«البوركيني» يثير جدلاً في مصايف الصفوة بمصر - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تقارير, قصة الغلاف

«البوركيني» يثير جدلاً في مصايف الصفوة بمصر

خلافات بين رواد قرى الساحل الشمالي حول ملابس البحر

واحدة من المشاجرات اليومية حول نزول البحر بمايوه بوركيني على شواطئ الساحل الشمالي بمصر
واحدة من المشاجرات اليومية حول نزول البحر بمايوه بوركيني على شواطئ الساحل الشمالي بمصر

القاهرة: عبد الستار حتيتة</strong

* في سبع قرى سياحية، على الأقل، من قرى الساحل الشمالي، يمنع نزول البحر بـ«البوركيني». وفي شواطئ أخرى تدقق نساء الطبقات العليا في ماركات المايوه.
* في مصر تقول مصادر أمنية إنها تلقت عشرات البلاغات من نساء بسبب «البوركيني»… ومنذ بداية شهر يوليو كانت هناك مشاجرات بسببه.

«مارينا»… هنا عاصمة الأثرياء والمرح والنميمة، حيث يقع كثير من القرى السياحية على شاطئ البحر المتوسط في شمال غرب القاهرة. وأخيراً أُضيفَ إلى أيام «الفرفشة» وليالي السهر، تربُّصٌ بشأن أنوع ملابس البحر وماركاتها. تقول نادية (45 عاماً)، وهي آخر من دخل في عراك بالأيدي مع جمهور من المتحفزِين: «اعترضوا على نزولي للبحر بمايوه بوركيني». وقالت ابنتها دينا (16 عاماً): «لقد هجموا علينا وطردونا».
وعلى خلاف ملابس البحر ذات القطعة الواحدة، وذات القطعتين، المنتشرة هنا بين رواد القرى السياحية، ظهر مايوه «بوركيني» يغطي مَن ترتديه من النساء من الرأس حتى القدمين. وحظي هذا المايوه بشهرة مدوية حين أثار ضجة على أحد الشواطئ الفرنسية، ومناطق أخرى حول العالم، خلال العامين الماضيين. وحتى بالنسبة لمن يسبحن به، من بنات الطبقة الراقية، في مصايف الساحل المصري، فإن التدقيق في ماركة المايوه أصبح أمراً أساسياً على ما يبدو.
وعلى مرمى البصر، في الطريق الدولي القادم من المدن الكبرى والحارة والمزدحمة، كالقاهرة والجيزة، ترى سيارات من أحد الموديلات العالمية، تخص الأغنياء وأسرهم، وهم متوجهون إلى شواطئ الساحل الشمالي الذي تأسس كمصيف لعلية القوم من سياسيين ونجوم الفن والكرة والتجارة وغيرها، منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي.

القرى السياحية

وبعد نحو 230 كيلومتراً، تقريباً، شمال غرب القاهرة، تبدأ سلسلة القرى السياحية على البحر، بطول يصل إلى أكثر من 100 كيلومتر، حيث تقع قرية مارينا التي حظيت بشهرة واسعة منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، بسبب روادها المتميزين من عائلات وزراء وأسر نواب وأبناء رجال أعمال. وفي مجتمع محافظ، ظهرت في ذلك الوقت مشكلة ملابس البحر الخاصة بالنساء، لكن جرت معالجتها بطريقة مختلفة، حيث قامت بعض القرى، آنذاك، بتخصيص شواطئ للسيدات والفتيات بعيداً عن أعين المتلصصين من الرجال والشبان.
ومع تزايد عدد القرى السياحية، ومنافستها لبعضها بعضاً في درجة الرفاهية واختيار النزلاء، أصبحت هناك شواطئ لا تتسامح في نزول البحر بملابس غير مخصصة لهذا الأمر، وليس من بينها ملابس السباحة المخصصة للمحجبات أو ما يعرف بـ«البوركيني». لكن الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، منذ انتفاضة 2011، جعلت الإقبال على تملك الفيلات باهظة الثمن أمراً صعب المنال. أضف إلى ذلك أن بعض الملاك اضطروا لبيع فيلاتهم لأسباب مالية.
وعلى هذا فتحت بعض قرى الساحل الشمالي الباب للتأجير المؤقت لمن يرغب من العائلات المقتدرة في قضاء عدة أيام على شواطئ الطبقات الراقية. ويقول محمود، أحد سماسرة التأجير هنا: «رغم أن أسعار تأجير الفيلات مرتفعة فإن هناك من يطلبها». ويضيف أن قدوم رواد لا يعرفون الشروط الخاصة بالسباحة في بعض الشواطئ المغلقة، تسبب في مشكلات مع النزلاء من الملاك الأصليين للفيلات.

ماركات المايوه

وفي سبع قرى سياحية، على الأقل، من قرى الساحل الشمالي، يتم منع النزول للبحر بمايوه «بوركيني». وفي شواطئ أخرى تدقق نساء الطبقات العليا في ماركات المايوه، حتى لو كان «بوركيني»، ولا بد أن يكون من ماركة أصلية. وتقول نادية إنها اشترت المايوهات الخاصة بها وببناتها من محل «براند عالمي» في مدينة نصر، وأن «النسوة اللائي اشتبكن معي كن غيورات لأنني لست من ملاك الفيلات هنا».
سعيد، رجل في الأربعينات من العمر، ويدير إحدى هذه القرى. يتذكر موضحاً: «حين بدأ طرح الفيلات للبيع، في عام 2009، كانت العقود تتضمن الحفاظ على الطابع العام، ومن ضمن الشروط الالتزام بزي البحر عند نزول الشاطئ. ولا يستثنى من هذا إلا حمامات السباحة الملحقة بالفيلات». ويضيف: «الملاك الأصليون يحافظون على هذه القواعد… المشكلة في المستأجرين الذين يجدون أنفسهم في عالم له شروطه الخاصة».
ويصل ثمن الفيلا الواحدة في الوقت الراهن، في القرى السياحية التي تقع مباشرة على شاطئ البحر، حتى 5 ملايين جنيه (نحو 200 ألف دولار). وهناك فيلات تشبه القصور وثمنها أعلى من ذلك بكثير. ولا تستخدم عادة إلا بضعة أيام في الصيف، وتظل مغلقة معظم أوقات السنة.
واضطر بعض الملاك لتأجيرها بسبب الأزمة الاقتصادية، حيث يتراوح ثمن تأجير الفيلا الواحدة لليوم، خلال موسم الصيف، ما بين ألفي جنيه وحتى 11 ألف جنيه. وهذا النوع الأخير من الفيلات تبلغ مساحته 200 متر مربع، وملحق بها حديقة مساحتها 120 متراً مربعاً. وتشرف الفيلا على البحر وتتكون من طابقين، و5 غرف مكيفة، وفرش حديث، وتضم حمام سباحة خاصاً، وصالون استقبال كبيراً.
حين تلقي نظرة من بعيد تعتقد أنك تشاهد أحد شواطئ نجوم المجتمع في أوروبا أو أميركا. ملابس بحر من أحدث الموديلات، ألعاب مائية مستوردة، عربات مخصصة للسير على الرمال، ولنشات بيضاء تتهادى فوق الموج، ودراجات نارية للبحر، ومناطيد ملونة.
وصلت نادية وأسرتها، في سيارتها الفارهة، لقضاء أسبوع في قرية سياحية فوق ربوة، تقع غرب مارينا بنحو 30 كيلومتراً. يشرف ظهر القرية على الشارع الدولي المتجه إلى مدينة الضبعة، بينما تطل واجهتها على شاطئ البحر بمياهه الزرقاء الصافية ورماله ناصعة البياض. وقامت بحجز اليوم من السمسار بما قيمته نحو 250 دولاراً. وفي اليوم التالي ارتدت مايوه «بوركيني» وتوجهت مع ابنتها لنزول البحر، لكن بعض ذوي ملاك الفيلات، من النساء، حاولن منعها. وقالت: «وقفت إحداهن، وسخرت من المايوه الذي أرتديه، وقالت لي: ممنوع.. البوركيني ممنوع هنا. كما أنه ليس من الماركات المعروفة».

جدل حول حقوق المحجبات في ارتياد الشواطئ

وتضيف السيدة التي كانت توشك على البكاء: «لقد تذكرت في تلك اللحظة الشرطة الفرنسية حين منعت سيدات من نزول شاطئ نيس في فرنسا بالبوركيني». وكانت محطات إخبارية ومواقع للتواصل الاجتماعي، استعرضت منذ أشهر مشهداً يقوم فيه شرطي فرنسي بإجبار سيدة على خلع مايوه «بوركيني»، مما أثار جدلاً حول حقوق المحجبات في ارتياد الشواطئ.
وفي مصر تقول مصادر أمنية على الساحل الشمالي إنها تلقت عشرات البلاغات من نساء وقعن في مشكلات بسبب المايوه، خلال أيام الصيف الحالية… «منذ بداية شهر يوليو (تموز) كانت هناك مشاجرات على خلفية نزول البحر بالبوركيني. لكن نادية توضح أن الذي أصابها بالغيظ أن الاعتراض لم يكن على البوركيني نفسه، ولكن على الماركة».
وتزيد قائلة: «حين احتدم النقاش معي، انضمت نسوة من ملاك الفيلات، ووقفن ضدي، وقالت إحداهن: أرينا ماركة المايوه. من أي المحلات هو؟».
وظهر مايوه «بوركيني»، المحتشم بالكامل، لأول مرة في أستراليا، قبل سنوات، وكان مخصصاً لحماية مرتادات الشواطئ من حرارة الشمس، إلا أنه انتشر سريعاً بين العائلات المحافظة حول العالم، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط ومن ذوي الأصول الشرق أوسطية ممن يعيشون في أوروبا أو غيرها من الدول. ومع ذلك يعتقد أن أميركا وبريطانيا من أكثر البلدان استخداماً لـ«البوركيني»، لأسباب متباينة من بينها أنه الأقرب إلى بدلات الغطس، حيث يحمي البشرة من الملح والرمل.
ويتكون مايوه «البوركيني»، الأكثر ملاءمة للمحجبات، من بنطلون وقميص، وغطاء للرأس. ومنذ الضجة التي جرت حول هذا النوع من المايوهات في فرنسا، انتشر في عدة دول بمنطقة الشرق الأوسط، من بينها مصر.
وكانت توجد في الأسواق الشعبية بالمحافظات المصرية، منذ سنوات، مايوهات تخص المحجبات لكنها كانت فضفاضة. والجديد الآن هو موضة «البوركيني». ويقول أحد تجار ملابس البحر في مدينة العلمين المجاورة لمارينا: «الآن يوجد احتراف في الصنعة. ما حدث في باريس لفت الأنظار لهذا النوع من المايوهات».

وفي الأسواق العامة بالقاهرة والجيزة والإسكندرية يباع «البوركيني» في قسم ملابس المحجبات، وبعضه صناعة محلية والبعض الآخر مستورد من أرقى المحال العالمية. وفي متجر العلمين، يباع في قسم ملابس البحر. ويتراوح سعره في هذا المتجر بين 50 دولاراً وحتى 200 دولار. بينما يقل سعر المايوهات التقليدية للمحجبات، أي المايوهات الفضفاضة، عن ذلك بكثير. وهذا، كما يقول أحد مديري القرى السياحية، من أسباب المشكلة، مشيراً إلى أن بعض القرى تسمح بالسباحة بـ«البوركيني»، وترفض السباحة بمايوهات المحجبات الفضفاضة.
وتقول نادية: «شعرت هنا أن هناك من يقلد الأوروبيين، بطريقة خطأ، لكنني دافعت عن حقي». وتطور الأمر فيما بعد إلى اشتباكات بالأيدي بين عدد من مؤيدي حق هذه المرأة، في السباحة في البحر بالملابس التي تريدها، وآخرين يتمسكون بأن تكون السباحة بالمايوه ذي القطعة أو القطعتين.
ويقول حسين، مشرف الشواطئ في قرية سياحية أخرى مجاورة، وأكثر ثراء من القرية التي نزلت فيها نادية: «كثير من السيدات والفتيات كن يصممن على ارتداء مايوه بوركيني، وهذا أدى إلى أزمة ومشكلات و(خناقات) بين النزلاء الأصليين، والمستأجرين الوافدين على هذا لنوع من قرى الساحل الشمالي».
ويضيف أنه تم حل المشكلة، مثلما حدث في بعض شواطئ مارينا قبل سنوات، أي بتخصيص شاطئ للنساء معزول عن شاطئ الرجال، ويفصل بينهما سور طويل من الخشب أو من جريد النخيل. في هذه الشواطئ ترتدي المصطافات ما يحلو لهن، سواء مايوه قطعتين (بكيني» أو شرعي (بوركيني)، أو حتى بنزول البحر بالملابس العادية كاملة كما تفعل بعض السيدات المحافظات.

Previous ArticleNext Article
المحرّر الثقافي
يتابع الشأن الثقافي ويرصد الحركة الثقافية في الوطن العربي والعالم. الثقافة عند المحرّر الثقافي ليست معارض وكتبا فقط بل تتعداها الى كل مناحي الحياة.. كل شيء لا يحمل ثقافة لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالقراءة أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.