تشارلز كراوفورد لـ«المجلة»: الذكاء الدبلوماسي لا يعكس بالضرورة سياسات ذكية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

مقابلات

تشارلز كراوفورد لـ«المجلة»: الذكاء الدبلوماسي لا يعكس بالضرورة سياسات ذكية

قد يتحول «الغباء» إلى قوة في الشؤون الدولية... وسر العمل الدبلوماسي يكمن في تجنب خوض المخاطر

السفير البريطاني تشارلز كروفورد

السفير البريطاني تشارلز كروفورد
السفير البريطاني تشارلز كروفورد

لندن – نادية تركي:


خطابات بوتين تشبه الوجبات المليئة باللحم السياسي الناضج أو غير الناضج، أما خطابات أوباما فمثل السوفليه

أكد الدبلوماسي البريطاني تشارلز كراوفورد المتخصص في فن كتابة خطابات القادة، والتفاوض أن العمل الدبلوماسي يتطلب مهارات فريدة، تعتمد على المعرفة والانتباه للتفاصيل وضرورة الابتعاد عن التخمين. وفي حديثه عن الدبلوماسية الروسية مقارنة بالغرب قال إنها «فريدة من نوعها بفضل مهنيتها التامة، والدبلوماسيون الروس متخصصون مذهلون، وتدعمهم نظم إدارة معلومات على أعلى مستوى من الانضباط». رغم أنهم يعملون حسب رأيه في الاتجاه السلبي وغالباً يخوضون مشكلات تؤدي إلى خسائر بشرية فادحة كما هو الأمر في سوريا مثلا، فقط من أجل تحدي الغرب.
{المجلة» أجرت معه حواراً في لندن تناول فيه التحديات التي تواجه القادة والدبلوماسيين مع كل التغيرات التي يشهدها العالم سياسياً وأمنياً وتقنياً.
وإلى نص الحوار…

* ما المهارات التي يحتاج إليها الدبلوماسي لأداء مهامه دون الوقوع في أخطاء قد تؤدي إلى أزمات دبلوماسية؟
– سر العمل الدبلوماسي الناجح يكمن في تجنب خوض المخاطر، وتكمن فكرتا «الاستقرار» و«القابلية للتوقع» في صميم الطريقة التي تتعامل بها الدول مع بعضها البعض. وكل الأجهزة والأنظمة الدبلوماسية تؤكد على ضرورة الانتباه إلى أن العمل الصائب يستوجب الانتباه للتفاصيل، لتجنب المفاجآت المزعجة.
وأحيانا يرتكب القادة أنفسهم أيضاً أخطاء قد تكون بسيطة نتيجة للإرهاق، لكن نتائجها تكون وخيمة، فعلى سبيل المثال عند تخطيط زيارة لمسؤول رفيع المستوى يجب التأكد من أن برنامج الزيارة معقول.
وشخصيا عندما أقدم ندوات عبر الإنترنت عن البروتوكول لزملاء في الأمم المتحدة، أؤكد على أن «الغباء» يُعد قوة في الشؤون الدولية.
وعندما تقع بعض الأخطاء علناً على نحو محرج، يكون في الغالب بسبب «ارتجال» لا داعي له في نقاط تفصيلية، وبسبب إخفاق شخص ما في استيعاب الدور المنوط به داخل العمل ككل.
والفكرة الأساسية هنا لا ترتبط بما هو مهم، ولكن بما يستحق الاهتمام، وإذا استوعبوا ذلك في الغالب سيتجنبون الوقوع في كوارث.

* هل يمكن أن تحدثنا عن تجربتك في بولندا وروسيا؟ وهل الدبلوماسية الروسية تختلف عن الدبلوماسية في الغرب؟
– المدن الروسية مثل موسكو وسان بطرسبرغ ضخمة بمساحتها وسكانها، مقارنة بالمدن البولندية مثل وارسو وكاركو وغدانسك التي لها طابعها ومرجعيتها التاريخية الخاصة بها.
الدبلوماسية الروسية فريدة من نوعها بفضل مهنيتها التامة. والدبلوماسيون الروس متخصصون مذهلون، وتدعمهم نظم إدارة معلومات على مستوى عال من الانضباط، وهم يطَّلِعون ويركزون باستمرار على «المصالح الروسية» التي يحددها الكرملين.
ولذلك مزايا (مثل أن لديهم مواقف قوية في مختلف القضايا)، لكن لهذا انعكاسات على الاتجاه المقابل. فهم جيدون في عرقلة الأمور، ولكنهم ليسوا كذلك في تقديم واكتشاف أفكار إبداعية. وهم يصادقون ويشجع بعضهم بعضاً بأكثر الأنظمة غير المفيدة في العالم، بغض النظر عن الخسائر البشرية، وذلك فقط للعناد وتحدي العواصم الغربية، كما هو الشأن الآن مثلاً في سوريا وكوبا وزيمبابوي.
ولا يعني ذكاء الدبلوماسيين بالضرورة أن هناك سياسات ذكية، فقد تؤدي آلية السياسات الخارجية المفرطة في المركزية وغير النزيهة في موسكو إلى وقوع أخطاء مروعة، وقد تكبدت روسيا بسبب تدخلاتها غير المشروعة في أوكرانيا تريليونات الدولارات.

* نشرت كتابًا في الفترة الأخيرة عن كتابة الخطابات، فما أهمية الخطاب في تشكيل الصورة التي يرغب القائد في تكوينها؟
– يختلف الأمر من قائد إلى آخر، فمثلا كانت الانتخابات الأميركية الأخيرة مثيرة للاهتمام، حيث أظهر دونالد ترمب تفاؤلاً جريئًا وغير عادي، في حين هيلاري كلينتون متشائمة ودفاعية، مما أدى بها إلى الخسارة.
وفي كتابي أقارن بين خطابات باراك أوباما وفلاديمير بوتين، حيث توصلت بعد بحث في الموضوعين إلى أن خطابات فلاديمير بوتين تشبه الوجبات المليئة باللحم السياسي الناضج وغير الناضج، بينما خطابات الرئيس أوباما تشبه السوفليه. ظاهرها يثير الإعجاب ولكنها تبدو واهية وغير مُرضية إذا أمعنت النظر فيها.
ويحمل القادة السياسيون في الوقت الحالي مهمة بالغة الصعوبة، في ظل التكنولوجيات الحديثة، حيث تحلل وسائل التواصل الاجتماعي وتحكم على الخطابات حتى من قبل أن تنتهي، ويمكن انتزاع أبسط زلة في الكلام أو الإلقاء خارج السياق وإظهارها في صورة في غاية السلبية. لذا يحتاج كاتب الخطابات الجيد إلى التفكير في كل هذه الأمور.

* كيف يمكن كتابة وإلقاء خطاب جيد؟
– الأمر يختلف، إذا كنت تكتب الخطاب لنفسك أو لشخص آخر، فكتابة كلمات الخطاب أمر سهل، ولكن من الصعب تحديد الأفكار الأساسية والنبرة المناسبة وربطها بالمناسبة والجمهور الحاضر في ذلك الوقت تحديداً.
يحتاج الخطاب الذي يتم إلقاؤه بمصاحبة ترجمة فورية إلى كتابة وإلقاء مختلفين تمامًا عن خطاب لا تصاحبه ترجمة فورية. ويجب أن يُلقى الخطاب المُوجه إلى جمهور عدده 400 شخص نبرة قوية، بينما يتسم الخطاب الملقى أمام 20 شخصاً بنبرة ودية.
وهناك أيضًا مسائل ثقافية تحدد نوع وشكل الخطاب، ففي بعض أنحاء العالم – وربما في الشرق الأوسط أيضًا – يرغب المتحدث غالبًا في إظهار السلطة وعدم رفع الكُلفة أو التقرب إلى الجمهور أكثر مما ينبغي. ففي الثقافة الأميركية – البريطانية الألفة والدعابة مهمتان للغاية. لذلك من المهم تحقيق توازن ذكي..
كما توجد نقطة مهمة يجب الانتباه اليها وهي ضرورة عدم اعتماد الخطاب لإيصال المعلومات، فلا يستطيع الناس عادة استيعاب قدر كبير من المعلومات والأرقام، لذلك ينصب التركيز على تفسير سبب أهمية المعلومات.

* ما النصيحة التي تقدمها لأي متحدث أو مخاطب للجماهير؟
– استخدام عنصر المفاجأة، للاستحواذ على اهتمام الجمهور، وما سيحدث بعد ذلك هو قوة عنصر المفاجأة أثناء الصمت، ورغم أن هذا قد يبدو غريباً ولكنه حقيقي. فالفكرة المحورية في الحديث أمام جمهور في الواقع ليست التحدث. وكتابة وقفات أو فواصل في الخطاب، ثم ألقاؤه ببطء أكبر وإعطاء ثقل للكلمات..

* تعمل أيضًا وسيطاً ومفاوضاً، نرجو أن تخبرنا عن هذا الدور (المهنة)، ومدى أهميته الآن في عالمنا الحديث، وهل تحل بالفعل قضايا حقيقية؟
– أرى أنه من غير المعقول أو المقبول، ألا يتلقى جميع الدبلوماسيين تدريبًا أساسيًا في الوساطة… الوساطة مهارة مساعدة الناس على تسوية الخلافات وحل المشكلات المشتركة، ولكي تجيدها يجب أن تدرب نفسك على الاستماع بعناية، وأن تُظهِر أنك تستمع. استمع لما يقولونه، واستمع لما لا يقولونه.
ومن المؤسف أن كثيرًا من المشكلات الدولية تستمر لفترة طويلة مسببة خسائر بشرية فادحة لأنه من المناسب لأصحاب السلطة ألا تحل المشكلات بسلام وعدالة. مثل أوكرانيا وسوريا وكوريا الشمالية.
وعندما تتأزم الأمور يكون هناك «سلامة في الفشل»، وإذا كنت قائدًا صارمًا ترأس دولة فقيرة تعاني القمع، فما هي مصلحتك في أن تتنحى وتترك شخصًا آخر يقود البلاد؟ فهذا ليس من مصلحتك. ويمكن حل أي مشكلة دولية، أو على الأقل تحسينها، عبر وساطة حساسة بارعة، إذا رغب القادة المعنيون في حلها.

* تملك مسيرة مهنية دبلوماسية ممتدة في وزارة الخارجية البريطانية، فما أهم الدروس المستفادة؟
– بالنسبة لي، أهم قاعدة دبلوماسية هي الدقة، لا تفترض ولا تعتمد على التخمين مطلقاً. فإما أنك تعرف أو أنك تُخمن، وإذا كنت تُخمن فقدت السيطرة.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.