كيف نهزم «داعش» على الإنترنت؟ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مجتمع

كيف نهزم «داعش» على الإنترنت؟

حان الوقت لإعادة تصور استراتيجية لمكافحة دعاية التنظيم الإرهابي على مواقع التواصل الاجتماعي

* يمثل توغل «داعش» العميق في المجال الرقمي عقبة كبرى أمام من يحاولون التصدي للحركة

أودري أليكساندر*

من «تويتر» إلى «تلغرام»، يستمر وجود المتعاطفين مع تنظيم داعش على منصات وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم. وفي حين تتسم بعض المنافذ بنطاقها الواسع وشفافيتها، تظل أخرى منعزلة ومحمية. يفاقم تنوع المنصات وانتشار المتعاطفين مع التنظيم وحجم المحتوى الهائل من صعوبة الأمر على الحكومات والشركات الخاصة في احتواء التهديد الذي تشكله «داعش» على الإنترنت. ومن أجل البدء في ذلك، من الضروري استيعاب العوامل الخارجية التي تُشكِّل استراتيجية الاتصالات الخاصة بـ«داعش».

على المستوى الاستراتيجي، يربح «داعش» في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال التمييز الفعَّال وتوزيع المعلومات ووضع أجندات. على سبيل المثال، في أعقاب اعتداءات عنيفة، أصبح من المعتاد لمحللي مكافحة الإرهاب البحث عن البيانات الصحافية التي تدعي تبني التنظيم للاعتداءات والتي تصدر عن وكالة أنباء «أعماق». وفي تحليل لكتيب «داعش»: «مجاهد أنت أيها الإعلامي»، يدفع الباحث في شؤون الإرهاب تشارلي وينتر بأن منهج «داعش» في التسويق يسمح للتنظيم «بإدخال ذاته قسرا في الوعي الجماعي العالمي». ولكن يعتمد التنظيم في الأساس على منصات لا يستطيع السيطرة عليها، مما يجعله عُرضة لتغيير اللوائح والإجراءات الأمنية. على سبيل المثال، في أغسطس (آب)، ألقت السلطات الأميركية القبض على جيلين يونغ ومحمد دخل الله، بعد أن كشف الاثنان عن خططهما للسفر إلى أراضٍ خاضعة لـ«داعش» لعملاء متخفين على عدة منصات تواصل اجتماعي منها «تويتر». وفي سوريا، أفادت تقارير أن ضربة جوية موجهة قتلت جُنيد حسين الهاكر ومسؤول التجنيد البريطاني بعد أن غادر مقهى للإنترنت في الرقة، عاصمة «داعش» بحكم الأمر الواقع.

نتائج متضاربة

ومن فرض اللوائح التي تعتمد على المحتوى إلى إيقاف الحسابات، أسفرت مساعي «تويتر» المعلنة جيدا بتقويض وجود «داعش» على الموقع عن نتائج متضاربة. ومنذ منتصف عام 2015، أغلق «تويتر» 360 ألف حساب لانتهاكهم سياسات الشركة المتعلقة بالترويج للإرهاب، ولكن يستمر أنصار التنظيم في إنشاء حسابات جديدة كل يوم. وبالأسلوب ذاته، نظم «فيسبوك» و«غوغل»، بدرجات نجاح مختلفة، حملات مناهضة لدعاية «داعش». ويحث توجه الحكومة الأميركية، الذي يعرف باسم «ماديسون فاليوود»، شركات التكنولوجيا والترفيه على المساعدة في مكافحة الإرهاب، لا سيما من خلال خطاب مضاد، وتطبيق مشدد لشروط الخدمة الخاصة بها.

ومما يبدو أنه نتيجة للشعور بالخطر أمام أهواء شركات وسائل التواصل الاجتماعي ولوائحها المتغيرة، أفادت تقارير بأن أنصار «داعش» أطلقوا في مارس (آذار) عام 2015، موقعا للتواصل يسمى «خليفة بوك»، والذي ادَّعى أنه يقدم بديلاً لأتباع التنظيم المحظورين من المواقع التقليدية. ولكن توقف الموقع الهاوي، الذي أفادت مزاعم بأنه اعتمد على نطاق تم شراؤه من شركة غربية، عن العمل سريعا بعد إطلاقه. وتستمر محاولات تواصل أكثر حرفية عبر أجزاء مختلفة من الشبكة، وتظل المنتديات المحمية بكلمات سر وأدوات مثل المتصفح المجهول «تور» موارد مهمة للجهاديين البارعين في مجال التكنولوجيا.

تَعامَلَ أنصار «داعش» أيضاً مع إيقاف الحسابات ببساطة عن طريق التنقل بين المنصات. ومن أجل تجنب الاكتشاف وتخفيف المخاطر الأمنية، يتنقل كثير من أنصاره من المنصات العامة واسعة النطاق مثل «تويتر» أو «فيسبوك»، إلى خدمات البريد الإلكتروني الخاصة وتطبيقات الرسائل التي تدعم تكنولوجيا التشفير ومنها «بورتون ميل» و«شور سبوت» و«تلغرام». نظرا لغموض هذه الوسائل التكنولوجية، من الصعب قياس عدد المتعاطفين في كل منصة. ومع ذلك، في تقرير صدر في عام 2016 بعنوان «تكنولوجيا الجهاد»، كتب الباحثان ليث الخوري وأليكس كاسيرير أن «تلغرام» الآن «يبدو أفضل اختيار لدى الجهاديين الأفراد والتنظيمات الجهادية الرسمية».

بث رسائل «داعش»

في استراتيجية أخرى لـ«داعش»، يتم إنشاء حسابات متعددة كضمان لعدم الإغلاق. على سبيل المثال، أنشأت صفية ياسين المقيمة في ميسوري حسابات كثيرة على موقع «تويتر» لبث رسائل «داعش» عن الجهاد العنيف، ومن بينها تهديدات باستهداف أفراد في الحكومة الفيدرالية. وعند اعتقالها في يناير (كانون الثاني) عام 2016، على الرغم من إيقاف الكثير من الحسابات بسبب انتهاك شروط استخدام خدمة «تويتر»، تعرَّف محققو مكتب التحقيقات الفيدرالي على 97 حساباً آخر «يُحتمل» أنهم متصلون بياسين. علاوة على ذلك، احتفظ تيريس ماكنيل من أوهايو، الذي ألقي القبض عليه بمزاعم التحريض على قتل أفراد من الجيش الأميركي، بالكثير من الحسابات المؤيدة لـ«داعش» على «تويتر» وصفحات شخصية على «فيسبوك» و«تامبلر» و«يوتيوب» و«غوغل بلس». كذلك تواصل عبدي نور، وهو من مينيسوتا وذهب إلى سوريا في عام 2014، مع مجموعة من أقرانه في الولايات المتحدة وفي الخارج باستخدام «فيسبوك» و«تويتر» و«ورد برس» و«كيك» و«آسك إف إم». وبدلا من تركيز جهودهم على نطاق واحد، ينشر المستخدمون من أمثال هؤلاء رسائل «داعش» عبر منصات متعددة، لضمان البقاء الرقمي إذا تم إيقاف أحد الحسابات.

يمثل توغل «داعش» العميق في المجال الرقمي عقبة كبرى أمام من يحاولون التصدي للحركة. وبالتالي، حان الوقت لإعادة تصور استراتيجية لمكافحة دعاية «داعش» على مواقع التواصل الاجتماعي. تركز المبادرات القائمة، مع حسن نياتها، قدرا كبيرا من الطاقة على منصات قليلة واسعة النطاق، وبينما يختار البعض إسكات الخطاب العنيف، يجاهد آخرون من أجل تعزيز الخطاب المناهض للعنف. على سبيل المثال، أنشأت شركة «جيغساو» من «غوغل» ما يسمى بمنهج إعادة التوجيه لمواجهة التطرف على الإنترنت عن طريق تحويل المتعاطفين مع التنظيم الإرهابي «إلى فيديوهات مختارة تفضح زيف خطط تجنيد داعش». ولكن للأسف مثل تلك الأساليب ربما لا تصل بالضرورة إلى مستخدمين يدخلون على محتوى متطرف باستخدام أدوات مثل «تور» أو «تلغرام». وسريعا ما تصبح المبادرات بعيدة المدى، على الرغم من ابتكارها، بالية في عصر يتكيف فيه أنصار «داعش» دائما عبر مجموعة من المنصات.

شبكات مؤيدة لـ«داعش»

بناء على ذلك، أصبح من اللازم اتخاذ إجراءات أكثر ذكاءً وانتشاراً يمكنها التطور في الوقت الفعلي، مثل التضمين الرقمي. يشير التضمين الرقمي إلى عملية تستطيع من خلالها كيانات لا تنتمي إلى «داعش»، من مسؤولي إنفاذ القانون وحتى الصحافيين، الوجود في قلب شبكات مؤيدة لـ«داعش» عن طريق الساحة الإعلامية ذاتها التي يستخدمها الخصوم. وبهذه الطريقة، يمكنهم أيضاً متابعة استراتيجيات التنظيم وشبكات أفراده المتنوعة أثناء تطورها في الوقت الفعلي. على سبيل المثال، على «تلغرام»، قد يجد مسؤولو إنفاذ القانون أدلة تربط بين مستخدم يثير الارتياب وموقع تدوين منفصل، بينما يستولي نشطاء مستقلون على قنوات مؤيدة لـ«داعش» وينشرون خطاباً بديلاً. وفي كلتا الحالتين، يعتمد نجاح المُنفذ على قدراته على احتلال المساحة الافتراضية ذاتها التي يحتلها أنصار «داعش». ومع قوات مكافحة الإرهاب على وجه التحديد، تتطلب هذه العملية تحقيق توازن رشيق بين الموارد الكافية، وهي تحديدا المهارة التقنية، والخبرة بالموضوع، والوقت.

قد يكون التضمين الرقمي صعبا، ولكنه يستحق العناء. ويتضح لنا السبب من خلال الانتشار واسع النطاق لثلاثة أعدادٍ مزيفة من نشرة «رومية» الإلكترونية التي يصدرها «داعش» باللغة الإنجليزية. في يناير (كانون الثاني)، وفبراير (شباط)، ومارس (آذار) عام 2017، استخدمت مصادر غير معلومة منصات تواصل اجتماعي لنشر وثائق مزيفة، تحتوي على رسوم أقل جودة ومحتوى بديل. ومع انتشار شائعات بأن بعض الملفات تحتوي على فيروسات وبرامج تعقب، أعرب كثير من أنصار «داعش» على «تلغرام» عن قلقهم حيال تأمين العمل، ومنعوا آخرين من فتح الرابط أو تحميل ملف النشرة. ومع أنه من الصعب قياس تأثير مثل هذه الخطط، أثارت المحاولة حسب ما تم تناقله عنها قلقا في قنوات التواصل الاجتماعي الخاصة بـ«داعش» دون أن يندفع أعداد كبيرة من المستخدمين إلى منصات أخرى أكثر حماية. ومن أجل إكمال جهود الخطاب المضاد وإزالة المحتوى على الوسائط بعيدة المدى، تحتاج المبادرات المستقبلية إلى الوصول إلى المتعاطفين مع «داعش» أينما كانوا.

دفعت المحاولات الماضية للحد من وجود «داعش» على الإنترنت إلى تحول التنظيم إلى اللامركزية في العالم الرقمي، مما جعله أقل تنظيما ولكنه أصعب في المراقبة. وكلما ازداد عدد المنصات التي يستخدمها «داعش»، ازداد توجه أتباعه إلى السرية، وأصبح من الأصعب على مسؤولي إنفاذ القانون وصناع السياسات والباحثين وغيرهم الوصول إلى أنصاره واستيعاب حجم وعمق التنظيم.

وبدلا من دفع أنصار «داعش» من منصة إلى أخرى، يجب أن تركز المبادرات على حصار التنظيم أينما كان عن طريق تحقيق توازن بين اللوائح والرقابة والإبعاد والمعلومات المضادة. وإذا تمكن أنصار «داعش» من إظهار مرونة وبراعة وانتهازية وصمود على الإنترنت، يجب أن يحذو صناع السياسات ومسؤولو إنفاذ القانون وشركات التكنولوجيا الإعلامية حذوهم.

* أودري أليكساندر: زميلة باحثة في برنامج جي دبليو عن التطرف، وتدير قاعدة بيانات البرنامج عن أنصار تنظيم داعش على وسائل التواصل الاجتماعي، وساهمت في كتابة «داعش في أميركا: من إعادة نشر التغريدات إلى الرقة».

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.