استراتيجيات «التمرد» القطرية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف

استراتيجيات «التمرد» القطرية

الدوحة تفشل في إنقاذ «الإخوان» من السقوط

* سعت قطر لتأدية أدوار لافتة على المسرح الإقليمي منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الحكم، انطلاقاً من مجموعة مداخل صاغت المفهوم القطري لنظرية الدور الإقليمي الذي يستجيب لعدم التناسق بين القدرات الديموغرافية والمحددات الجغرافية.
* رغم الضغوط الإقليمية التي مارستها عدد من بلدان الخليج خلال السنوات الماضية، فإن الاستجابة القطرية كانت تكتيكية، أفضت إلى انتقال عدد قليل من شخصيات الإخوان من قطر، إلى أنقرة، في محاولات لـ«شراء» الوقت واستيعاب «غضب» دول الجوار الخليجي.
* بعد اندلاع الثورات العربية، اضطلعت قطر بالتنسيق مع طهران، من أجل دعم حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، سيما بعدما قادت المظاهرات في بلدان «الربيع العربي».
* رغم المحاولات العربية لإثناء قطر عن الاستمرار في انتهاج سياساتها، لجأت القيادة القطرية إلى «شركات ضغط»، ومؤسسات «علاقات عامة»، و«كتائب إلكترونية» معروفة، من أجل تحسين صورتها على الساحة الإقليمية والدولية.
* وصلت الدوحة إلى درجة من العلاقات المتشابكة والمعقدة مع جماعة الإخوان على نحو بات يدفعها إلى تقديم تنازلات سيادية لأطراف دولية، والامتناع عن تحقيق توافقات سياسية مع جيرانها العرب والمسلمين.

أنقرة – محمد عبد القادر خليل

تسير خطى قطر نحو اتجاه مختلف، وسرب مغاير يستهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتعزيز حوافز التناحر الأهلي في المجتمعات العربية، بناء على ديمومة الدعم لأجندات غير وطنية تقوم على أفكار تتبناها جماعات متطرفة وتيارات راديكالية تصنف بمقتضى قوانين الكثير من البلدان الخليجية والعربية، بحسبانها جماعات إرهابية. فقد امتنعت الدوحة عن الاستجابة لقائمة المطالب التي قدمتها لها كل من المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، ومملكة البحرين، والتي تركز جوهرها حول إعادة تأهيل علاقات الدوحة بمحيطها العربي، وإنهاء أثر سياساتها التي عكست تنامياً مطرداً للروابط مع قوى متطرفة، وإنهاء فصول علاقاتها المتشعبة والمتعددة المستويات مع جماعة «الإخوان»، التي تشكل خطراً أمنياً، وفق مدركات التهديد بالنسبة للكثير من دول الإقليم.

بيد أن التلكؤ القطري والرهان على عامل الوقت لضمان استمرار علاقات متشابكة ومعقدة مع جماعة الإخوان نسجتها عبر عقود خلت وداعميها من دول وتيارات وعناصر، بات يدفع بالحاجة إلى إعادة تفكيك استراتيجيات قطر الإقليمية، وموضع جماعة الإخوان منها، بحسبان ذلك يشكل، وفق الكثير من التقديرات والاتجاهات، «نقطة ضعف» هيكلية في سياساتها الخارجية، كونه يعكس نمط الاتجاهات الآيديولوجية للقيادات القطرية.

لقد كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقرباً من المصري، يوسف القرضاوي، المرشد الروحي لـ«الإخوان المسلمين» الذي يقيم في الدوحة منذ عام 1961، والذي سُخرت له قناة «الجزيرة» وأخواتها كمنصة للترويج لآرائه واتجاهاته، بالإضافة إلى الكثير من الشخصيات التي ترتبط بجماعة الإخوان، بهدف تعزيز الآيديولوجيا الثيوقراطية للجماعة. وقد عكس الموقف القطري، على جانب آخر، اعتباراتها الاستراتيجية، والتي تنطلق من أن هذه الجماعة بينما تشكل تهديداً للكثير من البلدان العربية، فإنها في الوقت نفسه تمثل أداةً توظيفُها قطرياً يسهم في الاضطلاع بأدوار رئيسية على الساحة الإقليمية.

مداخل رئيسية لتفكيك علاقات قطر بـ«الإخوان»

سعت قطر لتأدية أدوار لافتة على مسرح العمليات الإقليمي خلال العقدين الخاليين، وبالتحديد منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى الحكم، وذلك انطلاقاً من مجموعة مداخل متكاملة صاغت المفهوم القطري لنظرية الدور الإقليمي الذي يستجيب لعدم التناسق بين القدرات الديموغرافية والمحددات الجغرافية من ناحية، وبين أهدافها السياسية و«إمكانياتها الهيدروكربونية» من ناحية أخرى، عبر محاولة عدم التعايش أو «التمرد» على نقاط الضعف الهيكلي وتحويلها إلى نقاط قوة مُتخيلة.

وقد ارتبط المدخل الأول بالتغاضي عن عقدة «النقص» التاريخية، كون الدوحة تمثل واحدة من أصغر دول العالم، وتتمتع في الوقت نفسه بإمكانيات هيدروكربونية ضخمة. وقد جاء ذلك عبر استراتيجيات استهدفت دعم الفواعل الدينية في البلدان العربية، وفى مقدمتها جماعة الإخوان، بحسبان توفير الدعم المالي والسياسي لهذه الجماعة يرتبط بالرهان على قدرتها على الاضطلاع بأدوار رئيسية على أكثر من ساحة عربية، كونها تستخدم الاقتراب الديني في تحقيق غاياتها من العمل السياسي.

فيما ارتبط المدخل الثاني، بالانقلاب على مقتضيات الاستقرار الذي تفرضه حساسيات وقوع الدول الصغيرة إلى جوار قوى إقليمية كبرى. فبدلا من التعايش مع المملكة العربية السعودية ومصر وتوثيق العلاقات معهما من خلال إيجاد أطر لتعظيم المنافع المتبادلة، عملت قطر على إيجاد ما يطلق عليه «الموازن الموضوعي» الخارجي، من خلال «طلب الحماية المستترة»، وهي استراتيجية اتبعتها منذ عقود خلت. فقد لجأت لبريطانيا للحماية من الدولة العثمانية، ووثقت علاقتها معها بعد ذلك لموازنة الدور السعودي الذي اعتبرته مركزياً في منطقة الخليج، ثم تحولت إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستضافت قاعدة عسكرية أميركية تُعد الأكبر في المنطقة.

وقد ارتبط بذلك تنويع استراتيجيات الحماية. ففي حين لجأت قطر للولايات المتحدة للتعاطي مع ما تعانيه من «معضلة الأمن»، فإنها لم تنصرف عن توثيق علاقاتها مع حليفتها القديمة، بريطانيا. وحينما فرضت عليها دول الخليج تعديل مقارباتها الإقليمية وفق توافقات عام 2013 واتفاقيات عام 2014، اندفعت لتنويع أنماط تحالفاتها الإقليمية والدولية، عبر استثمارات تجارية تتصاعد سنوياً في روسيا، والعمل على توثيق العلاقات مع فرنسا وألمانيا، والدخول في شراكة استراتيجية مع أنقرة ذات أبعاد أمنية، أثمرت لقاء زعيمي الدولتين، منذ عام 2013، نحو 15 مرة، وتأسيس قاعدة عسكرية تركية في الدوحة، من المقرر أن تشمل ما يتجاوز نحو 5 آلاف جندي تركي، أي تقريبا نصف عدد الجنود الأميركان الموجودين في قاعدة العديد (11 ألف جندي).
وبدافع تحقيق توازن يضمن عدم الاستجابة للمطالب العربية التي قُدمت للدوحة بعد 5 يونيو (حزيران) 2017 بشأن إعادة النظر في نمط علاقاتها مع التيارات الراديكالية، لجأت قطر إلى الحد من أثر الموقف الفرنسي، والذي بدا أقرب إلى تبني رؤية دول «التحالف الرباعي»، عبر استدعاء الحضور الألماني، من خلال توظيف «اقتراب الحماية» ذاته.

وانطلاقا من الاستعداد للخضوع للوصاية الدولية، وتصوير المطالب العربية كنوع من «الوصاية الإقليمية» المرفوضة، أعلنت عن اتفاقها مع برلين لكشف جميع أوراقها ووثائقها السرية لأجهزة الاستخبارات الألمانية، حول الشخصيات والهياكل والجماعات المتطرفة والإرهابية المرتبطة بها. بيد أنها، وحين تحركت في هذا الإطار، أشاعت أن سياساتها قائمة على دعم الإخوان، باعتبارها بديلا للجماعات الجهادية التي تعاني البلدان الأوروبية من تصاعد أدوارها، جراء ارتدادات تزايد مظاهر انتشارها في الشرق الأوسط. وبينما ادعت أن علاقاتها مع البلدان الغربية ترتبط بالتوجه لتعزيز «استقلالية» السياسة الخارجية، فإن المحصلة النهائية أوجدت واقعياً عكس ما ادعته القيادة القطرية.

هذا فيما تعلق المدخل الثالث، بـ«أمننة» السياسة الخارجية القطرية، حيث أُعد الاقتراب الأمني حيال الدول العربية الأخرى، بحسبانه الاقتراب الأنسب بالنسبة لمعتقدات نخبة الدوحة وقياداتها. فقد أقدمت قطر على تدعيم الأحزاب السياسية والميليشيا المسلحة والجماعات المتمردة، بصرف النظر عن أطيافها السياسية والدينية والمذهبية، وفي نفس الوقت دعمت كل العمليات العسكرية التي استهدفت بلداناً عربية.
وعلى الرغم من الضغوط الإقليمية التي مارستها حيالها عدد من بلدان الخليج خلال السنوات الماضية، فإن الاستجابة القطرية كانت في غالب الأحيان تكتيكية، أفضت في أوقات كثيرة إلى انتقال عدد قليل من شخصيات الإخوان من عاصمة الجماعة الاقتصادية، حيث قطر، إلى عاصمتهم السياسية، حيث أنقرة، وذلك في محاولات لـ«شراء» الوقت واستيعاب «غضب» دول الجوار الخليجي، دون أن يترتب على ذلك توجه خالص للوفاء بالتزاماتها بشأن عدم انتهاك سيادة دول عربية، وهو ما اشتكت من ارتداداته الأمنية السلبية أكثر من بلد عربي كمصر، والعراق، وليبيا، وسوريا.

وقد تعلق المدخل الرابع، بالتركيز القطري على القدرة الاقتصادية والموارد المالية لمواجهة الضغوط الإقليمية والدولية التي استهدفت تعديل مسار سياساتها الخارجية، وفك ارتباطها بتيارات العنف السياسي، سيما جماعة الإخوان المسلمين. وفي هذا السياق، أشار وزير المالية القطري، علي شريف العمادي، إلى الاحتياطي المالي الضخم، الذي تم توفيره من عائدات الغاز الطبيعي على مدى عقود، يعنى أن بإمكانها تحمل المقاطعة. وأضاف العمادي: «لدينا صندوق الثروة السيادي بقيمة 250 في المائة من إجمالى الناتج المحلي، ولدينا بنك قطر المركزي، ولدينا الاحتياطي الاستراتيجي لوزارة المالية». وعلى جانب آخر، فإن القيادة القطرية سعت لامتلاك أدوات ضغط مقابلة لعدم التخلي عن جماعة الإخوان، عبر زيادة علاقاتها مع طهران، في مسعى ابتغت منه مضاعفة هامش الحركة الخارجية، وتعزيز القدرة على المناورة في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية.

وتشير تقديرات غربية إلى أن الدوحة تعزز علاقاتها السياسية والعسكرية مع طهران، في ظل التشارك في حقل غاز الشمال، والذي يعد أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، سيما أنها تعتبر استراتيجية «المرور السلس» من مضيق هرمز البحري قضية رئيسية في تفسير أنماط تحركاتها المكثفة حيال الدولة الإيرانية، وما يتبعها من تنظيمات، مثل «حزب الله» في لبنان، وجماعة الحوثي في اليمن، وهو توجه لا ينفصل عن سياسات دعم الفاعلين من دون الدولة (Non – state actors) كجماعة الإخوان ذات الموقع المركزي في تحركات قطر الخارجية.

الشيخ تميم بن حمد
الشيخ تميم بن حمد

الأدوات القطرية واستراتيجية دعم «الإخوان»

راهنت قطر على الكثير من الأدوات التي يمكن أن يسهم توظيفُها في مضاعفة إمكانيات استيعاب الضغوط الإقليمية والدولية التي استهدفت إنهاء علاقاتها مع التيارات المتطرفة. وقد ارتبطت هذه الأدوات بعدد من الاستراتيجيات، منها إعلان الاستعداد للتفاوض حيال قضايا الخلاف التي تثيرها توجهات الدوحة الخارجية، وسياسات الإنكار الدائم لنمط الروابط السياسية، ومظاهر الدعم المالي والتسليحي لمجموعات وتيارات جهادية، مع إظهار استجابة شكلية لا جوهرية، بناء على سياسة تستهدف دوما تقديم «تنازلات مؤقتة»، لا تحقيق توافقات دائمة.

وقد أكدت الخبرة التاريخية ذلك. فعلى الرغم من تداخل الملفات العالقة بين المملكة العربية السعودية وقطر بسبب السياسات التحريضية لشبكة قنوات «الجزيرة» المملوكة للحكومة القطرية ودعمها للتيارات المتطرفة منذ تسعينات القرن الخالي، بما أفضى إلى إقدام القيادة السعودية عام 2002 على «تعليق العلاقات»، فإن رهان القيادة القطرية ظل واضحاً أنه يرتكز على عامل الزمن وتقادم الملفات لترجيح التهدئة بفعل المقاربات التوافقية التي تتبعها دوماً القيادة السعودية، وهو ما أفضى بالفعل إلى تحسن تدريجي في الروابط المشتركة، سيما بعد عام 2008.

بيد أن إقدام الدوحة على تكثيف سياساتها التقليدية في دعم الجماعات المتطرفة أدى مرة أخرى إلى اندلاع أزمة عام 2014. ورغم تسوية الأزمة آنذاك، وفق اتفاقيات خليجية مكتوبة وتعهدات خطِّية من الأمير القطري، تميم بن حمد آل ثاني، كشفتها قنوات «CNN» الأميركية أخيراً، فإن عودة الإخلال القطري بالالتزامات دفع كلاً من المملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين لاتخاذ إجراءات غير مسبوقة بسحب السفراء ووقف الكثير من أوجه التعاون، نظراً لانكشاف استراتيجية التعاطي السلبي القطري مع مهددات ومدركات الأمن الخليجي والعربي.

على جانب ثانٍ، فقد انتهجت الدوحة استراتيجية «الهجوم العكسي»، من خلال نفي الاتهامات واتباع سياسات الإنكار وإلصاق ذات الاتهامات الموجهة إليها بالدول الأخرى، بيد أنها حينما أقدمت على ذلك، فقد أكدت بصورة أو بأخرى صدقية التقديرات الخاصة بنمط علاقاتها الوثيقة مع تيارات العنف والتطرف. وقد اتضح ذلك أخيراً من تصريح وزير الخارجية القطري في معهد «تشاتام هاوس» حين أشار إلى أن «قطر تتذيل قائمة داعمي الإرهاب في الإقليم»، بما يعني تأكيد دعم الدوحة للتيارات المتطرفة.

وبالتوازي مع ذلك، فإن الدوحة لم تنف علاقاتها الوثيقة وطويلة الأمد مع جماعة الإخوان، والتي يعود تاريخها إلى خمسينات القرن الماضي، وذلك حينما قامت بمنح أعضاء الجماعة حق اللجوء السياسي. ومنذ ذلك الحين، تحولت الدوحة إلى مركز لعناصر جماعة الإخوان، مثل خالد مشعل، والمصري يوسف القرضاوي، وسعت إلى الاستفادة من علاقاتها الوثيقة مع هؤلاء للتأثير على السياسة الإقليمية.

وبعد اندلاع الثورات العربية، اضطلعت قطر بالتنسيق مع طهران، من أجل دعم حركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، سيما بعدما قادت المظاهرات في بلدان «الربيع العربي». وعلى جانب آخر، اتجهت الدوحة لدعم علاقاتها وروابطها بالدول والجماعات التي تتبنى ذات المنهج، كتركيا، التي تتمتع بعلاقات قوية مع «الإخوان»، انطلاقاً من تداخل مركب بين قيادة الدولتين على المستوى الآيديولوجي والسياسي. علاوةً على ذلك، اتجهت قطر لتسخير برامج «شبكة الجزيرة» – التي أسسها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في عام 1996 – وما تلاها من شبكات وصحف ومواقع إخبارية محلية وعربية وإقليمية ودولية لخدمة المشروع السياسي للإخوان.

وقد سيطرت عناصر هذه الجماعة على الشبكات الإعلامية القطرية، سواء من حيث العاملين، أو الإعلاميين، أو الضيوف، بما جعل الشبكة الإعلامية القطرية تمثل «صوت الإخوان» في العالم العربي، كما سيطرت عناصر الجماعة على الشبكة الفضائية القطرية «العربي الجديد»، ولا يزال يتمتع القرضاوي بمنبر دائم في الشبكات الفضائية القطرية، هذا في حين تستضيف الدوحة جماعة حماس، التي ظلت لفترة طويلة تعترف بأنها الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان، ورغم أن حماس نأت في الآونة الأخيرة بنفسها عن الحركة الدولية لـ«الإخوان»، فإن زعيمها خالد مشعل أكد أخيراً من الدوحة أنه لا يزال ينتمي إلى «المدرسة الفكرية» لـ«الجماعة».

وعلى الرغم من المحاولات العربية لإثناء قطر عن الاستمرار في انتهاج هذه السياسات، لجأت القيادة القطرية إلى «شركات ضغط»، ومؤسسات «علاقات عامة»، و«كتائب إلكترونية» معروفة، من أجل تحسين صورتها على الساحة الإقليمية والدولية، سيما بعد توالي التقديرات الدولية التي تثبت تنامي مظاهر الارتباط، وعلى مستويات متعددة بين قطر وجماعات العنف السياسي والتطرف الديني.

يجتمج الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي مع رئيس الوزراء و وزير الخاريجية القطري السابق حمد بن جاسم ال ثاني في القاهرة 8 يناير 2013 (غيتي)
يجتمج الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي مع رئيس الوزراء و وزير الخاريجية القطري السابق حمد بن جاسم ال ثاني في القاهرة 8 يناير 2013 (غيتي)

«الإخوان» ومسار سياسات قطر المستقبلية

احتلت قضية تعديل السياسات القطرية والتخلي عن استراتيجيات دعم التيارات الراديكالية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، موقعاً رئيسياً في قائمة مطالب دول المقاطعة العربية للدوحة. فقد شملت القائمة، التي احتوت ثلاثة عشر بنداً، مطلباً صريحاً بقطع الدوحة جميع علاقاتها مع المنظمات الإرهابية، وتحديداً «الإخوان»، وإعلان هذه الجماعة منظمة إرهابية، كما تضمنت إغلاق شبكة قنوات «الجزيرة»، التي تعد منصة الترويج للإخوان، وإغلاق جميع الوسائل الإعلامية القطرية الموالية لهذه الجماعة.

كما دعت البلدان العربية قطر لإنهاء الوجود العسكري التركي على أراضيها، وذلك في ظل القلق المتنامي من نمط العلاقة بين الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وجماعة الإخوان، ومن احتمال أن يعزز النفوذ التركي في منطقة الخليج من حضور جماعة الإخوان، التي تصنف قانونياً، بحسبانها جماعة إرهابية في أكثر من بلد عربي. وطالبت الدول العربية بإيقاف القيادة القطرية كل أشكال التمويل للأفراد الذين وضعوا على لوائح الإرهاب في كل من السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين، والولايات المتحدة، والتي تشمل الكثير من الأفراد والجماعات المرتبطة أيضاً بجماعة الإخوان.

وشملت القائمة العربية الإسراع في تسليم جميع الأفراد المطلوبين أمنياً إلى بلدانهم الأصلية، وتضمنت كوادر «الإخوان» المدانين بالدعوة لعمليات عنف داخل البلدان العربية، ومن بينهم يوسف القرضاوي. وفي هذا السياق دعت البلدان العربية الأربعة قطر إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، ووقف جميع أوجه العلاقة مع المعارضة السياسية في المنطقة العربية، وتسليم كل الملفات التي تتضمن تفاصيل اتصالات قطر السابقة مع جماعات المعارضة ودعمها.
وعلى الرغم من أن هذه المطالب ابتغت إعادة ضبط العلاقات مع الدوحة إلى ما يمكن أن يطلق عليه «ضبط المصنع»، فإن القيادة القطرية من جهتها اتجهت لرفض الاستجابة للمطالب والرؤى العربية، عبر العمل على تدويل أزماتها مع جيرانها العرب، من خلال المنهج الأمني والاستخباراتي مع دول، مثل ألمانيا، والولايات المتحدة الأميركية، سيما بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الجانبين القطري والأميركي بشأن محاربة الإرهاب. ويُظهر ذلك أن الدوحة وصلت إلى درجة من العلاقات المتشابكة والمعقدة مع جماعة الإخوان على نحو بات يدفعها إلى تقديم تنازلات سيادية لأطراف دولية، والامتناع عن تحقيق توافقات سياسية مع جيرانها العرب والمسلمين.

قد يرتبط هذا التوجه بطبيعة الخلل في إدراك القيادة القطرية للأزمة الحالية، بحسبانها تمثل قضية وجودية، نظراً للطبيعة غير السلسة لعمليات انتقال السلطة داخل الإمارة الصغيرة، والتخوف من تقديم تنازلات تظهر مدى ضعف القيادة القطرية الحالية. بيد أنها حين تتجه إلى انتهاج ذلك، فإنها تُقْدِم فعلياً على تفضيل خيار دعم تيارات إرهابية على خيار العودة لنسج علاقات قائمة على حفظ السيادة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية مع دول الجوار الخليجي والعربي، سيما إن كانت ترتبط معها بعلاقات مؤسسة، وروابط جغرافية وتاريخية وثقافية ودينية يصعب إنهاؤها بناء على محض هوى نخبة حاكمة ضيقة الأفق.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.