مصر وقطر... محركات قطع العلاقات ومساراته المحتملة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

مصر وقطر… محركات قطع العلاقات ومساراته المحتملة

خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

أجلت القاهرة قرار قطع العلاقات مع قطر ارتباطاً بالمحدد الخليجي، الذى مارس أدواراً للوساطة.

خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

أنقرة: محمد عبد القادر خليل*

• تدهورت علاقات مصر وقطر منذ منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، وذلك حينما بلغ سدة السلطة في قطر الشيخ حمد بن خليفة.

• لم تنفصل فصول التوتر ومواسمه عن الخلفية التى جاء منها الأمير السابق، كونه بدأ حياته قومياً ناصرياً، ثم تحول إلى إسلامي أقرب إلى التحالف مع تيار الإخوان المسلمين.

• عملت قطر على استهداف النظام السياسي المصري في مرحلة ما بعد 30 يونيو، عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وإعلامية، وصاغت تحالفات مع أنقرة من أجل محاصرة القاهرة.

• اتجهت قطر لتحسين العلاقات مع طهران التي عادت علاقتها مع القاهرة لمربع الصفر بعد سقوط حكم الإخوان.

• القاهرة: تنظر مصر إلى دخول قطر على خط أزمة سد النهضة بجدية تامة، لأن ذلك «تهديد صريح لأمننا الاستراتيجي من الجنوب»

تعرجات مختلفة مرت بها العلاقات المصرية – القطرية خلال العقود الخالية، غير أنها في صعودها وهبوطها، جنوحها واعتدالها، لم تبلغ حد القطيعة الدبلوماسية، وغلق الأجواء الجوية، وسد المنافذ البحرية، كما بلغته أخيرا، في ظل أزمة تعد الأشد والأعتى خلال العقود الخالية. فقد جاءت القرارات المصرية في فجر 5 يونيو (حزيران) 2017، بالتزامن مع قرارات مماثلة اتخذتها كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات، ومملكة البحرين، وبدت مصر في ذلك وكأنها تجسد إرادتها، لا تتخذ موقفا عابراً أو اتجاهاً استثنائياً إعمالًا لاقتراب الفرصة، وذلك في ظل الاتهامات التي طالما وجهتها القاهرة إلى الدوحة، فيما يخص تعاطيها مع الأوضاع الداخلية المصرية، واستضافتها وتسخير منابرها وقنواتها وصحفها لجماعات شتى مركزها عناصر جماعة الإخوان، تجتمع على رفض النظام السياسي المصري ومعارضته، وتؤجج مشاعر المواطنين حياله، عبر أساليب وأدوات لا تتناسب مع مراعاة العلاقات الطبيعية بين الدول، التي تحتفظ بروابط أخوية أو علاقات دبلوماسية.

أمير قطر تميم بن حمد
أمير قطر تميم بن حمد

وقد أعلنت الخارجية المصرية، بعد صدور قرارات قطع العلاقات مع الدوحة، في بيان رسمي، أن ثمة قناعة مصرية بأن قطر تدعم «الجماعات الإرهابية» التي تستهدف أمن واستقرار الدولة المصرية والإقليم، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك تنظيم القاعدة، و«داعش»، كما تساند، مالياً وإعلامياً، مجموعات ترتبط بطهران تستهدف أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، كما أن قطر تنتهج حيال مصر «نهج العداء»، ولم تثنها عن ذلك محاولات مصر التي باءت بالفشل، خلال الفترات الماضية.
ومع أن القرار المصري حيال قطر، والتصعيد غير المسبوق في العلاقات، والذي مهد إليه وكان نذيرا به، طبيعة التعاطي الإعلامي المتبادل، وتباين خلفيات ونمط إدراكات النظامين الحاكمين في البلدين، وطبيعة الآيديولوجيات السائدة، واختلاف المشروعات الإقليمية ما بين دعم قطر للتنظيمات دون الدولية Non-state actors، وانتهاج مصر استراتيجيات عدم الانخراط المباشر، والحفاظ على استقرار الدول، وعدم دعم الجماعات الإرهابية المتطرفة. غير أنه على ما يبدو أن الحسابات المصرية التي أجلت قرار قطع العلاقات ارتبطت بالمحدد الخليجي، الذي مارس أدواراً للوساطة، وسعى للتهدئة بين الجانبين، على نحو متقطع، بما يحول دون تفجر أزمة بين البلدين، إلا أن التصعيد بين بعض بلدان الخليج وقطر على خلفية اتهامات لا تتناقض أو تتعارض مع تلك التي طالما وجهتها القاهرة للدوحة، جعل القرار المصري لا يأتي فى إطار منفرد، ليغرد خارج السرب، وإنما في سياق متصل بمواقف جماعية لدول عربية تتخذ مقاربات مغايرة لاستراتيجيات التحرك القطرية على ساحات هذه الدول المحلية، إعمالا لمبدأ السيادة، أو على مسارح العمليات الميدانية في الإقليم، انطلاقاً من مبدأ حسن الجوار.

توتر ممتد لا مرحلي

لم يرتبط التوتر المصري – القطري بمحطات التصعيد الأخير الذي وسم العلاقات منذ وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للحكم، كما أنه لا يتعلق بفكرة سقوط حكم الإخوان المسلمين في القاهرة، بحسبان أن الدوحة وأنقرة شكلتا معاً ضلعي الدعم لحكم الجماعة في مصر، وإنما للتوتر والتصعيد المتبادل أساس سابق، وخلفيات مُرحّلة، وحلقات ممتدة تعود إلى منتصف تسعينات القرن الخالي، حيث يضطلع المحرك التاريخي الذي يتداخل مع المتغير القيادي الحاكم لمسار العلاقات بأدوار بارزة في صوغ نمط العلاقات بين الجانبين، وما اتسمت به من توترات وتطورات دراماتيكية طيلة السنوات الماضية.
فقد شاب علاقات البلدين وروابطهما تدهور متصاعد الحدة ومتعدد المستويات منذ منتصف العقد الأخير من القرن الخالي، وذلك حينما بلغ سدة السلطة، الشيخ حمد بن خليفة، في قطر، بديلا عن الشيخ الوالد خليفة بن حمد، وبدت مصر في حينها أقرب إلى السلف منه إلى الخلف، لأسباب متعددة يتداخل الشخصي فيها مع السياسي، بالإضافة إلى سياق عملية انتقال السلطة ذاتها وظروفها، التي لم تستمرئها القاهرة ولم تستسغ ما صاحبها من إجراءات، جعلت موقف القاهرة أقرب لأطراف عربية أخرى انسجمت مصالح القاهرة معها وتكاملت، سيما بعدما بدأت العلاقات تأخذ منحنى سلبياً، خصوصاً مع بعض الغيوم التي كست العلاقات بين الرياض والدوحة، لأسباب متنوعة. هذا في وقت تراوحت فيه العلاقات بين بعض دول الخليج وقطر بين مدٍ وجزر، وإن بدا التوتر مكتوماً أو الصراع المحكوم سمة العلاقات، في كثير من الأحيان، بيد أن الوضع مع القاهرة بدا مختلفاً نسبياً فهي البعيدة جغرافياً، ولا ترتبط بأطر العضوية في مجلس التعاون الخليجي، وتشكل قوة إقليمية يمكن مزاحمتها بأدوات إعلامية ومالية على النفوذ في مناطق الجوار.
وقد تداخلت مع ذلك الأدوار التي لعبتها قناة «الجزيرة» وطريقة وفلسفة تغطيتها السياسية، وما تلاها من منابر إعلامية وقنوات فضائية ومؤسسات صحافية داخل وخارج الدوحة، لتزداد مساحات التوتر المعلنة والمكشوفة، فلم يعد هناك إمكاينة لعدم توظيف «الأذرع الطويلة» في معارك النفوذ والتحكم بين القاهرة والدوحة، التي بدا وكأنها تتمرد على أدبيات ونظريات الدور والمكانة الإقليمية، سيما في العقد الأخير من حكم الرئيس الأسبق، حسني مبارك.

ولم تنفصل فصول التوتر ومواسمه عن الخلفية التي جاء منها الأمير السابق، كونه بدأ حياته قومياً ناصرياً، ثم تحول إلى إسلامي أقرب إلى التحالف مع تيار الإخوان المسلمين، ومع قيام الثورات العربية، اتجهت قطر إلى الرهان على تيارات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وذلك في منحى مختلف عن سياسات العديد من الدول الخليجية. وعلى الرغم من أن وصول الإخوان لحكم مصر قد أسهم في تحسن العلاقات، غير سقوط حكمهم، ثم وصول الأمير تميم بن حمد إلى السلطة مباشرة، ورغم الرهان عليه لاتخاذ مقاربات مختلفة حيال القاهرة، فإن تغير القيادات وثبات الاستراتيجيات أعاد العلاقات بين الجانبين إلى مربع الصفر، سيما أن هذا لم يقترن فحسب بنمط سياسات قطر الرافضة لسقوط حكم الإخوان المسلمين واتجاهاتها المعادية للنظام السياسي المصري في المرحلة اللاحقة، وإنما تداخل ذلك مع اشتداد مساحات التباين وتعاظم مظاهر التناقض المركب بين البلدين حيال مسار التفاعلات في العديد من الساحات الإقليمية، حيث لعبت قطر أدواراً مركزية في دعم المعارضة المسلحة في بؤر التوتر والصراع بالإقليم.

استهداف القيادة المصرية

امتدت الأزمات وتشابكت مع العديد من الملفات، وبدت القاهرة في أوقات الشدة المصرية أو الخليجية أقرب ما تكون إلى دولة خليجية شاءت الأقدار ألا تقع حدودها على الخليج العربي، وإنما طالت حدودها الشرقية بطول البحر الأحمر الذي يحد المملكة العربية السعودية، من جهة الغرب، فتشابكت الروابط وتعاظمت، وأضحت محركاً لعدم تصعيد القاهرة مع الدوحة، مراعاة لتقاليد وأسس علاقات خليجية – خليجية تتسم بالخصوصية. ومع أن كلا من السعودية والبحرين والإمارات قد قامت في عام 2014، بسحب السفراء من الدوحة. فإن القاهرة لم تقدم على هذه الخطوة، وحافظت على علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، رغم مظاهر وملفات التوتر المعقدة والمتراكمة منذ سنوات.
هذا على الرغم من أن قطر عملت على استهداف النظام السياسي المصري في مرحلة ما بعد 30 يونيو، عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وإعلامية، وصاغت تحالفات مع أنقرة من أجل محاولة محاصرة القاهرة على الساحة الدولية، وبالتنسيق مع بعض القوى الرئيسية، سيما داخل الولايات المتحدة الأميركية، وعبر عمل مكثف مع العديد من العناصر داخل الإدارة الأميركية، ومن خلال وسائل إعلام وأدوات ضغط مختلفة، لم تحبطها سوى الجهود المقابلة والمتزامنة من جانب كل من مصر والسعودية والإمارات.
وقد وفرت قطر مساحات للتصعيد بين الإخوان والدولة المصرية، كونها زادت من هامش المناورة وأتاحت الأدوات اللازمة للتصعيد السياسي والإعلامي والأمني، ارتبط ذلك بقناعة سابقة لدى القيادة القطرية بواقعية «المشروع الإخواني» وقدرته على التحقق، في ضوء وصول حزب العدالة والتنمية في تركيا إلى سدة الحكم، وتنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في أقطار عربية عديدة، وبالتالي باتت الدوحة على قناعة بأن لديها نفوذاً سياسياً وجماهيرياً يفوق ما لدى أطراف عربية أخرى، بما يمكنها من القدرة على أن تتزعم «المشروع الإسلامي» فى الإقليم.

وقد قامت المملكة العربية السعودية، عبر مراحل عديدة، بالاضطلاع بأدوار بناءة فى تجسير هوة الخلاف بين الجانبين، على النحو الذي بدأ بشكل علني من دعوة ملك السعودية الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، إلى عقد مصالحة بين كل من مصر وقطر، تعهد خلالها الأمير تميم بالحد من تأييد بلاده لجماعة الإخوان، ووضع حد للانتقادات الإعلامية لدول الخليج، وبعد المصالحة، أصدرت قطر قراراً بترحيل عدد من قيادات الإخوان من أراضيها، بما أحدث حالة من الارتباك في المحتوى الذي تقدمه قناة «الجزيرة». وقد حاولت القيادات في السعودية والكويت والإمارات ممارسة ضغوط على الدوحة لتعديل مسار العلاقات مع مصر، سيما في ظل بعض التصريحات الودية من جانب الرئيس المصري حول رفضه طبيعة التعاطي الإعلامي حيال قطر. غير أن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح بسبب الإصرار القطري على دعم جماعة الإخوان، والتصعيد الإعلامي حيال القاهرة.

دعم العناصر الإرهابية

شهدت مصر خلال مرحلة ما بعد يونيو 2013 الكثير من العمليات الإرهابية التي ارتبط بعضها بتنظيم «بيت المقدس»، الذي أعلن مبايعته لتنظيم داعش، كما ارتبط بعضها الآخر بتنظيمات عديدة أثبتت التحقيقات أن القائمين عليها عناصر ترتبط بصورة أو بأخرى بجماعة الإخوان. وقد تعرضت مصر خلال الفترة من يوليو (تموز) 2014 وحتى يناير (كانون الثاني) 2017، إلى أكثر من ألف عملية إرهابية، تركزت في البداية في محافظة شمال سيناء، ثم امتدت إلى العديد من المدن المصرية لتستهدف المقرات الأمنية، والمنشآت الحيوية، والشخصيات العامة، ثم الكنائس والمواطنين الأقباط. وقد اعتمدت استراتيجية الجماعات الإرهابية في مصر على استهداف قوات الجيش والشرطة بشكل أساسي، حيث بلغ إجمالي عدد الضحايا من الجيش والشرطة في الفترة من 30 يونيو 2013 وحتى 25 يناير 2017 نحو 900 عنصر من قوات الأمن (جيش وشرطة).
وكانت الحكومة المصرية قد حمَّلت جماعة الإخوان المسلمين المسؤولية عن العشرات من التفجيرات وعمليات العنف التي استهدفت أكمنة الشرطة والجيش، والمؤسسات والمقار الأمنية، ومن ضمنها التفجير بسيارة مفخخة الذي استهدف مقر مديرية أمن الدقهلية في المنصورة بدلتا النيل، وأوقع 16 قتيلاً، وأكثر من 140 جريحاً. وعقب سقوط نظام محمد مرسي، وحظر جماعة الإخوان المسلمين، وعدِّها جماعة إرهابية لم يتوان الشيخ يوسف القرضاوي، الذي يحمل الجنسية القطرية، في انتقاد النظام المصري، بل ودعا المصريين إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية، زاعما أن الرئيس عبد الفتاح السيسى قد «استولى على الحكم»، وأن سياسته ستسبب «انهيار الاقتصاد المصري»، وردت مصر على ذلك بمطالبة السلطات القطرية بتسليمه للمحاكمة في مصر.
وقد وجهت القاهرة اتهامات صريحة للجانب القطري بالضلوع في العديد من العمليات الإرهابية التي شهدتها القاهرة، على النحو الذي صرح به مندوب القاهرة في جامعة الدول العربية في فبراير (شباط) 2015، بما أدى إلى استدعاء قطر سفيرها في مصر «للتشاور» إثر خلاف نشب خلال اجتماع للجامعة العربية، بسبب الضربة الجوية المصرية التي استهدفت تنظيم داعش في ليبيا بعد ذبحه 21 قبطياً مصرياً، حيث رد مندوب مصر لدى الجامعة العربية على تحفظ قطر على بند في بيان أصدرته الجامعة يؤكد «حق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها وتوجيه ضربات للمنظمات الإرهابية» باتهام الدوحة بـ«دعم الإرهاب»، وذلك في مواجهة علنية بين البلدين لم تغب عن اجتماع دول مجلس التعاون، الذي تحفظ على هذه الاتهامات، لكنه ما لبث أن أكد تأييده التحرك العسكري المصري ضد التنظيمات الإرهابية في ليبيا.
ربما تفسر هذه المعطيات والمدخلات بيان وزارة الخارجية المصرية بشأن قرار قطع العلاقات مع قطر، حيث أُسس القرار المصري على ما اعتبر إصرارا من قبل «الحكم القطري على اتخاذ مسلك معادٍ لمصر، وفشل جميع المحاولات لإثنائه عن دعم التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابى، وإيواء قياداته الصادر بحقهم أحكام قضائية في عمليات إرهابية استهدفت أمن وسلامة مصر»، وأكد بيان وزارة الخارجية أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية يرجع إلى ترويج قطر لفكر تنظيم القاعدة وداعش، ودعم العمليات الإرهابية في سيناء، فضلا عن إصرار قطر على التدخل في الشئون الداخلية لمصر ودول المنطقة بصورة تهدد الأمن القومي العربي.

المستوى الإقليمي للتوترات والخلافات

على المستوى الإقليمي، شكلت الدوحة وأنقرة ضلعي التصعيد حيال القاهرة، وزادت كل منهما للأخرى من هامش المناورة، وضاعفت من مساحة الحركة في مواجهة الضغوط التي مارستها بعض الدول العربية لتغيير هذه السياسات، وقد استند ذلك على أدوار المتغير القيادي، حيث ترتبط القيادة فى الجانبين بعلاقات وروابط متشابكة مع جماعة الإخوان المسلمين، وتروج لها على المستويات الإقليمية والدولية، عبر استراتيجيات متنوعة. وبينما كانت العلاقات تتوطد وصولا إلى الإعلان عن إقامة قاعدة عسكرية تركية في الدوحة، فإن مشترك التوجهات السياسية حيال النظام المصري اضطلعت بدور مركزي في العمل المشترك على دفع حركة حماس للتصعيد ضد المصالح المصرية، بعدما أسهمت سياسات الدولتين في مضاعفة هامش المناورة أمام الحركة في مواجهة الحكومة المصرية.
وعلى جانب آخر، فإن قطر اتجهت لتحسين العلاقات مع طهران، والتي عادت علاقاتها مع القاهرة لمربع الصفر بعد سقوط حكم الإخوان، وذلك بعد أن كانت قد شهدت تطورات متسارعة أفضت إلى قيام الرئيس السابق، أحمدي نجاد، بزيارة القاهرة وألقى خطاباً في الأزهر، هذا فيما قام الرئيس الأسبق، محمد مرسي، بزيارة طهران لحضور قمة المؤتمر الإسلامي. وفي الوقت الذي نظرت فيه قطر إلى اضطلاع مصر بأدوار بارزة على الساحة الإقليمية باعتباره تهديداً لمصالحها، فقد اتجهت لتوثيق علاقاتها بطهران، حيث تم بشكل مشترك استثمار حقول النفط والغاز في المياه القريبة من حدود البلدين. وفي الوقت الذي كانت تتصاعد فيه نذر التوتر في العلاقات المصرية – القطرية، قام الأمير تميم، في 27 مايو (أيار)، بالاتصال بالرئيس حسن روحاني، لتهنئته بمناسبة إعادة انتخابه.
وفي المحيط الأفريقي، الذي شكل بالنسبة لمصر خلال السنوات الأخيرة دائرة حركة حيوية، حاولت القيادة المصرية إعادة الاندماج فيها، عبر مبادرات واستراتيجيات تعيد الانخراط المصري في القارة السوداء، حيث أشارت تقديرات مصرية إلى أن ثمة تحركات قطرية لتأزيم العلاقات المصرية مع كل من السودان وإثيوبيا، فالأخيرة قام الأمير القطري بزيارتها مؤخرا، كما أرسل لزيارتها من قبل وزير خارجيته، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، هذا في الوقت الذي أعربت فيه وسائل إعلام مصرية عن قلقها من أن يصبح موضوع سد النهضة جزءاً من التجاذبات السياسية مع الدوحة، سيما أن تطور العلاقات بين الدوحة وأديس أبابا في هذا التوقيت يحمل رسائل دعم لموقف إثيوبيا بشأن سد النهضة، الذي أنشئ لتخزين كميات كبيرة من مياه نهر النيل، على نحو يشكل مصدراً لتهديد أمن مصر القومي.

وقد نقلت وسائل إعلام عن دبلوماسي رفيع المستوى في القاهرة قوله إن مصر تنظر إلى دخول قطر على خط أزمة سد النهضة بجدية تامة، لأن ذلك «تهديد صريح لأمننا الاستراتيجي من الجنوب». وقال السفير محمد عاصم، سفير مصر السابق في أديس أبابا، إن «أي محاولات قطرية للمساعدة في تغليب طرف على طرف في مفاوضات سد النهضة لتهديد أمن مصر المائي، يعد بمنزلة إعلان حرب».

وقد شكلت ليبيا، في مسار مواز، أحد أسباب القضايا العالقة في ملفات التوتر بين القاهرة والدوحة، حيث تعتبر القاهرة أن العديد من الجماعات الإرهابية التي تستهدف الأمن القومي المصري تلقى دعماً قطرياً. فقد دعمت قطر عدداً من الميليشيات الإرهابية في ليبيا، وعلى رأسها «الجماعة الليبية المقاتلة»، و«أنصار الشريعة»، و«مجالس شورى» في عدد من المدن الليبية، ووفرت الدوحة الغطاء السياسي والمالي للإرهابيين في مواجهة مؤسسات الدولة الليبية، ودعواتها المستمرة لقتال الجيش الوطني الليبي، وتعزيزها لدور الميليشيات في مواجهة الدولة. وبدورها اتهمت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، بالحكومة الليبية المؤقتة، قطر بدعم الإرهاب، معربة عن تأييدها لقطع دول عربية علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة.
وبناء على ما سبق، فإن التوتر بين القاهرة والدوحة قد بلغ منسوب الفيضان والفوران السياسي، لأسباب محلية وإقليمية ودولية، بما يعني أن احتمالات التهدئة ليست بالضرورة قريبة، ولكن مسارات التصعيد بطريقة أكثر من ذلك ستواجه بتحديات عديدة، منها: أعداد العمالة المصرية الموجودة فى قطر، إذ تحتل الأخيرة المركز الرابع بعد السعودية والكويت والإمارات، هذا في حين تمثل تحويلاتهم البنكية المرتبة الأولى بنحو 463 دولارا شهريا (للفرد)، وفق إحصائية غير رسمية. كما أن قطع العلاقات الاقتصادية سيغدو أكثر صعوبة، سيما أن حجم الاستثمارات القطرية في مصر بلغ 18 مليار دولار. وفي يونيو 2016، صدر تقرير عن البنك المركزي المصري، تحدث عن تنامي الاستثمارات القطرية لدى القاهرة، إذ احتلت الدوحة المركز الثاني محل السعودية بإجمالي استثمارات يقدر بنحو 104.8 مليون دولار فى أوائل عام 2016.

بيد أنه في المقابل، فإن أي تحسن في العلاقات لن يرتبط بالقيادة القطرية الحالية، فالموقف المصري لم يأت متسرعاً رغم كل المعطيات السابقة، كما أن البيان الصادر عن الخارجية القطرية، تعليقاً على قرارات قطع العلاقات، تجاهل الإشارة إلى مصر، مكتفياً بالقول: «أعربت قطر عن أسفها لقرار السعودية والإمارات والبحرين قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة»، وهو ما يشير إلى مستوى تعقيد وتأزم موقف البلدين. ففي السابق علق مدير العمليات بهيئة قطر للأسواق المالية، عيسى الكعبي، على الخلاف السياسي مع القاهرة قائلا: «السياسة لا تدخل في الاقتصاد»، ورد محرم هلال، رئيس مجلس الأعمال المصري – القطري: «التبادل التجاري ليس له علاقة بالخلاف السياسي»، بيد أنه من الواضح أن التطورات الأخيرة تجعل تصريحات المسؤولين تراوح مكانها، وفق المعطيات السابقة والمؤشرات الراهنة.

* مدير برنامج تركيا والمشرق العربي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.