علي السمّان... منْ يأخذُ بعدُ بوصلةَ الحوارِ مع الأديان... ويقودُها مثل قبطان تحت شعار «أنْ نعيشَ معاً في سلامٍ وأمان» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

بروفايل

علي السمّان… منْ يأخذُ بعدُ بوصلةَ الحوارِ مع الأديان… ويقودُها مثل قبطان تحت شعار «أنْ نعيشَ معاً في سلامٍ وأمان»

نص: منصف المزغني وريشة: علي المندلاوي

1 –

وُلد الطفل علي السمان أيام المملكة المصرية، والاحتلال الإنجليزي، في القاهرة، في حي المنيل، سنة 1929، ولم تطل إقامته في العاصمة إثر وفاة والده وعمره عامان، واضطرت العائلة إلى الانتقال إلى طنطا… وكأنَّ حلقة اليتم تأبى إلا أن تكتمل بوفاة الأُمّ الوالدة وهو في سن الرابعة، فتربى الطفل علي في كنف جدته للأُمّ. ودخل مدرسة الأقباط الابتدائية ليتعلم، مع المعارف والعلوم، دعوةَ الآخر للحوار
وهكذا عرف الطفل، وهو المسلم السنِّيّ، أن في العالم ناساً آخرين يختلفون عنه في الديانة السماوية ولا يختلفون على الإله الواحد، واستطاع أن يستوعب ويتشرّب مشاعر المختلفين عنه – لا معه – في سنٍّ مبكرة، وهو ما أهّلَه كثيراً لأن ينتبه إلى ضرورة التعايش – وليس مجرد التحاور – مع القبطي واليهودي، فهم ثلاثة أبناء لأُمٍّ واحدة هي مصر.

لعل هذه الروح كانت اعتماده عندما تشارك ورجال دين يهود ومسيحيون في مؤلفات تصدح بالمشترك بين الديانتين والإسلام، وأشهر هذه الكتب: «ثلاث نوافذ تطل على السماء»، الذي ألفه بمشاركة حاخامات وقساوسة، للتأكيد على أن الدين لله وحده، وأن أرض الله تتسع للجميع.
ثم سيكتشف أشخاصاً آخرين، وأفكاراً أخرى في المدرسة الثانوية، ويتعرف على الأحزاب الناشطة المناهضة للاستعمار الإنجليزي، وينجذب السمان فكرياً إلى الإخوان المسلمين. ثمّ ينشقُّ عن جماعة الإخوان المسلمين بسبب حادثة عنف لم يقبلها تمثلت في اغتيال القاضي أحمد الخازندار، وقد اتُهم الإخوان بتنفيذها، فنراه ينأى بنفسه عن الإخوان، وينضم إلى ثورة 23 يوليو (تموز) ويكون من أوائل المرحبين بها المتحمسين لها.

2 –

ومثل كل شاب باحث عن الحقيقة وعاشق للشمس، ومتحمس لقضايا العدل في البلدان المستعمرة، اتجهت همّةُ علي السمّان ونياته إلى دراسة الحقوق، فحصل على الليسانس من جامعة الإسكندرية 1953 ثم دبلوم الدراسات العليا في القانون الدولي والعلوم السياسية من جامعة غرينوبل عام 1956، وكان التتويج بالدكتوراه في القانون والعلوم السياسية من جامعة باريس عام 1966.

3 –

إن محور حياة السمان، أو بحثه الدائم، أو قلقه المستمر، أو هوسه الذي لم يُشف منه، هو حوار الأديان والحضارات، وهذا قاده إلى المناصب المتتالية، فتولّى نيابة رئاسة اللجنة الدائمة للأزهر للحوار بين الأديان السماويَّة، ومُستشار شيخ الأزهر لحوار الأديان، ورئيس لجنة الحوار والعلاقات الإسلاميَّة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، فضلا عن وجوده الدائم في كثير من الهيئات الوطنية والعربية والدولية التي تدور في هذا المحور.

4 –

وعرف علي السمان العمل الحكومي، واستطاع أن يكون نموذجاً وطنياً لرجل الدولة المصرية، فعمل مثل «مواطن ملتزم» على حد تعبيره في عهد عبد الناصر. وكان ناشطاً سياسياً ودبلوماسيّاً بارزاً في أيام الرئيس مُحمَّد أنور السادات فعيّنه مُستشاراً للإعلام الخارجي. وخاض حواراً وصراعاً التبس فيه الآيديولوجي بالسياسي، وكان لا بد من التمييز بين الأمرين. وهذه قصص شيّقة يرويها في سيرته الذاتية؛ في كتابه الصادر عام 2012 وعنوانه «من ثورة إلى أخرى: مذكرات مواطن ملتزم في عهد عبد الناصر والسادات ومبارك».

5 –

وكان الدكتور علي السمان يحذق لغته العربية الأمّ، وإلى جانبها كان يرطن بالفرنسية والإنجليزية، وكان لا بد له من أن لا يكتفي بالحوار، وإدارته، بل كان يكتب مقالات في كبريات الصحف الفرنسية، ويشارك في الندوات التلفزيونية، وكان مثال الرجل الخلوق المتأنق في محاوراته، متواضعاً، جريئاً في الحق، يفرّق بين اللائكية والكفر ولا يحب الخلط، ويعتقد أن فهم الإخوان المسلمين للحوار كان عنيفاً ودمويّاً ومرفوضاً لديه…

6 –

لقد غاب عن أسرة مجلة «المجلة» قلم عزّ نظيره من حيث النوعية، لأنه يقف وراء تاريخ حافل بالمواقف الوطنية والإنسانية، وعاش مؤمناً بما كان يفعل، وعاش سعيداً يسعى إلى أن يرى الإنسانية من خلال انفتاحه الرحب على الآخر، وكانت العمليات الإرهابية داخل مصر أو في العالم تهزه هزاً عنيفاً وعميقاً وتمزقة تمزيقاً.

7 –

ولعل الراحل العزيز علي السمان عاش حياته الشخصية نفسها على مقاسه، وعلى قدر إيمانه بحوار الأديان، فزوجته السيدة «بريجيت» مسيحية، وأما ابنه فقذ اختار له اسماً أصيلاً وخاصاً تتوحد حوله الأديان السماوية الثلاثة، فالدكتور علي السمان هو أبو «سام» ابنه الوحيد.

8 –

ما انفكّ الدكتور علي السمان يردّد حلمة وشعاره الإنساني: «أن نعيش معاً في سلام وأمان»، وهو أمر لم يتحقق بعدُ، ولقد قاد الحوار بين الأديان والثقافات إلى ضفة قوامها التعايش، وها هو يرحل، وقد ترك البوصلةَ بحثاً عن قبطان قادر على أن يدير سفينة الحوار التي لا بد أن تبشّر بالحب، ولا بد للحب أن ينتصر.
ص

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.