مجزرة السجناء السياسيين في إيران... الجرح الذي لا يندمل - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, مقابلات

مجزرة السجناء السياسيين في إيران… الجرح الذي لا يندمل

«المجلة» تحاور «مصداقي» السياسي الذي قضى 10 سنوات في سجون الجمهورية الإيرانية

إيراج مصداقي
إيراج مصداقي

نيويورك – فيروزه رمضان زاده

* صدور أحكام الإعدام في جلسات محاكمة لم تستغرق إلا دقائق ووقوع انتهاكات كثيرة بحق السجناء
* منتظري لأعضاء نظام الولي الفقيه: «سيحكم عليكم التاريخ ويسجل أسماءكم في قائمة المجرمين».

ستبقى المأساة التي حلت بالسجناء السياسيين في إيران في الثمانينات، وخصوصا في صيف 1988، محفورة في الذاكرة الجمعية والتاريخية بصفتها حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها ونسيانها. وستبقى هذه التجربة التاريخية المليئة بالألم والعذاب مصدر حزن.
ما إن انتهى الحكم البهلوي ووصل نظام الجمهورية الإسلامية إلى السلطة حتى انطلقت آلة القمع والقتل للنظام الجديد عبر عمليات إعدام طالت بقايا النظام السابق واستمرت الإعدامات السرية والعلنية في كردستان وكنبد وآمل. وانطلقت موجة الاعتقالات والإعدامات بحق البهائيين ولكن هذه الإعدامات وصلت إلى ذروتها في الثمانينات وخصوصا في صيف 1988.

ما إن انتهت الحرب بقرار مجلس الأمن رقم 598 والذي دعا إلى وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب التي استمرت 8 سنوات بين إيران والعراق حتى قام أعضاء منظمة «مجاهدين خلق» الإيرانية بتحرك عسكري ومهاجمة الحدود الإيرانية مما جعل مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله الخميني يصدر فتوى بإعدام أعضاء منظمة «مجاهدين خلق» الإيرانية والأحزاب اليسارية والشيوعية في إيران في صيف 1988 وحتى 1989.
نُشرت الكثير من الإحصائيات المتباينة حول حصيلة الإعدامات التي نفذت بين أعوام 1981 و1988، حيث أفادت بعض المصادر أن عدد الذين تم إعدامهم خلال هذه السنوات بلغ ما يتراوح بين 15 و20 ألف شخص. وكتب آية الله منتظري المرجع الديني الشيعي ونائب آية الله الخميني والذي توفي في 2009 في مذاكراته أن عدد الذين تم إعدامهم في صيف 1988 فقط يتراوح بين 2800 و3800 سجين. وتقدر جماعات المعارضة الإيرانية بأن عدد ضحايا هذه الكارثة الإنسانية يتراوح بين 3 إلى 5 آلاف سجين.

آیة الله منتظری
آیة الله منتظری

ويشكل السجناء الذين كانت مدة عقوبتهم على وشك الانتهاء غالبية المعدومين في تلك الفترة. ولم تسلم السلطات جثة معظم المعدومين إلى ذويهم ونقلوا إلى مقابر مجهولة في مختلف المدن الإيرانية ودفنهم فيها دون إبلاغ العائلة، ومنها مقبرة خاوران الجماعية في طهران.
وأشار الناجون من عمليات الإعدامات العشوائية دون محاكمة وأيضًا التقارير الكثيرة التي نشرت حول هذه الإعدامات إلى صدور أحكام الإعدام في جلسات محاكمة لم تستغرق إلا دقائق ووقوع انتهاكات كثيرة بحق السجناء، منها الاعتداء على فتيات وهن عذراوات في السجن قبل إعدامهن وعمليات الضرب والتعذيب والتحرش الجنسي للسجناء دون سن 15 عاما وانتحار الكثير من المعتقلين.
وتحولت هذه الواقعة التاريخية البشعة إلى جزء مهم في التاريخ السياسي المعاصر في إيران من خلال روايات الشهود والناجين من تلك المجزرة السرية خلال العقدين الأخيرين.
يقول إيراج مصداقي وهو سياسي قضى 10 سنوات (1981 – 1991) في معتقلات أوين وقزل حصار وكوهر دشت لـ«المجلة»: «يقول آية الله منتظري إن الخميني أصدر حكما بقتل السجناء السياسيين في 28 يوليو (تموز) 1988 ولكن مسؤولي السجون أعلنوا صباح 27 يوليو عن عدم السماح بزيارة المعتقلين لفترة شهرين ومساء ذلك اليوم أخذ أعضاء لجنة الإعدام في سجن أوين يحضرون للعملية ولم يتم إعدام المعتقلين حتى منتصف الليل. هذا يثبت أنهم كانوا على علم مسبق بالأمر الذي وقّع عليه الخميني لاحقا وقاموا بالتحضير لتنفيذ الإعدامات».
وأشار الناشط السياسي إلى تجربته الأليمة في السجن حيث شاهد بأم رأسه كيف أقدم عدد من المعتقلين السياسيين في تلك الفترة على الانتحار.
وتعرف مصداقي في مارس (آذار) 1984 على شاب يدعى فيروز ألوندي في الزنزانة رقم (1) المبنى رقم (٣) لسجن قزل حصار الواقع في مدينة كرج.

واعتقل فيروز وهو طالب في كلية طب الأسنان بجامعة طهران بتهمة التعاون مع منظمة «راه كاركر» (درب العمال) وهي جماعة يسارية إيرانية.
ويقول مصداقي إن السلطات ألقت القبض على أغلب النشطاء السياسيين من طلاب كلية طب الأسنان التابعة لجامعة طهران بعد أحداث 20 يونيو (حزيران) 1981 وذلك بسبب القيام بنشاط سياسي غير محظور وقد تم إعدام عدد منهم. وحكمت المحكمة على فيروز بالسجن حتى يعلن «التوبة».
وكانت أسرة فيروز ألوندي بهائية هاجرت إلى أميركا بعد قيام الثورة الإسلامية، غير أن فيروز فضّل البقاء في إيران والإقامة مع جدته العجوز المنحني ظهرها والتي كانت تزوره في السجن.
وأشار مصداقي إلى الأعمال الشاقة التي كان يقوم بها السجناء في السجن قائلا إنه هو وفيروز كانا مضطرين إلى حمل النفايات إلى خلف المطبخ وإفراغها ومن ثم البحث فیها بالمجرفة عن علب بلاستيكية لفصلها عن النفايات. كان المكان يعج بالنفايات المتراكمة والبعوض والحشرات والرائحة النتنة.
وعلى الرغم من كل تلك الأعمال الشاقة فإن مصداقي وفيروز كانا يقضيان أوقاتاً جيدة معاً في السجن غير أن مسؤولي السجن لم يتحملوا حتى رؤيتهما يتمتعان بوقت جيد فقاموا بإبعاد سرير فيروز ألوندي عن سرير مصداقي. وأشار مصداقي إلى إعفاء مدير سجن قزل حصار الحاج داود رحماني في يوليو 1984 وتغيير ظروف السجن قائلا: «لقد طرأت تغييرات على مستوى إدارة السجن وسنحت لي فرصة لأقيم صفوف تعلم الإنجليزية وكان فيروز من ضمن السجناء الأوائل الذين التحقوا بهذه الصفوف ولكنه ترك الصفوف بعد فترة. وكان ينام فيروز حتى موعد الغداء ولم يكن يأتي لاستقبال زواره في أيام الزيارات. وظهرت عليه كل علائم الكآبة».
وقال مصداقي إنه يلوم نفسه كثيرا لأنه لم يأخذ الحالات النفسية التي بدت على فيروز آنذاك على محمل الجد، ومنها زيادة تعاطي السجائر والتزام الصمت والعزلة.

فیروز الوندی
فیروز الوندی

وأشار مصداقي إلى 19 أبريل 1985 قائلا: «بعد الانتهاء من تناول الفطور انتبهت إلى أن فيروز يرسم شيئا وهو جالس على السرير بالألوان التي جلبها له أحد السجناء في المقر الثقافي».
وكان فيروز ألوندي قد أطلق على هذه الرسمة عنوان «الزنابق المقلوبة». وكان يقرأ فيروز لمصداقي من القاموس الذي كان بحوزة السجناء معلومات عن الزنابق المقلوبة «زهرة برية تزهر في أبريل».
وبعد ثلاثة أيام غادر جميع السجناء الغرفة لمشاهدة فيلم وقام فيروز في أثناء ذلك بتحضير حبل وذهب إلى الحمامات وغسل ملابسه خلافا للأيام السابقة وقرأ أخبار الجريدة حتى الصفحة الأخيرة. وفي 21 أبريل وعند موعد الفطور انتبه مصداقي إلى غياب فيروز.
لقد عثر أحد السجناء على جثته في المرحاض رقم (2) للسجن وقد قام بشنق نفسه وهو يرتدي بيجامة زرقاء وسترة طيار.
ويقول مصداقي: «لقد طال عنق فيروز لبضعة سنتيمترات بسبب حبل المشنقة وكان واضحاً أنه لفظ أنفاسه الأخيرة بصعوبة».
ولم ينس مصداقي ملامح وجه فيروز ألوندي وهو الشاب الذي أعلن احتجاجه على الوضع الراهن منذ فترة حيث قام برسم الزنابق المقلوبة وتحديد 21 أبريل موعدا للانتحار.

لقد مر أكثر من 30 عاما على موجة الإعدامات التي نفذت بحق السجناء السياسيين في الثمانينات ولم يعترض مسؤول حكومي واحد على هذه الإعدامات أو يتحمل المسؤولية عنها إلا آية الله منتظري نائب آية الله الخميني. ولقد تنحى منتظري، الذي كان بإمكانه أن يصل إلى أعلى منصب في النظام، من منصبه كنائب لآية الله الخميني بعد عام واحد من مجزرة صيف 1988.
ونشر الموقع الإلكتروني لآية الله منتظري في 9 أغسطس (آب) 2016 تسجيلا صوتيا لمدة 40 دقيقة يحتوي على تصريحات أدلى بها المرجع الشيعي منتظري في 15 أغسطس 1988 خلال جلسة حضر فيها حاكم الشرع آنذاك حسين علي نيري ومدعي عام إيران مرتضى إشراقي ونائبه إبراهيم رئيسي وممثل وزارة الأمن في سجن أوين مصطفى بورمحمدي، حيث يندد منتظري في التسجيل بهذه المجازر البشعة وبأنها غير قانونية.
وحذر منتظري في هذا التسجيل الصوتي الحاضرين في الجلسة: «ما قمتم به أبشع جريمة في الجمهورية الإسلامية وإن التاريخ سيحكم عليكم ويسجل أسماءكم في قائمة المجرمين».

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.