الصين تنشئ «سور حماية الفضاء العظيم» للرقابة على المواقع الإلكترونية - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

فورن أفيرز, قصة الغلاف

الصين تنشئ «سور حماية الفضاء العظيم» للرقابة على المواقع الإلكترونية

بكين تلاحق تبادل المعلومات وإمكانية الحصول عليها

أدت قوانين الإنترنت للحزب الشيوعي الصيني إلى قضايا مع «غوغل» و«آبل»

بكين – توماس شاتوك*

* يعمل الرئيس شي جينبينغ والحزب الشيوعي الصيني بلا كللٍ لاتباع مقولة أورويل الشهيرة في (1984): «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي»
* طالبت الإدارة العامة للصحافة والنشر الصينية مطبعة جامعة كامبريدج البريطانية بإزالة 300 مقالة ومراجعات للكتب التي تحتوي على ما اعتبرته الحكومة موضوعات حساسة من موقع الصين الفصلي أو حجبه تماماً من البلاد

قامت الصين بعددٍ من الملاحقات في الفضاء الإلكتروني في الفترة ما قبل انعقاد المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في الخريف القادم. وتضمنت إزالة التطبيقات من متجر آبل وحظر بعض الصور وصياغة إرشادات صارمة حول كيفية التطرق لموضوعاتٍ حساسة وحجب كلماتٍ محددة من «وي شات» (WeChat) وهو تطبيق دردشة صيني معروف. وفي حين تظهر هذه التدابير مدى سيطرة الحزب والدولة على المواطنين الصينيين والشركات العاملة داخل حدود الصين، يبيّن منع تدفق المعلومات أن الحزب الشيوعي الصيني يفهم – ويخشى – قوة المواطن القادر على الوصول إلى معلومات غير خاضعة للرقابة.
وفي 1997، اعتمدت الصين تدابير جديدة لقانونها الجنائي (المواد 285 و286 و287) التي حددت ما يحظر على المواطنين الصينيين القيام به على شبكة الإنترنت. وقد تم تعديل هذه المواد عدة مرات منذ إنشائها قبل 20 عاماً لتتناسب مع تطورات العصر. ويستخدم الحزب الشيوعي الصيني هذه الأحكام لترشيد قيوده الضخمة المفروضة على المعلومات عبر الإنترنت. وتم إنشاء «جدار الحماية العظيم» المعروف كآلية لتقييد الوصول أو الرقابة على المعلومات التي يعتبرها الحزب الشيوعي الصيني حساسة أو غير لائقة، مثل مجزرة ساحة تيانانمن في 1989. كما يحظر النظام الآلاف من المواقع وعمليات البحث عبر «غوغل» وعناوين الإنترنت.

حجب المعلومات السخيفة والجدّية

كثيراً ما تتصدر الرقابة على الإنترنت في الصين عناوين الصحف الدولية بسبب بعض الأمثلة الفظيعة. وأحد هذه الأمثلة التي حصلت أخيراً هو حظر بعض الصور من شخصية الرسوم المتحركة «ويني الدبدوب»؛ إذ أصبحت أخيراً صورة «ويني الدبدوب» بجانب صورة الرئيس الصيني شي جينبينغ ميم (محاكاة ساخرة) شعبية بسبب التشابه الواضح بين شخصية الرسوم المتحركة والرئيس. ولردع مستخدمي الإنترنت من الاستهزاء بالرئيس، منعت شرطة الفضاء الإلكتروني في الصين عمليات البحث التي تحتوي على المصطلحين معاً وحجبت مشاركة هذا الميم على «وي شات» وأوقفت أي شخص من كتابة تعليق يحتوي على مصطلح «ويني الدبدوب»، حتى إنها نشرت تحذيرات للأشخاص الذين قد يحاولون انتهاك القوانين الصينية.

وبالإضافة إلى الأمثلة السخيفة، يمنع جدار الحماية العظيم في الصين مستخدمي الإنترنت من استعمال كلمات رئيسية معينة في تطبيقات الدردشة في محاولة لمنع الاحتجاجات عبر الإنترنت. ويتم العثور على هذه الأمثلة على «وي شات» أولاً نظراً لشعبية التطبيق في الصين، ولأن معظم الخيارات الأخرى محظورة في الغالب. وفي منتصف يوليو (تموز)، وبعد وفاة حائز جائزة نوبل ليو شياوبو، منع المراقبون الصينيون الرسائل التي تحتوي على صور للناشط في مجال حقوق الإنسان، فضلا عن الرسائل التي تحتوي على بعض أشكال اسمه ورموز الشمعة. وكانت الرقابة مفروضة على الدردشات الفردية والجماعية.

ويذكر أنه عند إرسال المستخدمين صورة لليو لا يتلقاها الطرف الثاني من المحادثة. ولتجاوز الرقابة، خلق بعض المستخدمين رموزاً للإشارة إلى موت ليو. ولأنهم حظروا اسمه أو الأحرف الأولى من اسمه، صار الناس يضيفون فراغاتٍ بين الحروف أو إزالة أحدها. والبعض أشار إليه بأنه «الأخ ليو» أو «XXX»، أو «وانغ شياو بو» أو «المعلم ليو». ولا تبشر هذه التطورات في الرقابة – أي القدرة على حجب الصور والكلمات والرموز في أي نوعٍ من الدردشة – بالخير لمستقبل نشر المعلومات داخل الصين.
أصبح ليو مشهوراً لدوره خلال احتجاجات ساحة تيانانمن في 1989 حين بدأ إضراباً عن الطعام دعماً للمتظاهرين وساعد في التفاوض على خروجهم من الميدان. وكان أيضاً الكاتب الأول والموقع على «الميثاق 08»، وهو وثيقة تدعو إلى الإصلاح السياسي في الصين بعيداً عن حكم الحزب الواحد. وقد تسبب دوره كمنشق باعتقاله عدة مراتٍ، لذلك ليس من المستغرب أن يبذل المراقبون الصينيون جهداً إضافياً لحظر الناس الذين يحاولون إحياء ذكراه. وتظهر الرقابة المتعلقة بليو ذعر نظام الحزب الشيوعي الصيني من أي شكل من أشكال المعارضة. وقد تتخذ الحكومة تدابير كثيرة، بما في ذلك حجب الأشياء البسيطة مثل الرموز أو الاسم، لإلغاء كل ما يظهر على أنه تحدٍ لقوتها.

الضغط على الشركات للقيام بالرقابة الذاتية

في السنوات الأخيرة الماضية، أدت قوانين الإنترنت في الصين إلى قضايا مع عمالقة الإنترنت «غوغل» و«آبل». في 2010، اكتشفت «غوغل» أن عدداً من الشركات تعرضت للهجوم والاختراق بالإضافة إلى عددٍ من حسابات البريد الإلكتروني لناشطين بارزين في مجال حقوق الإنسان. ورداً على ذلك، حولت «غوغل» جميع زيارات البحث إلى مجال هونغ كونغ غير الخاضع للرقابة مما دفع السلطات الصينية إلى حظر الدخول إلى موقع «هونغ كونغ» في هونغ كونغ. ونتيجةً لذلك، اضطرت «غوغل» للخروج من السوق الصينية. ويذكر أن «غوغل» والصين تجريان محادثات منذ عدة سنوات حول عودة الشركة العملاقة إلى سوق الصين.
وقد خضعت «آبل» أيضاً أخيراً للتدقيق بسبب الضغط الصيني على قضايا الرقابة. وفي أواخر 2016، أزالت «آبل» تطبيق «نيويورك تايمز» من متجرها بناءً على طلبٍ من الحكومة لأنه انتهك بعض اللوائح المفروضة بموجب حكم 2016 حول إدارة خدمات معلومات تطبيقات الإنترنت عبر الهاتف الجوال. وفيما يلي نص الحكم:
«يجب على مقدمي تطبيقات الإنترنت عبر الهاتف الجوال ومزودي خدمة متجر تطبيقات الإنترنت، عدم استغلال تطبيقات الإنترنت عبر الهاتف الجوال لإشراك الأنشطة المحظورة بموجب القوانين واللوائح مثل تلك التي تعرض الأمن القومي للخطر أو تعطل النظام الاجتماعي أو تنتهك الحقوق والمصالح المشروعة للآخرين، ويجب ألا تستغل تطبيقات الإنترنت عبر الهاتف الجوال لصياغة أو إعادة إنتاج أو نشر أو نقل محتوى المعلومات المحظور بموجب القوانين واللوائح».

وقبل إزالتها من متجر «آبل»، واجهت صحيفة «نيويورك تايمز» بالفعل الحكومة الصينية التي حظرت الدخول إلى موقعها على الإنترنت. وفي يوليو 2017، قالت «آبل» إنها تتبع القانون الصيني عندما أزالت عدداً من الشبكات الافتراضية الخاصة والبرامج التي تسمح للمستخدمين بتخطي الرقابة التي تفرضها الحكومة الصينية على تصفح الإنترنت وذلك من خلال تخطي جدار الحماية العظيم. ويُذكر أن الحزب الشيوعي الصيني قد أعطى مشغلي الخدمات فرصةً حتى تاريخ 1 فبراير (شباط) 2018 لمنع دخول عملائهم إلى جميع الشبكات الافتراضية الخاصة، وحظر دخول الناس والشركات إلى شبكة الإنترنت المفتوحة. ويوجد أيضاً تقارير تفيد بأن المستخدمين لم يتمكنوا من تلقي الصور ومقاطع الفيديو عبر «الواتس آب»، وهو تطبيق دردشة مشهور أيضاً، إلا أنه ليس تحت رقابة الحزب الشيوعي الصيني. وتسمح هذه البرامج للناس داخل الصين بالوصول إلى المعلومات غير الخاضعة للرقابة، ولكن إمكانيات توافرها تحجب بسرعة.

وأعلنت أخيراً مطبعة جامعة كامبريدج أنها كانت تزيل بعضاً من البنود والنصوص بناء على طلب الحزب الشيوعي الصيني. وحذرت الإدارة العامة للصحافة والنشر من أنه إذا لم تقم مطبعة جامعة كامبريدج بإزالة 300 مقالة ومراجعات للكتب تحتوي على ما اعتبرته الحكومة موضوعات حساسة، فإن موقع الصين الفصلي سيحظر تماماً في الصين. وأعرب المجتمع الأكاديمي عن سخطه من خضوع مطبعة جامعة كامبريدج إلى الرقابة على الكتابات الأكاديمية. وأرسلت المطبعة بياناً عبر البريد الإلكتروني عمدت فيه إلى ترشيد قرارها من خلال الادعاء بأنه أفضل للجميع: فمن خلال إزالة 300 مقالة، تمكنت المطبعة من البقاء في الصين مما يتيح للباحثين فرصة قراءة المقالات التي لم يتم حظرها. وتظهر إجراءات مطبعة جامعة كامبريدج أن الصين سوق قيمة وأن الشركات ترغب في الحفاظ على إمكانية الدخول إلى أسواقها بغض النظر عما سيكلفها هذا الأمر. وتتجاوز هذه التحركات الحملة المتوقعة مقابل مؤتمرات الحزب التي تحدث مرة كل خمس سنوات. الحظر على الشبكات الافتراضية الخاصة، والإجراءات الأخرى المشار إليها في هذه المقالة، تدل على أن الرئيس والحزب الشيوعي الصيني يصران على السيطرة على المعلومات المتداولة داخل الصين. ومنع الناس من إجراء محادثاتٍ شخصية وتحديد ما يسمح للناس بمشاركته مع بعضهم البعض يجسد حقاً مقولة أورويل الشهيرة في «1984»: «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل. ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي». ويعمل الرئيس شي جينبينغ والحزب الشيوعي الصيني بلا كللٍ لاتباع هذه القاعدة. ويعتبر التهديد الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هو التدفق الحر للحقيقة والمعلومات، ولذلك يعمل الرئيس والحزب على القضاء عليه.

* توماس شاتوك: محرر مساعد وباحث مشارك في معهد أبحاث السياسة الخارجية.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.