قطر والإخوان: البحث عن الضلع الناقص - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

قطر والإخوان: البحث عن الضلع الناقص

لماذا هاجرت الجماعة إلى الدوحة؟

القرضاوي يقبل رأس الشيخ عبد المعز عبد الستار في الدوحة
القرضاوي يقبل رأس الشيخ عبد المعز عبد الستار في الدوحة

* لم تقم الدوحة بعد إلغاء الاتفاق «حول النأي عن الإخوان» بالعمل الصامت فحسب بل صرحت بأن قرار دول التعاون ومصر بوصف الإخوان جماعة إرهابية غير صحيح وخاطئ
* يرجع تاريخ جماعة الإخوان في قطر لحقبة الخمسينات والستينات نتيجة هجرة كثير من أعضائها لدول الخليج… ومثّل اللاجئون الفلسطينيون جزءاً من قاعدة دعم إخوان الدوحة
* أختلط الطلاب القطريين المبتعثين إلى مصر بأطياف الفكر القومي والإسلامي واليساري ليعودون إما بصورة لعبد الناصر أو بأعناق لفّتْها البيعة للبنا ويكونون هم الحاضنة الأولى لنواة التيار الإسلامي «الحركي»
* شهد العام الذي أعقب تدشين قناة «الجزيرة»، صراعاً ناعماً بين الدوحة والقاهرة تُوّج بزيارة رئيس المخابرات المصري عمر سليمان إلى الدوحة ليطالب بوضع نهاية للشبكة «الدعائية»
* في عام 1961 هاجر القرضاوي إلى قطر ليقوم على المعهد الديني و يُطوّره ويؤسّس كلية الشريعة لتتحول الدوحة إلى محطة لرحلاته الخليجية ومعه عبد المعز عبد الستار وأحمد العسال وعبد البديع صقر وكان حاكم قطر آنذاك الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني يوليهم الثقة
* علاقة الإخوان بقطر انحسرت بعض الشيء إبان حكم الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (1972 – 1995) إذ إنه كان يحاول أن يجعل لحكمه ميولاً نحو العرب إلا أن البريطانيين ونخبة من القطريين قد أحبطوا مساعيه
* شهدت فترة التسعينات اضطرابات كثيرة في قطر داخليا و في علاقتها مع دول الشرق الأوسط إبان استثمار الدوحة في إنشاء قناة «الجزيرة» التي تهيمن عليها نظرة الإخوان وانسحابها من قمة مجلس التعاون في 1994 إثر ترشيح الحجيلان ليكون السكرتير العام لدول المجلس الخليجي
* كانت محاولة الانقلاب ضد إردوغان مسرحاً لاستعراض كل الإسلاميين في الدوحة وسافروا للمشاركة في المظاهرات المؤيِّدة وأقام القرضاوي مهرجاناً حاشداً في إسطنبول ولم يتوانَ عن إطلاق لفظ السلطان على الرئيس التركي
* الإسلاميون يظنون أن المال القطري لا يمكن أن يعوَّض في هذه المرحلة فلا بد لهذه الشراكة من أن تستمر وفي سبيل ذلك يقدّم المفكّرون الكثير من الدعاية الأخلاقية والمشاريع التطويرية على أمل أن تجعل الحساب متعادلاً

دبي: عمر البشير الترابي*

الإخوان المسلمون هم التنظيم الأكثر إثارة للجدل في السنوات الماضية، فهو المتهم الرئيسي بأنّه الأب الشرعي لكل الحركات الإرهابية المتنامية في الشرق الأوسط والعالم، وذلك باعتماده على أفكار سيد قطب حول الحاكمية وتكفير المجتمعات، واستغلال الجهاد الأفغاني لتعريض هذه المفاهيم للبلورة ومنحها القدرة، ولم يكن ينقص هذا التنظيم سوى دولة المأوى والمال. وحينما يفسّر كثيرون الزواج بينه وبين دولة قطر، يصرّون على وصفه بزواج المصلحة الذي أنجب الكثير من المشكلات لدول الجوار، فمن أين بدأت القصة!

الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني ( توفي 1974)
الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني ( توفي 1974)

مسلسل الإخوان

الحلقة الأخيرة من الموسم الرابع لمسلسل الإخوان وقطر، عرضها الترويجي يحمل أسئلة: هل يغادر قادة حماس الدوحة؟ هل تتخلى قطر عن المحرِّضين وتصْرفُهم إلى تركيا؟ هل توقف أي نشاط لهم من أراضيها على الأقل؟ أم أنها ستستمر في إيوائهم تحت لافتة «كعبة المضيوم» والحلف التقليدي والاستثمار طويل الأمد؟ هل بوسعها تحمّل أزمة القطيعة مع متنفّسها البري الوحيد، وبيع عمقها ومُتّكئها التاريخي عند إخوتها في الخليج؟ ثم ما الذي سيوفّره لها هذا البديل الحزبي الضيّق، الذي قد يحوّل الدولة إلى فرع في تنظيمٍ دولي؟ أم أن الأمر أبعد، ويتعلّق بخطط طويلة المدى في استثمار «سياسة» الإسلام العالمي والإخوان كضلع من مثله، واعتبار أن التخلّي عنهم يغير كل التصوّر؟ هذه الأسئلة بقيت بلا إجابة. ولكن لدينا أجوبة الموسم الثالث للمسلسل، فكيف كانت؟

لقد كانت نهاية الموسم الثالث في العام 2014 بانتهاء أزمة «سحب السفراء» بعد تعهدات وُضعت أمام الكبار في الرياض، بموجبها تخلّت قناة «الجزيرة» عن التحريض والهجوم المباشر على الرئيس السيسي والتوقّف عن تسميته بالانقلابي وتمجيد سلفه الإخواني محمد مرسي. عشيّة الاتفاق، غادرت طائرات محمّلة بالإخوان وبعض الجهاديين الدوحة متجهةً إلى تركيا، وظهر «وجدي غنيم» وهو يتحدث عن مغادرته لقصر الدوحة ومركباته الكثيرة إلى زحام قطار إسطنبول وإزمير، هو وآخرون رأت الدوحة أن مغادرتهم هي الحل الوسط، بين تسليمهم للقاهرة أو مواصلة إيوائهم في «دوحة حمد». ولكن ما لبثَت أن مرّت أشهر حتى عاد التوتّر، بدايةً من تبنّي قناة «الجزيرة» للتحريض من جديد، ثم عودة الإساءة لرموز دولةٍ خليجية مجاورة. وباستغلال بوابة عاصفة الحزم، كانت عودة العمل التنظيمي الإخواني إلى الدوحة، وأحالت تلك الأحداث اتفاق الرياض إلى مرحلةٍ تاريخية، اعتبرها الإخوان والدوحة معاً مرحلةً ملغاة.

لم تقم الدوحة بعد إلغاء الاتفاق «حول النأي عن الإخوان» بالعمل الصامت فحسب، بل عملت على التصريح من جديد، وبالصوت العالي، بأنّها تؤمن بأن قرار دول التعاون ومصر، بوصف الإخوان جماعة إرهابية غير صحيح وخاطئ، وتحرّكت من جديد للترويج بأن الإخوان قطاع سياسي لا يجوز وصفه بالإرهاب، ثم حاولت النسج على هذا المنوال كثيراً، وأعادت التعاون مع حركة حماس، بل إنها استضافت مؤتمر الحركة الذي أقيم أخيراً، وجرى فيه إعلان ما أشيع أنه استراتيجية جديدة، وهو في الحقيقة لم يخرج عن المجال الإخواني، وإنما حَدّد له مدى مُقيّداً، فالحريّة كل الحريّة لمن يريد ممارسة العمل الإخواني، ولكن دون أن يلفظ الاسم، وعلى هذا الأساس قامت حماس من الدوحة بالإشاعة بأنها تخلّت عن المرجعية الإخوانية، بينما الحقيقة تقول إن الوثيقة المنشورة لم تُشِر إلى ذلك التخلي من قريب أو بعيد، وحاول البعض في قناة «الجزيرة» القول بأن عدم الإشارة في حد ذاته يعتبر تخَلياً.

الشيخ عبد البديع صقر – توفي عام 1986 بمصر
الشيخ عبد البديع صقر – توفي عام 1986 بمصر

كانت المحاولة الانقلابية التي جرت في تركيا ضد إردوغان مسرحاً لاستعراض كل الإسلاميين في الخليج لقدراتهم وتعاطفهم الكبير، وكان المقيمون منهم في الدوحة رأس الرمح، فسافروا للمشاركة في المظاهرات المؤيِّدة، وقام الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين بإصدار البيانات تلو البيانات، وأقام شيخه الدكتور يوسف القرضاوي، مهرجاناً حاشداً في إسطنبول، ولم يتوانَ عن إطلاق لفظ السلطان على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. زاد هذا من حماس الدوحة لملفّها عن الإخوان المسلمين… وصاحب الشوق القديم وإن تعزّى عشوقٌ حين يلقى العاشقينا!

ومن الطريف ذكره أنه، كرَدٍّ للجميل، قرّر كاتب تركي في إحدى منصات الدوحة الإعلامية، أن يتبرّع بالدفاع عنها في الأسبوع الأول للأزمة الخليجية، ويضع تفسيراً لسبب وجود كل هذا الطيف من الجماعات الإسلامية المتطرفة فيها، فقال إنها تقوم بدورٍ تقريبي بين الجميع، كالذي تقوم به بريطانيا. لم يلق تفسيره هذا أي اهتمام، ولا يُعجِب دفاعُه أحداً، ولكنه يؤكد أن الملف بعيد عن فهم من لم يعرف أمرين، الأول هو التاريخ البعيد لوجود الإخوان في الدوحة، والثاني هو الأمل البعيد للدوحة المبني على الإخوان، وكلاهما يحتاج إلى نظرة. فلنبدأ بالتاريخ البعيد والحلقة الأولى في مسلسل الإخوان وقطر.

البدايات الأولى: موسم الهجرة إلى الدوحة

الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (حاكم قطر من 1972- 1995)
الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (حاكم قطر من 1972- 1995)

يرجع تاريخ جماعة الإخوان في قطر لحقبة الخمسينات والستينات، والتي تشكّلَت نتيجة هجرة كثير من أعضائها لدول الخليج، من مصر وليبيا وسوريا، وقد مثّل اللاجئون الفلسطينيون جزءاً لا يستهان به من قاعدة دعم الإخوان في قطر، وبعضهم من الكوادر الرفيعة في منظمة التحرير الفلسطينية. ثم ما لبث هؤلاء المهاجرون أن تدفّقوا لقطاع التعليم القطري، وتقلّدوا الكثير من المناصب الرفيعة في الدولة. بالإضافة لهؤلاء الذين شكّلوا المهاجرين من الإخوان، كان القطريون يحكمهم السيناريو المعروف، الذي يبدأ من الطلاب المبتعثين إلى مصر للاستنارة، فيختلطون بأطياف الفكر القومي والإسلامي واليساري، فيعودون إما بصورة لعبد الناصر ومعها حفنة شعارات، أو بأعناق لفّتْها البيعة لحسن البنا ومعها أيضاً حفنة شعارات بديكور مختلف، ويكونون هم الحاضنة الأولى لنواة التيار الإسلامي «الحركي»، فيوقظون إسلام السكينة، ويمتطونه أو يتحضّرون لذلك، كما يسهم في هذه الفترة المعلّمون والعاملون لنهضة الخليج الأوائل، من مصر تحديداً والشام. هاجر الإخوان المصريون عقب فشل محاولتَي اغتيال عبد الناصر، سواء في المنشية، أو بعد انكشاف التنظيم السري والمحاكمات المصاحبة التي أودت بحياة مفكر «الإخوان» سيد قطب، وتأتي الهجرة الثالثة لإخوان سوريا في فترة ما بعد أحداث حماه الدامية.

هجرة القرضاوي

في الهجرتين الأوليين لإخوان مصر، وفي عام 1961، وبعد مُلابسات مختلفة من اعتقال إلى إفراج مفاجئ لا يزال كثيرون يطرحون الأسئلة حولها، هاجر الشاب المصري حينها، يوسف القرضاوي، إلى قطر، ليقوم على المعهد الديني الثانوي الذي يُطوّره، ويسهم في الوسط الديني فيها، ويؤسّس كلية الشريعة بجامعة قطر، وبالتزامن مع ذلك ينال الثقة، فتحوّلت قطر إلى محطة لرحلاته في دول الخليج. ولم يكن القرضاوي وحده، بل معه عبد المعز عبد الستار، الرجل الذي سيصبح رقماً واحداً في مجال الجمعيات الخيرية والتنظيمية، والدكتور أحمد العسال، وعبد البديع صقر، فتولوا جميعاً مهام الدعوة والدين، وكان حاكم قطر آنذاك، الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، يوليهم الثقة.

يقول عبد الغفار حسين في مقالة بجريدة «الخليج» الإماراتية: «ولم يكن الطريق سهل المسالك أمام التوسّع الإخواني وغيرهم من الجماعات في الخليج العربي غير المنسجمة مع التيار القومي، ولذلك لم تقم في هذه المناطق تجمّعات إخوانية منظّمة لها الحول والطول قبل السبعينات من القرن المنصرم… ولكن بارقة الأمل لمع وميضها في قطر، حيث لجأ إليها أفراد من (الإخوان) أُخرجوا من مصر أو خرجوا منها، فتبنّاهم حاكم قطر الأسبق، الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني، الذي اعتبر (الإخوان) سلفيين مسلمين اضطُهدوا في ديارهم فلجأوا إلى بلده وعليه نصرتهم، وكان الشيخ علي (رحمه الله) أميراً مسلماً شديد التديّن ويُقرِّب إليه أهل العلم، ولم يكن منغمساً في أمور السياسة خارج إطار بيئته البسيطة، وجاء إليه أفراد من الإخوان المسلمين، بينهم رجلان لهما مكانتهما في جماعة الإخوان، وهما الشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبد البديع صقر، ولعب هذا الأخير دوراً قيادياً نُفِع به (الإخوان)، وتولّى الشيخ عبد البديع مركز المستشار لحاكم قطر ومديراً لدار الكتب القطرية التي تم تأسيسها في تلك السنين».

مظاهرات في اسطنبول مؤيدة لجماعة الإخوان
مظاهرات في اسطنبول مؤيدة لجماعة الإخوان

تنظيم الإخوان في قطر: من التنظيم إلى التيار

في الوقت الذي انتشر فيه الإخوان من الجنسيات العربية المعروفة، لم يكن أمام التنظيم القطري متنفس حقيقي، لأسباب ترتبط بطبيعة التدين القطري، الذي يغلب عليه الطابع السلفي التقليدي، أو يداعب جماعات التبليغ والسياحة في الدعوة. ولكن ثمة تنظيم حاول الباحث عمر عاشور رصده، ولكنه تنظيم يظهر أكثر واقعية، إذ في خضم العمل الكبير للتنظيم الدولي، ولتبني الدولة لمشروع «تنظيم إسلامي»، أدرك إخوان قطر ضآلة دورهم وضرورة تحوّلهم إلى ترس في العجلة الكبيرة، التي لا يفهم أحد كيف تدور، ولكنها تأتي بنتائج كبيرة، وكان هذا التخلّي أو الذوبان، تحت اسم «التحوّل إلى تيار في المجتمع». هذا الذوبان والإعلان عنه كان فقرة مذهلة في تطوّر التنظيم، ينسب فضل الإفصاح عنها لأحد مفكري الدوحة والناشطين في عملياتها الفكرية، وهو الدكتور جاسم سلطان، الذي درس الطب في القاهرة في منتصف السبعينات.

تكوَّن جاسم سلطان – وعلى خلاف التكوين التقليدي للكوادر الإخوانية – بمزيج من الثقافة الإسلامية، والاطلاع على العلوم الإنسانية، فبالإضافة لقراءته الكتب الإخوانية التقليدية لسيد قطب وسعيد حوى وفتحي يكن وغيرهم من كتّاب الإخوان، فإنه «حين كان يدرس الطب، كان اهتمامه كبيراً بالعلوم الإنسانية والأدب، وربما هذه الاهتمامات الإنسانية كانت أكبر من اهتمامه بالطب»، كما يقول عن نفسه. وأيضاً ساهم اطلاعه على الأفكار السياسية المختلفة في الساحة العربية، في وعيه بأهمية دراسة التراث الإنساني من الشرق والغرب: «بدأنا أكثر وعياً بالاتجاه إلى قراءة توينبي، وهيغل ومفكّري عصر النهضة والتنوير وتراثهم المتعلق بالنهضة والحراك الاجتماعي، ومع امتداد التحوّلات الكبرى باتجاه الصين وآسيا بدأتُ أيضاً بدراسة هذه التجارب»، كما يتذكّر سلطان.

دعم جماعة الإخوان في اسطنبول  للرئيس التركي
دعم جماعة الإخوان في اسطنبول للرئيس التركي

يوجد قطاع كبير من الإسلاميين الذين يدّعون أنهم لم يتأثروا بالتكوين الإخواني التنظيمي ولا حتى الفكري الدقيق، وإنما جمعتهم العاطفة، هؤلاء هم الذين خرج المرشد عمر التلمساني من السجن ليجدهم قد ملأوا الساحة ونافسوا الإخوان، فبعد أن سرق تنظيم سيد قطب المتشددين فتناسلت عن أفكاره الجهاد والهجرة وغيرهما، ها هي تنظيمات أخرى تسرق المتعاطفين ومن يحبون إطلاق «الدعويين» على أنفسهم، فقام التلمساني باحتواء عدد كبير من هؤلاء، كما يروي الإخواني السابق عبد الستار المليجي، ومن بين هؤلاء يضع جاسم سلطان نفسه، ومعه عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان. هذا السيناريو ينتقده المتشائمون، مؤكدين على أن الإسلام السياسي ملّة واحدة، وأنّ التجربة أثبتت أن العريان قد يكون أكثر تنظيميةً حتى من المرشد محمد بديع نفسه، حتى وإن كان الأخير أحد الذين أُلقي القبض عليهم يوماً رفقة سيد قطب!

على أي حال، يحاول الدكتور عبد الله النفيسي الترويج لهذه الرواية، بتلميحات جيّدة الدلالة، يعتمد عليها للحديث عن مراجعات عريضة في التيار الإسلامي كافة، فإثبات التعدد هو أحد المخارج الرئيسية التي يعتمدها الأذكياء في السياسة الإخوانية، لتبرير الأخطاء، أو التبرؤ من أخطاء التنظيم الدولي، فحينما يقوم الإخوان بتأييد الخميني، وليصبحَ ذلك موقفاً جزئياً، يصير من المهم للخليجي أن يضع لانتمائه للإخوان قصة مختلفة توجد فيها أشياء تميّزه عن بعض الذين بايعوا الخميني، وحينما يقوم التنظيم الدولي بتأييد غزو العراق للكويت، يمكن أيضاً تفصيل فكرة أو فكرتين اعتماداً على قاعدة التعدديات الجدلية والروايات المتناحرة. ومن هذا الباب جاءت الرواية التي تقول إن الجدل الداخلي استمرّ في الجماعة القطرية، وانتهى في عام 1999م إلى قرارٍ حاسم، اتخذه مجلس شورى الجماعة بحلّ الجماعة لنفسها، واندماج أفرادها في مؤسسات المجتمع المدني القائمة، وتكوين تيار إسلامي نهضوي بدل البقاء في هرمية تنظيمية. هذا القرار الذي أحدث جدلاً كبيًرا، اتخذ (بحسب الرواية السائدة) عبر قرارٍ حُرٍ داخلي للجماعة، وتتويجاً لمراجعات طويلة ونقد ذاتي عميق. إلا أن هناك من يسرد رواية أخرى، فيشير الزميل طارق المبارك، في مقالٍ في «الشرق الأوسط»، إلى أن «قول عبد العزيز آل محمود أن بعض القيادات تخوّفَت مما يحصل في المنطقة من ملاحقة لجماعات الإخوان، ورأى أن الأفضل هو تجنّب المواجهة. وتشير رواية آل محمود وروايات إخوانية أخرى إلى أن قرار الحل تم اتخاذه في ظل رفض بعض القيادات في الجماعة، وذهب البعض لمقابلة أحد أهم المرجعيات الفكرية والروحية للجماعة، وهو الشيخ يوسف القرضاوي، الذي استاء من قرار جاسم سلطان ومَن معه. وأعاد الرافضون بناء هيكلية الجماعة من جديد، بينما واصل من تبنّى قرار الحل العمل كتيار عام لا تجمعه هيكلية تنظيمية هرمية». كانت رؤية الرافضين نابعة عن تمَسُّكٍ بالمنهج الإخواني التقليدي المتشبث بفكرة التنظيم، الذي عبّر عنه محمد حبيب (نائب مرشد الإخوان سابقاً)، حين علّق على قرار حل جماعة إخوان قطر لنفسها قائلا: «التنظيم يُحدّد البوصلة والأصول حتى لا يتم فقدان الحركة والمنهج… وهذه الدعوة – التحوّل من تنظيم إلى تيّار – أثبت الواقع فشلها»، بينما رأت المجموعة التي دافعت عن قرار الحل والتحوّل إلى تيار، أنه في الحالة التي كانوا فيها وجدوا أنه لا داعي لوجود التنظيم، أو أن المجتمع لا يحتاج لهذا النمط، وهذا أمر غير مُعمَّم في كل المجتمعات، فكل مجتمع له ظروفه الخاصة… وأن التيّار تشَكُّل طبيعي، وفيه أفراد ومنظمات ومبادرات وأعمال تقوم بها جموع المجتمع، ولبعضها خطٌّ ناظم فكرياً، وليس تنظيمياً محدداً… بينما فكرة التنظيم الشمولي هي وهم، لأنها تَشَبُّه بالدولة، وليس بأي دولة، إنما بالدولة الشمولية التي سقطَت بسبب شموليتها، كما يقول جاسم سلطان عرّاب المراجعات.

الشيخ يوسف القرضاوي
الشيخ يوسف القرضاوي

الحلقة الثالثة من المسلسل: العقد الخفي… شراكة

يشير آخرون إلى أن علاقة الإخوان بقطر قد انحسرت بعض الشيء إبان حكم الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني (1972 – 1995)، إذ إنه كان يحاول أن يجعل لحكمه ميولاً نحو العرب، إلا أن البريطانيين ونخبة من القطريين قد أحبطوا مساعيه. فقد شهدت فترة التسعينات اضطرابات كثيرة في قطر بالداخل، وكذلك في علاقتها مع دول الشرق الأوسط، إبان استثمار قطر في إنشاء قناة «الجزيرة» التي تهيمن عليها نظرة الإخوان المسلمين، وانسحاب قطر من قمة مجلس التعاون في 1994، إثر ترشيح السعودي جميل الحجيلان ليكون السكرتير العام لدول مجلس التعاون الخليجي.

وجاء التأكيد على أن علاقات الشيخ حمد بالإخوان، قد وضعت قطر في مواجهة مباشرة مع عدة دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولا سيما مصر والسعودية والإمارات، الدول التي ترى أن الدوحة، لا تُروّج للإصلاحات السياسية – كما تزعم- و بسرعة كبيرة مما يعرض المنطقة كلها لأخطار، بل إن الدوحة كذلك تنحاز إلى قوى تعد ضارة بالأمن الجماعي لمجلس التعاون.

وضاح خنفر، الإعلامي الإسلامي القادم من الأردن عبر السودان، يُمثّل قصة من ضمن قصص متمّمة تشرح لمن يريد كيف صار الإخوان استثماراً قطرياً، كما يوضّح أن ثمة شراكة تم عقدها، فخنفر تحوّل من إسلامي محلي، أو مجرّد مدير مكتب الأمين العام للمؤتمر الشعبي الإسلامي بالخرطوم، إلى مراسل لقناة «الجزيرة»، ثم راسمٍ لمشروع شبكة «الجزيرة» بمنصات الإعلام الرقمي الكبرى، والذي عبره تتحكّم «الجزيرة» بمساحة معتبرة من الدعاية القطرية.
لقد شهد العام الذي أعقب تدشين قناة «الجزيرة»، صراعاً ناعماً بين قطر ومصر، تُوّج بزيارة رئيس المخابرات المصري عمر سليمان إلى الدوحة ليطالب بوضع نهاية للشبكة «الدعائية». وفي ذات الوقت، كوّنت قطر علاقة مع حكومة السودان، التي على رأسها تنظيم الجبهة الإسلامية، الذي كان عائماً في أحلام تصدير «ثورته» هو الآخر، ومضت قطر تتحالف مع كل نظام إسلامي إخواني، من إردوغان، إلى إسماعيل هنيّة، مروراً بمرسي، وصولاً إلى الأحزاب الفردية ما دامت قريبة للإسلام السياسي، حتى ولو كانت شيعية. كما أسست لعلاقات قوية مع تركيا، تعزّزَت إثر صعود مرسي للحكم في مصر ودعم وتمويل كلا الدولتين للإخوان هناك.

الشيخ عبد المعز عبد الستار أحد دعاة جماعة الإخوان – توفي في الدوحة إبريل 2011
الشيخ عبد المعز عبد الستار أحد دعاة جماعة الإخوان – توفي في الدوحة إبريل 2011

الإخوان شوكة في خاصرة الاعتدال العربي… بل شوكتان

أصبحت بعض الدول العربية تعتبر قطر مصدر عدم استقرار في المنطقة، كما يتّضح من المسؤولين في القاهرة، الذين يُحمّلون قطر والإخوان المسلمين مسؤولية تفجير الكنيسة القبطية الرئيسية في المدينة، في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2016، والذي أسفر عن مقتل 25 شخصاً وإصابة 35 آخرين. وفي فبراير (شباط) 2016، رد الجيش المصري على قتل «داعش» لواحد وعشرين قبطياً مصرياً في ليبيا بشنّ غارات على مواقع في تلك الدولة الواقعة في شمال أفريقيا. ومع أن جامعة الدول العربية أيّدَت مبادرة القاهرة، فقد تحفّظ المسؤولون في الدوحة، بسبب تصرف القاهرة الأحادي الجانب وتهديد الليبيين الأبرياء بحد قولهم، في الوقت الذي تؤيد فيه الدوحة الحكومة العلمانية المعترف بها دولياً في طبرق. انتقد دبلوماسي مصري رفيع المستوى قطر، واتهمها بدعم «الإرهاب»، مما دفع الدوحة إلى استدعاء سفيرها لدى القاهرة.

جردة حساب

لم يجلب استثمار قطر في الإخوان عائدات مهمة، بينما شكّل انتخاب محمد مرسي في مصر، كأول رئيس إخواني منتخب ديمقراطياً، انتصاراً كبيراً للدوحة، ثم ما لبث أن وجّه سقوطه ضربة قوية لأجندة السياسة الخارجية لقطر. وتستضيف قطر شخصيات إسلامية مثيرة للجدل لتعزيز مصالحها الخاصة. وكثيراً ما برزت الفوائد المتصوَّرة لهذه السياسة، على نحوٍ متناقض مع العداء الذي لا داعي له على ما يبدو في علاقة الدوحة مع دول مجلس التعاون.
القطريون يظنون أن السيطرة على جماعة الإخوان المسلمين تعني بالضرورة منحهم فرصة تاريخية في المستقبل لوضع بصمة على العالم الإسلامي كله، فهم يدركون أن سلاطين بني عثمان بدأ حكمهم للعالم الإسلامي برعايته لمدينة لا تزيد مساحتها على مساحة قطر، وسرعان ما توسّعوا باستخدام «مشروع» روحي أعقبه مشروع عسكري توسّعي. والإسلاميون يظنون أن المال القطري لا يمكن أن يعوَّض في هذه المرحلة، فلا بد لهذه الشراكة من أن تستمر، وفي سبيل ذلك يقدّم المفكّرون الكثير من الدعاية الأخلاقية والمشاريع التطويرية، على أمل أن تجعل الحساب متعادلاً والخسارات متحمّلة، ولكن كل هذا تغيّر بعد أن وضعت الرياض خطوطها العريضة بحزمٍ لا جدال فيه، فأصبحت المسألة تنتهي إلى اتجاه واحد لا خيارات فيه.

* باحث وكاتب سوداني

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.