهجوم «تغير عن الطريقة الدارجة بشكل كبير، على الأقل لمهلة معينة». وأضاف بأن الهجوم «سيصب في صالح رئيسة الوزراء الحالية، خصوصاً وأنها كانت مسؤولة، في عملها السابق، عن الأمن».

وقال ستيف فيلدنغ، الأستاذ في التاريخ السياسي بجامعة نوتنغهام، إن «الأمن سيكون أكثر حضوراً في أذهان الناخب البريطاني». وأضاف: «إننا لا نعلم كم سيكون (الهجوم) محورياً على المدى الطويل، لكنه سيكون في طليعة المواضيع المهمة في الحوار الانتخابي».

ومع ذلك، يعتقد توني ترافرز، بروفسور في قسم السياسة بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن «هجوم مانشستر الإرهابي سيتلاشى على الأرجح من أذهان الناخب البريطاني قبل أن يقوم بالتصويت». وأضاف أن «الاتجاهات الكامنة – والتي تحدد نتائج العملية الانتخابية – تتبلور في عدة سنوات ولا تتأثر عادةً بما يجري في الحملات الانتخابية».

وقد اتفق بيل مع ترافرز حيث أشار إلى أن جريمة قتل النائبة جو كوكس، المناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والتي حدثت قبل الاستفتاء، لم تغير بشكل جذري نتيجة التصويت خلافاً للتوقعات السائدة حينها. وأضاف بيل أنه «من السهل أن ترى أن مثل تلك الحوادث تغير من قواعد اللعبة، لكنها قلما تقوم بذلك، نظراً – وللأسف الشديد – لأنها أكثر شيوعاً من قبل».

بالفعل، أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن أداء حزب العمال في تحسّنٍ مستمر وأن الحزب يقترب من سد الجوة بينه وبين حزب المحافظين على الرغم من الهجوم الأخير. لكن، وإن كان التاريخ قد أظهر لنا شيئاً، فهو أن استطلاعات الرأي متقلبة ولا يمكن أن نأخذ بنتائجها بحتمية مطلقة. حتى وإن أردنا أن ننظر لتلك الاستطلاعات بجدية، لا يمكننا أن نستبعد حدوث نصر كاسح لحزب المحافظين. لكن، ومع أن نصر المحافظين ما زال محتملاً جدًا، فلن يكون بالنصر الكاسح كالذي توقعته ماي في البداية.

Previous ArticleNext Article

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.