• العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

معضلة لاجئي «حزب الله»

عناصر أمنية لبنانية تراقب مغادرة اللاجئين السوريين بلدة عرسال الحدودية والقريبة من منطقة القلمون السورية في 12 يوليو الحالي (غيتي)

سلوكيات عنصرية ضد السوريين وكان آخرها حرق المخيمات

عناصر أمنية لبنانية تراقب مغادرة اللاجئين السوريين بلدة عرسال الحدودية والقريبة من منطقة القلمون السورية في 12 يوليو الحالي (غيتي)
عناصر أمنية لبنانية تراقب مغادرة اللاجئين السوريين بلدة عرسال الحدودية والقريبة من منطقة القلمون السورية في 12 يوليو الحالي (غيتي)

* يشدد اليوم الكثير من اللبنانيين على لوم اللاجئين وإجبارهم على العودة إلى بلادهم

واشنطن- حنين غدار*

حين كان الجيش اللبناني يهاجم بلدة عرسال اللبنانية، حيث يقيم أكثر من سبعين ألف لاجئ سوري، كانت قد بدأت حملة مناهضة لوجود اللاجئين السوريين، مما زاد الأمر سوءاً. ونتج عن ذلك حرق مخيميْن للّاجئين في البقاع، مع مئات الخيام، والمزيد من الضغط السياسي لإعادة اللاجئين إلى سوريا. وبعد يومين تم تسريب الكثير من الصور في لبنان ظهر فيها عشرة من اللاجئين المعتقلين الذين ماتوا أثناء احتجازهم.

«حزب الله» يدعو للتنسيق مع النظام السوري لتسهيل عودة اللاجئين إلى بلدهم

وبينما يزرع هذا الضغط الذعر في قلوب اللاجئين السوريين في لبنان فإن «حزب الله» يدعو الحكومة اللبنانية الآن للتنسيق مع النظام السوري لتسهيل عودة اللاجئين إلى بلدهم.
من الصعب جداً أن يكون الشخص لاجئاً في لبنان، ويأمل معظم اللاجئين السوريين كل يوم أن يعودوا إلى ديارهم وحياتهم الطبيعية. فقد جاءوا إلى لبنان فقط لأن «حزب الله» اللبناني المزعوم قرر أن يذهب ويقود الحرب مع النظام السوري. وتقع معظم المدن والبلدات التي اقتحمها «حزب الله» على طول الحدود اللبنانية أو بالقرب منها. والنتيجة كانت فرار الكثير من السوريين الذين يعيشون في هذه البلدات والقرى إلى لبنان للبحث عن ملجأ من «حزب الله» وقوات النظام.

والآن يقوم «حزب الله» وحلفاؤه اللبنانيون بتصعيد الخطاب المناهض للّاجئين بحيث يلومهم على جميع العلل التي يعاني منها لبنان مثل البطالة وأزمة المياه وعدم الاستقرار السياسي وحتى أزمة القمامة. ويشدد اليوم الكثير من اللبنانيين عل لوم اللاجئين وإجبارهم على العودة إلى بلادهم. وقد زادت السلوكيات العنصرية ضد السوريين، وكان آخرها حرق المخيمات.

التغيرات الديموغرافية

وبطبيعة الحال، لا يمكن للّاجئين السوريين الذهاب إلى أي مكان. فقد تأكد «حزب الله» من أن مدنهم من القلمون إلى قصير وحمص لم تعد «موطناً لهم». فمع التغيرات الديموغرافية التي سعت لها إيران على مدى السنوات الأربع الماضية في سوريا – وخصوصا داخل الممر البري الذي يربط الساحل بالحدود اللبنانية – استولى «حزب الله» على أراضي ومنازل اللاجئين وعلى ممتلكاتهم، وأحضر عائلات شيعية من العراق ومناطق أخرى من سوريا للسكن في هذه الممتلكات. وفي بعض الحالات، أجبر «حزب الله» النظام السوري على تزوير وثائق عقارية للتأكد من أن اللاجئين لا يستطيعون المطالبة بمنازلهم في حال تمكنوا من العودة.
لا يمكن للاجئين العودة. لقد عمل «حزب الله» على ذلك وتأكد من عدم حصول هذا الأمر. إلا أن اللاجئين هم مشكلة «حزب الله» اليوم في لبنان. وتعد معضلة «حزب الله» صعبة إذ إنهم لا يريدون للّاجئين أن يعودوا لأن مدنهم استراتيجية جداً لإيران، كما أنهم لا يريدونهم في لبنان بسبب التهديد الديموغرافي والأمني الذي يشكلونه لبلدهم.

ولأن معظم هؤلاء اللاجئين من الطائفة السنة فهذا يسبب اختلالاً ديموغرافياً في لبنان، ويُشعر الشيعة والمسيحيين بالتهديد.
ولكنّ المشكلة بنظر «حزب الله» أبعد من ذلك. فمع تصاعد القتال ضد «داعش» في سوريا، وفي حين يحرّك «حزب الله» ميليشياته للاستيلاء على المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، يخشى في المقابل من أن يقوم مقاتلو «داعش» وقياداتهم بالمثل في لبنان. وعلى الرغم من أن اللاجئين السوريين كانوا محصنين حتى الآن من دعاية «داعش»، فإنه يمكن لنسبةٍ ضئيلةٍ من الشباب الغاضبين التسبب في أضرارٍ جسيمة. ويشعر «حزب الله» بالقلق من أن يستفيد «داعش» من هذه المجموعة الصغيرة الغاضبة من اللاجئين السوريين الشباب للتحرك ضده في لبنان. ويعتبر الحل المنطقي لهذا التهديد الأمني على لبنان هو أن ينسحب بالطبع «حزب الله» من سوريا ويسمح للّاجئين بالعودة إلى ديارهم وعدم التدخل بشؤون أحد.

سيطرة «حزب الله» في سوريا

وهذا لن يحدث بالطبع لأن «حزب الله» لا يتصرف على أساس مصلحة لبنان؛ إذ دائماً يتعلق الأمر بإيران وما تريده. لذلك فسيعاني اللاجئون السوريون من أوضاع أسوأ في لبنان الآن ويتعرضون لضغوطٍ كافية ليدركوا أن العيش في ظل نظام بشار الأسد وسيطرة «حزب الله» في سوريا أفضل بكثير من البقاء في لبنان. عندها سيقبلون بشروط «حزب الله» للعودة، ولكن ليس إلى منازلهم، ولكن حيث يريد «حزب الله» لهم أن يكونوا. وهذه هي خطة «حزب الله» للاجئين منذ البداية، والآن وبعد أن تم الاستيلاء على الأراضي التي كان يسيطر عليها «داعش» فحان الوقت للتعامل مع اللاجئين في لبنان.
وفوراً بعد غارة عرسال التي أسفرت عن اعتقال 400 لاجئ سوري، جاء الأمين العام لـ«حزب الله» ليهنّئ الجيش اللبناني ودعا الحكومة اللبنانية إلى البدء بالتنسيق مع الحكومة السورية لتسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

ومن الواضح جداً أن اللاجئين السوريين سيعيشون أوضاعاً أكثر رعباً في لبنان خلال هذه الفترة، ومن الواضح أيضاً أن الضغط السياسي على الحكومة اللبنانية لتنفيذ ما طلبه «حزب الله» سيتزايد أيضاً في الأسابيع المقبلة. فسيقاوم بعض السياسيين اللبنانيين، وقد لا تمتثل الحكومة لهذه المطالب، ولكنّ الضغط سيكون فعلياً.

وستكون تداعيات ذلك ضخمة، ليس فقط على اللاجئين، بل أيضاً على لبنان. فالعمل العدواني غالباً ما يؤدي إلى رد فعل عدواني. وقد أظهر السوريون صبراً وهدوءاً ملحوظيْن في مواجهة العنصرية والعداء. ولكن من الطبيعي أن يتجهوا إلى العنف للدفاع عن أنفسهم، خصوصاً إذا أُجبروا على العودة إلى العيش في ظل وحشية الأسد. هكذا تم تمكين «داعش» و«جبهة النصرة». ووصل مقاتلو الجيش السوري الحر المهمشون إلى مستوى من اليأس بحيث تم وضعهم أمام خيارين: إمّا الموت وإما القتال في صفوف الفصائل الإسلامية.

حرب محتملة بين «حزب الله» وإسرائيل

ولكن هذا ليس كل شيء؛ ففي الحرب المحتملة بين «حزب الله» وإسرائيل – سواء بدأت في سوريا أو لبنان – لن ينجو جنوب لبنان والبلدات الشيعية في البقاع. وسيحاول مئات الآلاف من اللاجئين الشيعة الفرار للبحث عن ملجأ في مناطق أخرى من لبنان، أو ربما في سوريا (حيث يسيطر «حزب الله» والنظام السوري). تخيل السيناريو الذي سيحتاج فيه اللاجئون السوريون واللاجئون الشيعة إلى تقاسم الموارد والمساحات. ومن المرجح أن ترتد الخطابات الطائفية ضد اللاجئين السوريين على اللاجئين الشيعة، ومن المرجح أن يؤدي التوتر الطائفي إلى حدوث اشتباكات خطيرة.
وعندما يُعتبر جميع اللاجئين السوريين إرهابيين محتملين، سيُعتبر جميع الشيعة أعضاء محتملين في «حزب الله». وعندما يتم توجيه اللوم إلى جميع اللاجئين السوريين بسبب الصعوبات التي يواجهها لبنان، سيتم إلقاء اللوم على جميع الشيعة بسبب الحروب والمشكلات القادمة. وعندما يقرر «حزب الله» شن حملة الكراهية ضد اللاجئين السوريين، فعليهم أن يتوقعوا شن هذه الحملة ضد الشيعة عندما يصبحون لاجئين. لا يمكنك حماية نفسك من وحشٍ أنشأته. يعرف «حزب الله» ذلك بالطبع، ولكن يبدو أن التداعيات ضد الشيعة اللبنانيين أو لبنان بشكلٍ عام ليست أولوية لـ«حزب الله».
يريد اللاجئون العودة إلى ديارهم ولكنهم لا يستطيعون العودة إذا كان «حزب الله» في سوريا، أو إذا كان الأسد في دمشق، ولا يثقون بضمانات «حزب الله». فإذا كان حلفاء «حزب الله» اللبنانيون، وتحديداً رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي كان رأس الحربة في الحملة، يريد عودة اللاجئين إلى سوريا، فسيضطر ببساطة إلى إعادة توجيه جهوده لإقناع حلفائه في «حزب الله» بالانسحاب من سوريا. وإلا فإن العواقب ستكون قاسية جداً على لبنان واللبنانيين.

*حنين غدار: زميلة زائرة في «زمالة فريدمان» الافتتاحية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.