التيارات الفكرية التي تقود سياسات ترمب - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

عروض

التيارات الفكرية التي تقود سياسات ترمب

ترمب يلعب البيسبول (غيتي)

جذور الواقعية المتعصبة وإحياؤها في السياسة الأميركية

ترمب يلعب البيسبول (غيتي)
ترمب يلعب البيسبول (غيتي)

* قراءة في كتاب «بعد التنوير»… الواقعية السياسية والعلاقات الدولية في منتصف القرن العشرين

كاليفورنيا- دانييل شتاينميتز جنكينز*

* الصحافي مايكل كراولي:لدى مستشاري ترمب هوساً ملحوظاً بكتابات المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس.
* لفتت الواقعية السياسية انتباه إدارة ترمب. وتنص في العلاقات الدولية على أن الدول تتصرف من منطلق المصلحة الذاتية النفعية مع القليل من مراعاة الآيديولوجيا أو القيم أو الأخلاق.
* أوباما كان مولعاً براينهولد نيبور، اللاهوتي الليبرالي في الحرب الباردة وأحد المفكرين الواقعيين السياسيين الأكثر تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة.
* «الواقعية» لا علاقة لها بتقليد طويل الأمد حول كيفية خدمة رجال الدولة للمصلحة الوطنية. وهذا التقليد مجرد حيلة لضمان أن النخب، وليس الجمهور، يقررون ما يجب أن يحدث.
* تم إحياء الاهتمام بـ«الواقعية السياسية» منذ 11 سبتمبر، ومن السهل رؤية آثار هذه النظرية في حرب العراق وقانون باتريوت وحرب أوباما دون طيار، وخطاب ترمب عن قدرته على إصلاح كل الأمور وحده.

أحاط رئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب نفسه بآيديولوجيين سياسيين من الدرجة الأولى. وقد أظهر المعلقون السياسيون دهشتهم المستمرة حيال ما يتوقعه مستشارو ترمب. وجزء من هذا الفضول سببه عدم الإلمام، والخطر السياسي المتصور لمفكري اليمين المتطرف الذين يحترمهم رئيس الاستراتيجيين في البيت الأبيض ستيف بانون ومنهم – يوليوس إيفولا، وألكسندر دوغين، وشارل مورا على سبيل المثال – والوعد بأن أعمالهم ستوضح التيارات الفكرية التي تقود سياسات ترمب.

ومع تقليل سلطة بانون في الإدارة الأميركية الجديدة ظلت هناك رغبة قوية لاكتشاف الأفكار التي تؤثر على هذه الإدارة. وأحدث مثال على ذلك هو ما ذكره الصحافي مايكل كراولي في مقالته التي نشرت في مجلة «بوليتيكو» تحت عنوان: «لماذا يقرأ البيت الأبيض التاريخ اليوناني؟». وقال كراولي إن لدى مستشاري ترمب هوساً ملحوظاً بكتابات المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس.

المصالح الذاتية

غلاف كتاب «بعد التنوير»
غلاف كتاب «بعد التنوير»

وتلفت الواقعية السياسية في كتابات ثوسيديديس انتباه بانون ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس ومستشار الأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر. ويكتب كراولي: «يعتبر ثوسيديديس أباً للمدرسة (الواقعية) للعلاقات الدولية التي تنص على أن الدول تتصرف من منطلق المصلحة الذاتية النفعية مع القليل من المراعاة للآيديولوجيا أو القيم أو الأخلاق». وفي عالمٍ تشكل فيه الصين تحدياً لهيمنة السياسة الأميركية، يقدم ثوسيديديس لمستشاري ترمب حكمة لا تنطبق على زمنٍ محدد حول كيفية الحفاظ على السلطة بشكلٍ استراتيجي «وفقاً للمصالح الذاتية المتصورة» بدلاً من الالتزام بالصواب والخطأ. وإذا كانت توجد سياسة خارجية تناسب ما نعرفه من شخصية ترمب، فقد تكون هذه هي السياسة المناسبة.

ولكن في هذه الحالة، ومن المنظور الفكري، لا تبدو طبيعة السياسة العامة للرئيس السابق باراك أوباما مختلفةً كثيراً. فمن المعروف أن أوباما كان مولعاً براينهولد نيبور، اللاهوتي الليبرالي في الحرب الباردة وأحد المفكرين الواقعيين السياسيين الأكثر تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة. وقد استخلص أوباما منه فكرة أن المصلحة الذاتية تدفع السياسة وأن السياسة هي دائماً غير كاملة في «العالم الساقط».

ومع ذلك، يعتقد نيبور أن البشر «مذنبون»، إذ يملكون ما يكفي من الحيّز الأخلاقي للإبقاء على الشر في اختياراتهم. وقد تبنى أوباما بشكلٍ افتراضي هذه النظرية العامة لنيبور، والتي وصفها في 2008 بأنها تعزز «البرغماتية على حساب الآيديولوجيا». وكما هو الحال مع مستشاري السياسة الخارجية في إدارة ترمب، فقد ادّعى نيبور أنه استمد آراءه من مصدرٍ قديم، له مرجعية مسيحية: القديس أوغسطينوس.

تاريخ الواقعية السياسية

والغريب أن هاتين الإدارتين المختلفتين تتقاربان حول تقليدٍ فلسفي للواقعية السياسية مع جذور عميقة في الفكر الكلاسيكي. ولكن في أي نقطة تم اعتبار هؤلاء المفكرين واقعيين؟ وبشكلٍ عام، متى ولماذا بدأ الطلاب ورجال الدولة في الولايات المتحدة قراءة تحليلات هؤلاء الفلاسفة من هذا المنظار الواقعي تحديداً؟
يقدم الكتاب الجديد عن تاريخ الواقعية السياسية في الولايات المتحدة سلسلة من الأجوبة على هذه الأسئلة. ويشير المؤرخ الفكري نيكولا غيو في كتابه تحت عنوان «بعد التنوير: الواقعية السياسية والعلاقات الدولية في منتصف القرن العشرين»، إلى أنه في ما يتعلق بالثوسيديديس والقديس أوغسطين بوصفهما واقعيين سياسيين ليسا مجرد تفسير حديث فحسب، بل أيضاً وسيلة لإخفاء تقليد مضاد للتنوير وهو ضد الديمقراطية كلياً.

تبدأ قصة غيو مع جمهورية فايمار الفاشلة والعلماء الألمان الذين فروا من نظام أدولف هتلر الوحشي نزوحاً باتجاه الولايات المتحدة. وصل الكثير منهم إلى أرض الحرية مع خوف هائل من الديمقراطية الجماعية. واعتقد مفكرون مثل هانز مورغنثاو وفيليكس غيلبرت وهانز اسباير وكثيرون آخرون أن الدعم الشعبي الواسع النطاق لصعود هتلر إلى السلطة أثبت أنه يمكن التلاعب بسهولة في الجماهير التي حُرّرت حديثاً فقراراتهم السياسية شكلت خطراً ولم يكن ممكناً الوثوق بهم. وعلاوةً على ذلك، فإن عدم الاستقرار السياسي الفوضوي في فايمار أثبت لهم أن الليبرالية الدستورية والبرلمانية والسياسة الديمقراطية التداولية كانت غير ملائمة ويمكن أن تشل التعامل مع الأزمات السياسية.

نظريات النخبة والحكم الرشيد

المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس
المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديديس

والنتيجة أن هؤلاء «الليبراليين الدفاعيين»، كما يصفهم غيو، قد أيدوا نظريات النخبة والحكم الرشيد بعيداً عن أهواء الجماهير الجاهلة. واعتقدوا أيضاً أن أفضل طريقة لإعطاء الديمقراطيات الليبرالية فرصة للصمود في أوقات الطوارئ السياسية تستدعي اتخاذ قرارات ديكتاتورية من أجل تأمين الغايات الديمقراطية الليبرالية. ففي مثل هذه اللحظات السياسية الحرجة لا تستطيع سوى نخبة من رجال الدولة والمثقفين الحكماء والحاصلين على التعليم والمعارف اللازمة تقرير ما هو أفضل للشعب. وجهة نظر غيو في هذه الحالة واضحة: في الوقت الذي وصل فيه هؤلاء العلماء إلى الولايات المتحدة، كان تفكيرهم في الشؤون الدولية غير ديمقراطي أبداً.

وهنا يدخل الكتاب في لحظة المضاربة في الجدال. ويؤكد غيو أن بعض المفكرين النازحين، وتحديداً مورغنثاو – الذي أصبح كبير المنظرين للواقعية السياسية في الولايات المتحدة – قد استلهمهم المفكرون الألمان الليبراليون المشككون الذين ساعد نفوذهم الفكري الكبير على إسقاط جمهورية فايمار.
ويدعي أن الملهم النظري الرئيسي لمورغنثاو لم يكن سوى المنظر النازي كارل شميت، الذي قال إن الأخلاق ليس لها مكان في السياسة وانتقد القانون الدولي وفضل السلطة التنفيذية. ويعتقد غيو أن هذه النظرة الأساسية يمكن أن تكون موجودة في جميع أعمال مورغنثاو، وتحديداً في أقدم طبعات كتابه «السياسة بين الأمم، » الذي أصبح بمثابة الكتاب المقدس للفكر الواقعي السياسي. ولذلك، يناقش غيو أن الليبراليين الدفاعيين مثل مورغنثاو قد لجأوا إلى التقاليد السياسية الليبرالية والاستبدادية أملاً في حماية الديمقراطية الليبرالية من أعدائها. وفي سياق الحرب الباردة، كان يتعين اتخاذ مثل هذه التدابير بسبب تهديد الاتحاد السوفياتي.

ولأنه لم يكن من الممكن احتمال مثل هذه التأثيرات التوتونية المثيرة للجدل في الولايات المتحدة، يقول غيو إن المثقفين النازحين مثل مورغنثاو اضطروا إلى إضفاء الطابع الأميركي على أسلوب تفكيرهم غير الديمقراطي في السياسة وإخفائه. وساعدتهم الظروف للقيام بذلك.
وأثبتت الولایات المتحدة أنها غير مؤهلة فكرياً وسياسياً لفهم دورها في النظام العالمي الجديد في محاولة منها للاندفاع نحو التفوق العالمي بعد الحرب العالمیة الثانیة. وسارعت معاهد السياسات والجامعات والمنظمات الخيرية، وخصوصاً مؤسسة روكفلر، إلى جمع العلماء معاً على أمل خلق نوع من الأساس النظري للتدريب العملي لجيلٍ جديد من موظفي السياسة الخارجية والدبلوماسيين والمحللين السياسيين.

ويؤكد غيو أن هذا السياق المحدد هو الذي سمح باختلاط الأفكار بين المفكرين النازحين غير الديمقراطيين والمثقفين الأميركيين من السكان الأصليين الذين أعربوا عن وجهة نظر متحفظة مماثلة بشأن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية. وبدا أن تقليدية الدبلوماسي الأميركي جورج كينان وواقعية اللاهوتية عند رينهولد نيبور والنخبوية الصارخة للصحافي الشهير والتر ليبمان لا تختلف على الإطلاق عن النظرة العامة التي اختبرها غيو في نازحي فايمار. وقد ولدت العلاقات الدولية الواقعية من هذا المزيج من المفكرين.

الواقعي التقليدي

ولإظهار أفكارهم بطريقة محترمة يقترح غيو أن مورغنثاو والمؤرخ فيليكس غيلبرت قد أرجعوا المصادر الفلسفية التي يمكن القبول بها في البلد الجديد الذي يستضيفهم. وأضاف مورغنثاو الطابع الأميركي على أعماله من خلال استخدام مراجع الأوراق الفيدرالية وخطابات أبراهام لينكولن بدلاً من شميت. وحوّل غيلبرت مكيافيلي إلى «أول واقعي معاصر»، الذي قدم الفطنة السياسية الحكيمة، بعدما كان قبل أربعينات القرن العشرين يُفهم دائماً على أنه نذير للاستبداد.
وسرعان ما يكتب غيو أن «إنتاج الواقعي التقليدي يعود إلى أوغسطين، وفي النهاية دعمه من خلال إضافة مكيافيلي هوبس أو ثوسيديديس، ساهم كذلك في إخفاء الجذور المباشرة لنظرية العلاقات الدولية في النظام الرجعي في السنوات ما بين الحربين العالميتين». وفي هذا الصدد، فإن الواقعية لا علاقة لها بتقليد طويل الأمد حول كيفية خدمة رجال الدولة للمصلحة الوطنية. وهذا التقليد مجرد حيلة لضمان أن النخب، وليس الجمهور، يقررون ما يجب أن يحدث.

ولكن السؤال الدائم الذي يدعم تفسير غيو هو ما إذا كان المهاجرون الألمان الذين أجرى غيو اختباراته على أساس تجاربهم قد سعوا فعلاً وبوعي لإخفاء إلهامهم الإشكالي عن مواطني البلد الذي نزحوا إليه. ففكرة أنهم تعلموا في ألمانيا وتأثروا بالأفكار العصرية في بلد النزوح بالكاد تبدو مفاجئة. ومع ذلك، يبدو أن بعبع كارل شميت يكمن خلف كل فصل من كتابه، وغالباً ما يكون ذلك دون أدلة دامغة لإثبات نفوذه على أمثال مورغنثاو وغيلبرت. يشعر الشخص أن غيو يعتقد أن ربط نقدهم للديمقراطية البرلمانية والشكوك من الجماهير لفلسفات النازي السابق مطلوب لإقناع القراء كيف تكون الواقعية السياسية الديمقراطية فعلاً. ولكن يتساءل المرء عن مدى ضرورة الاعتماد على العلاقة المتضاربة إلى حد ما بتأثير شميت، وبشكل عام إلى سلالة رجعية من الفكر الألماني، من أجل جعل القضية تبدو أن الواقعيين السياسيين الأميركيين الأوائل كانوا نخباً مع اشتباه ملحوظ في الديمقراطية الجماعية.

ومع ذلك، تبرز أطروحة أن الواقعية السياسية هي في نهاية المطاف غير ديمقراطية. فقد تم إحياء الاهتمام بالواقعية السياسية منذ 11 سبتمبر (أيلول)، ومن السهل رؤية آثار هذه النظرية: حرب العراق وقانون باتريوت وحرب أوباما دون طيار، وخطاب ترمب عن قدرته على إصلاح كل الأمور وحده. وهناك عجب صغير في الواقع من أن أوباما وترمب يعتمدان على ثوسيديديس وأوغسطين. أو لماذا شخص مع هذا الاهتمام القوي في مدافع الفاشية السياسية والأفكار الفلسفية، مثل ستيف بانون، يبحث عن واقعي قديم لتوجيهه.

ويشرح الكتاب أيضاً الكثير حول كيف أن الاعتماد على تقنيات الكومبيوتر لتحديد الاستراتيجية العسكرية والأفعال المتمردة جاء ليحل محل الرأي الدبلوماسي لرجال الدولة العظماء، مشيراً إلى الواقعية السياسية المبكرة. والمشكلة تبقى كما هي. والخلاصة هي أن آراء الناس غير مأخوذة بعين الاعتبار. وبين لنا كتاب «بعد التنوير» كيف حصل هذا.

* دانييل شتاينميتز جنكينز: زميل ما بعد الدكتوراه في اللاهوت العام في جامعة كاليفورنيا، بيركلي (فورين أفيرز).

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.