الدهس العشوائي... عمليات «الخيول المسمومة» - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تحقيقات, قصة الغلاف

الدهس العشوائي… عمليات «الخيول المسمومة»

سيارات الرعب ورسائل التهديد الإرهابي إلى أوروبا

عملية دهس لعشرات الأشخاص في برشلونة بإسبانيا
عملية دهس لعشرات الأشخاص في برشلونة بإسبانيا

أنقرة: محمد عبد القادر خليل*

* حلقات الفعل الإرهابي غدت وكأنها «كأس دوارة» تطوف بلدان أوروبا تباعاً.
* استراتيجيات «الأسراب الهائمة» تركز على المناطق التي يُحدث استهدافها أثراً سلبياً على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
* أغلب القائمين بعمليات الخيول المسمومة ليس لهم سوابق في أعمال إرهابية.
* ظاهرة الفعل الإرهابي باتت تستهدف مختلف دول العالم بأدوات متنوعة وأساليب تتناسب مع البيئات المحلية.
* شهدت الساحات المحلية الأوروبية إجراءات تقليدية أقرب إلى تكتيكات البلدان الشرق أوسطية.

«جئناكم بالدهس»؛ بات الشعار الذي تحمله رسائل تنظيم داعش إلى بلدان أوروبا في موسم اشتداد عمليات «الخيول المسمومة» بالشمال الأوروبي، في ظل انحسار نفوذ التنظيم على ساحات وميادين الصراع في الشرق الأوسط، لتزايد مظاهر انتقال مجموعات من عناصره إلى الدول الغربية، التي كانت قد اتخذت تدابير أمنية، تحسباً لمحاولة استهدافها عبر تفجيرات إرهابية، أو عمليات انتحارية، أو سيارات مفخخة، بيد أن استراتيجيات تأكيد البقاء لدى «الذئاب المنفردة»، و«الخلايا النائمة»، و«الأسراب العشوائية» لـ«الدواعش الصغار» اعتمدت على تكتيكات عكسية تقوم على اختيار هدف صعب عبر أدوات سهلة ورخيصة، تتمثل في استخدام «سكين» لطعن المارة في أحد أشهر وأكبر ميادين ومراكز أوروبا، أو امتطاء سيارة صغيرة وتحويلها إلى أداة دهس الأبرياء عشوائياً، لتتحول هذه الظاهرة متصاعدة الحضور إلى ما يشبه «الموضة الإرهابية» لإحباط الاستراتيجيات الأمنية الغربية، وكسر حلقاتها، واختراق تدابيرها الاحترازية.
وقد شهدت البلدان الأوروبية أخيراً سلسلة متلاحقة من هذه «العمليات البدائية» التي اعتمدت تقريبا نفس الأسلوب وفي مناطق بدت متشابهة، فقد وقعت خمس عمليات إرهابية وفقا لتسلسل زمني خلال أسبوع واحد. فمنذ 17 أغسطس (آب) شهدت ساحة رامبلاس السياحية في برشلونة حادث دهس، أسفر عن مقتل 4 أشخاص وإصابة أكثر من 50 آخرين، وبعدها بساعات شهد شاطئ كامبريلس بجنوب برشلونة، حادث دهس آخر أفضى إلى إصابة 6 مدنيين، بالإضافة إلى شرطي.

اعتقال أحد الأشخاص الأربعة المشتبه في قيامهم بتشغيل الكثير من منصات الإنترنت ونشر دعاية لتنظيم داعش في محاولة لتجنيد شابات للانضمام إلى التنظيم في مليلية، الجيب الإسباني المجاور للمغرب (غيتي)
اعتقال أحد الأشخاص الأربعة المشتبه في قيامهم بتشغيل الكثير من منصات الإنترنت ونشر دعاية لتنظيم داعش في محاولة لتجنيد شابات للانضمام إلى التنظيم في مليلية، الجيب الإسباني المجاور للمغرب (غيتي)

وفي 19 أغسطس، أصيب عدة أشخاص في عملية دهس للمشاة في منطقة مزدحمة في مدينة سيدني، أسفر عن إصابة 5 أشخاص من بينهم طفل، هذا فيما شهدت فنلندا قيام رجل مسلح بسكين بقتل شخصين وإصابة 6 آخرين في هجوم بميدان توركو، وذلك في 18 أغسطس 2017، كما شهدت مدينة بيرتال الألمانية مقتل شخص وإصابة آخر في حادث طعن في مدينة بيرتال غرب ألمانيا. هذا في الوقت الذي قامت فيه الشرطة الروسية بتصفية مهاجم بعد قيامه بعمليات طعن وسط مدينة سورغوت شرقي روسيا، أسفرت عن إصابة 8 أشخاص بجروح.
أوضح ذلك أن حلقات الفعل الإرهابي غدت وكأنها «كأس دوارة» تطوف بلدان أوروبا تباعاً، من لندن إلى باريس فالسويد وألمانيا وإسبانيا وغيرها من الدول الغربية، التي باتت تشهد موجات عنف إرهابي متلاحقة لا تستهدف سوى بث رسائل الرعب والخوف، ونزع الشعور بالأمان والتحصين ضد الهجمات الإرهابية عبر «خيول مسمومة» لا تمثل استراتيجيتها تطوراً مستجداً إلا في وتيرته، إذ تعود إلى نشأة تنظيم داعش ذاته في عام 2014، وذلك حينما دعا أبو محمد العدناني، المتحدث باسم تنظيم داعش الإرهابي، في كلمة مسجلة له قبل مقتله، لا تزال تلقى تجاوباً من المتعاطفين مع التنظيم الإرهابي في الغرب، قال فيها: «إذا لم تنجح في إلقاء قنبلة، أو فشلت في فتح النار على مشرك، فيمكنك طعنه بسكين أو ضربه بالحجر أو سحقه بسيارة».

وتوضح الخريطة السابقة الدول التي حدثت فيها هجمات إرهابية منذ يناير (كانون الثاني) 2014 وحتي مايو (أيار) 2017. بالإضافة إلى عدد الهجمات التي شهدتها كل دولة، ويتبين منها أن فرنسا تُعد أكثر دولة حدثت بها هجمات إرهابية (51)، تليها ألمانيا (24)، ثم إنجلترا (23)، ثم بلجيكا (12)، وذلك وفق تقديرات Heritage Foundation.

أنماط عمليات «الخيول المسمومة»

تتنوع أدوات العنف الإرهابي وتتعدد وسائله وأنماطه غير التقليدية، كما تختلف الأدبيات والاتجاهات فيما يخص التأصيل التاريخي لظواهر الطعن والدهس الإرهابية، بيد أنه من الواضح أنها تعود بالأساس إلى بعض العناصر المتطرفة داخل إسرائيل، والتي استخدمت في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1987 شاحنة لتصطدم عمداً بسيارتين فلسطينيتين كانتا تقلان عمالاً من مخيم جباليا، مما أسفر عن مقتل أربعة وجرح تسعة آخرين، وهو ما كان سببا في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد إسرائيل. وقد قام تنظيم القاعدة بعد ذلك باستخدام الشاحنات في عملياته الإرهابية في «جزيرة العرب»، (فرع القاعدة في اليمن). ففي مقال بعنوان «آلة القص»، في مجلة «انسباير»، التي يصدرها تنظيم القاعدة، دعا فرع اليمن إلى استخدام الشاحنات مثل «آلات قص، لا لحصد العشب، ولكن لحصد أرواح أعداء الله»، وقد شجع ذلك أتباعه على استخدام الشاحنات كسلاح.
كما لجأ بعض الفلسطينيين في الضفة والقدس الشرقية إلى توظيف أسلوب الطعن ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية في محاولة لمواجهة السياسات العنصرية التي تتبعها حيال الشعب الفلسطيني. هذا فيما تُرجع بعض الاتجاهات الغربية هذه الظاهرة إلى المقاتلين الشيشان ضد الجنود الروس، حيث استخدام أداة الذبح بالسكين للجنود في عمليات مصورة، وبثها عبر أشرطة فيديو قبل انتشار الإنترنت.

وقد باتت شبكات التواصل الاجتماعي تضطلع بأدوار رئيسية في الترويج لظاهرة الخيول المسمومة، والتي تستهدف تحويل «الخلايا الخاملة» إلى «خلايا نشطة» وأفعال وسلوكيات هجومية، وذلك من خلال اقتناص الثغرات الأمنية وضرب التمركزات الجماهيرية، كما حدث في أغلب العمليات الأخيرة التي شهدتها بلدان أوروبية، وذلك فيما يشبه «حرب العصابات»، من خلال نشر فكرة ينفذها شخص أو مجموعة أشخاص، ليس بالضرورة أن يكونوا مرتبطين عضويا بـ«التنظيم الأم»، وإنما قد يكونون محض متعاطفين معه، أو مجندين من قبل عناصره عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. فعلى سبيل المثال، تم تجنيد المواطن الأوزبكي الذي قام بعملية استوكهولم في أبريل (نيسان) 2017 عبر «فيسبوك».

السيارة التي استخدمت في عملية دهس استهدفت مصلين قرب مسجد فينسبري بارك في لندن
السيارة التي استخدمت في عملية دهس استهدفت مصلين قرب مسجد فينسبري بارك في لندن

وقد بدا واضحا أن القائمين بمثل هذه العمليات الإرهابية لا ينتمون إلى جنسية واحدة، فقد بدأت الموجة المتصاعدة من هذه العمليات مع الفرنسي من أصل تونسي، محمد سليمان لحويج بوهلال، والذي نفذ هجوماً بشاحنة في مدينة نيس الفرنسية في 14 يوليو (تموز) 2016 أفضت إلى مقتل نحو 84 شخصا وجرح أكثر من 100 شخص من المحتشدين لمشاهدة الألعاب النارية بمناسبة الاحتفال بـ«يوم الباستيل». وفي 19 ديسمبر 2016 ببرلين، استهدف التونسي أيضاً أنيس العامري متسوقين في موسم أعياد الميلاد بالعاصمة الألمانية، مما أسفر عن مصرع 12 شخصا وإصابة أكثر من 50 آخرين.
كما عرفت منطقة وستمنستر في بريطانيا في 22 مارس (آذار) 2017 حادث دهس قام به البريطاني خالد مسعود بواسطة سيارة أجرة، مما أسفر عن مقتل أربعة من المارة على الرصيف وإصابة العشرات، بعد تحطم سيارته في السور قرب محطة وستمنستر، وذهب مسعود إلى ساحة البرلمان ونفذ عملية طعن، قبل أن ينتهي الهجوم الذي استمر 82 ثانية، عندما أصيب مسعود بالرصاص في صدره بنيران أحد الضباط البريطانيين. وفي استوكهولم، اقتحم الأوزبكي، رخمات أكيلوف، في أبريل 2017 سوقا بشاحنة مسروقة، مستهدفا حشودا على طول شارع دروتنينغاتان في العاصمة السويدية استوكهولم، وقتل أربعة أشخاص وأصاب 15 آخرين بجروح.
كما شهدت ألمانيا في 25 فبراير (شباط) 2017، عملية دهس في هايدبرج، أسفرت عن مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين، واتضح أن منفذها مواطن ألماني يبلغ من العمر 35 عاما، هذا في حين كان أنيس العامري يبلغ من العمر 25 عاما، وكذلك منفذ هجوم برشلونة، موسى أوكابير، يبلغ من العمر 18 عاماً. ويوضح ذلك أن قطاعاً عريضاً من منفذي هذه الهجمات من الشباب. الذين لم يسبق لهم الانخراط في عمليات إرهابية.

وحسب تقديرات Heritage Foundation، لأعداد ونسب المشاركين في العمليات الإرهابية من النساء (females) والمراهقين (teens) منذ 2014 وحتي 2017، فإن 17 في المائة من العمليات الإرهابية شاركت فيها نساء، كما أن 25 في المائة من العمليات الإرهابية شارك فيها مراهقون. وتقوم استراتيجية هذه العمليات الإرهابية على محاولة خلق ما يمكن عدّه صدمة وارتباكا من أجل قتل وإصابة أكبر عدد من المواطنين، كما قد تستخدم أدوات مزدوجة تجمع بين الدهس والطعن معا، كما حدث في منطقة وستمنستر. وقد يعقب عمليات الدهس محاولة استخدام الأعيرة النارية، فقد أعقب هجوم استوكهولم في أبريل 2017 عمليات لتبادل إطلاق النار. كما وجدت الشرطة أسلحة نارية في السيارة التي قامت بعمليات الدهس في مدينة نيس الفرنسية في 14 يوليو 2016.
وقد ثبت أن استراتيجيات «الأسراب الهائمة» الإرهابية تقوم على التركيز على المناطق التي يُحدث استهدافها أثراً سلبياً على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، لذلك يتم التركيز على الميادين الكبرى والمواقع الحيوية، ومناطق تمركز السائحين. ففي عملية برشلونة، التي تمثل مقصدا سياحيا دوليا كل عام، سيما في شهر أغسطس، قام تنظيم داعش بعمليتين هذا العام، مما أدى إلى مقتل مواطنين ينتمون لنحو 34 جنسية مختلفة، بينها فرنسا وألمانيا والأرجنتين وأستراليا وبلجيكا ورومانيا.

وعلى خلاف العمليات الإرهابية التي تشهدها الكثير من بلدان الشرق الأوسط، فإن العمليات الإرهابية التي شهدتها بلدان أوروبا أخيرا تركز على المدنيين وليس العسكريين، ليس وحسب انطلاقا من أن ذلك يمثل الهدف السهل في ظل التدابير الأمنية الضخمة التي تتخذها البلدان الأوروبية، وإنما أيضاً بسبب محدودية خبرات القائمين بهذه العمليات، بما يصعب من مهمة استهداف المؤسسات الأمنية أو الأجهزة الشرطية أو الأبنية الحكومية على غرار ما شهدته الكثير من بلدان إقليم الشرق الأوسط كتركيا وإيران وتونس وغيرها. هذا على الرغم من أن باريس كانت قد شهدت في 9 أغسطس 2017، حادث إطلاق الشرطة النار على رجل بعد أن صدم مجموعة من 12 جنديا، مما أدى إلى إصابة ستة منهم غرب المدينة قبل أن يلوذ بالفرار.

يوضح الشكل السابق الفئات التي تم استهدافها من العمليات الإرهابية في أوروبا خلال الفترة من 2014 إلى 2017، حيث يعبر اللون الأزرق عن نسبة (المدنيين) الذين تم استهدافهم، كما يعبر اللون الأخضر عن (قوات الجيش والشرطة)، واللون الرمادي (مزيج من الفئات)، واللون الرصاصي (فئات غير محددة)، ويوضح ذلك أن المدنيين هم الأكثر استهدافاً بنسبة إجمالية (55 في المائة)، تليها قوات الجيش والشرطة بنسبة (31 في المائة)

أسباب تصاعد وتيرة عمليات الخيول المسمومة

تمثل مؤشرات التراجع الميداني التي بات يعاني منها عناصر تنظيم داعش في ساحات الشرق الأوسط المضطربة أحد محركات محاولة نقل المعارك إلى دول «التحالف الدولي»، وذلك بهدف رفع الروح المعنوية لدى عناصره، والتأكيد على أن تراجع مناطق التمدد والسيطرة لا يتناسب طردياً مع نطاق النفوذ وإمكانيات استهداف القوى الغربية، وقد وصفت تلك السياسة بأنها سياسة «دفع الثمن»، وهي تعتمد على أن يقوم عناصر التنظيم بضرب مصالح الدول الأوروبية، في مناطق لا تخضع لسيطرة «داعش»، للرد على قيام هذه الدول بالمشاركة في الحرب على التنظيم في مناطق سيطرته، مثل سوريا والعراق.
ويقوم بتنفيذ عمليات «دفع الثمن» مجموعات أخرى، غير التي تنخرط في ميادين الصراع الملتهبة في هذه الدول، وتسمى هذه المجموعات «بالذئاب المنفردة»، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إشعار هذه الدول بأنها مكشوفة ومحاصرة ومخترقة من قبل التنظيم الإرهابي، وغير قادرة على حماية وتأمين مواطنيها.
وقد لفتت وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم الإرهابي، في بيان بعد عملية برشلونة، إلى أن «جنود الخلافة استجابوا لدعوات الانتقام من التحالف الدولي». وفي ديسمبر 2016، بث تنظيم داعش إصداراً مرئياً، شرح خلاله طريقة استخدام السكاكين في القتل، والإصدار الثاني تناول تكتيكات عمليات الدهس. وقد مثّل ذلك أحد محركات اشتداد أثر هذه العمليات أخيرا، سيما أن أغلب القائمين بها عناصر لا سجل جنائياً لها، وليس لأغلبها سوابق بشأن التورط في عمليات إرهابية، بما يشكل دافعاً لدى البعض للإشارة إلى أن أوروبا باتت تشهد ما يمكن اعتباره «صواريخ بشرية موجهة» أو مجموعات من «الذئاب الطائشة» التي اعتنقت أفكار التنظيمات الإرهابية عن بُعد، واتجهت لتحقيق أهدافها وخططها وتكليفاتها في المناطق الغربية المفترض أن تكون أكثر أماناً، وذلك في عمليات يصعب التحكم بها، رغم رفع درجات الاستعداد الأمني في الكثير منها إلى الدرجة القصوى.

لا ينفصل ذلك أيضاً عما يطلق عليه من قبل بعض الاتجاهات والأدبيات «التورط الغربي السلبي» في دعم التيارات المتطرفة من قبل بعض الحكومات الأوروبية، حيث دعم بعضها تيارات متشددة تعتنق أفكارا متطرفة، كما أن الكثير من هذه البلدان سمحت لمواطنيها بالذهاب إلى ميادين القتال البعيدة، ثم فتحت أبوابها أمام عودتها. وقد وضح الأثر السلبي لذلك في العمليات الإرهابية التي شهدتها كل من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا خلال الأشهر الماضية.
وتشير تقديرات إلى أن هناك دولا غربية حاولت استخدام بعض التنظيمات المتطرفة لخدمة سياساتها وأهدافها الخارجية، بما بات ينعكس سلبا على قلب مدنها ومناطق كثيرة في جوارها، ترتبط بها وتتفاعل معها سياسيا واقتصاديا وأمنيا أيضاً بصورة أو بأخرى، ولا ينفي ذلك أن ظاهرة الفعل الإرهابي لم تعد تفرق بين المجتمعات القريبة وتلك البعيدة، فقد باتت تستهدف مختلف دول العالم بأدوات متنوعة وأساليب تتناسب مع البيئات المحلية التي تعمل بها.
بيد أن ذلك يثبت، على جانب آخر، أن قناعة دول غربية بأن تمتعها بأنظمة ديمقراطية سيحول دون تعرضها لعمليات إرهابية، أمر بات يجانبه الصواب، ذلك أن بلدانا أوروبية كثيرة باتت تواجه التهديد الإرهابي داخل المجتمع المحلي ذاته وانطلاقاً منه، وفي ميادينه وساحاته المختلفة. وقد يزيد من هذا التهديد تزايد المؤشرات والتقديرات الأمنية الغربية التي توضح تصاعد عمليات الهجرة العكسية من مواطني البلدان الغربية الذين انخرطوا في الصراعات بسوريا والعراق إلى بلدانهم الأصلية، بما يصعب على هذه البلدان مهمة مراقبة مختلف هذه العناصر في توقيت واحد في ظل ضخامة أعدادها، سيما أنها تترافق مع عمليات هجرة متنوعة المشارب وواسعة النطاق لبلدان أوروبية، سواء بطرق شرعية أو غير شرعية.

عملية يرشلونة أغسطس الماضي
عملية يرشلونة أغسطس الماضي

ويوحي تكرار مثل هذه «العمليات البدائية» نسبيا بأن محدودية قدرة تنظيم داعش على القيام بعمليات نوعية، تدفع إلى إمكانية استمرار عمليات الطعن والدهس التي تستهدف الهجوم على أهداف سهلة ليست محمية، ولا يتطلب استهدافها تقنيات تكنولوجية يصعب استخدامها، أو يسهل اكتشافها من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة، وهو ما يعني أن التعامل الأمني والشعبي مع تهديد محتمل على نحو يومي قد يغدو مثيراً للمخاوف والهواجس، ذلك أنه يبدو من الصعوبة بمكان منع هذه الحوادث في الأماكن العامة، وذلك لتعدد الأهداف التي يمكن استهدافها من قبل العناصر الإرهابية، أو «خيول داعش المسمومة».
وقد بلغ إجمالي عدد الهجمات الإرهابية في أوروبا منذ يناير 2014 وحتي مايو 2017 نحو (142) عملية إرهابية، (15) منها في عام 2014، و(38) في عام 2015، و(59) عام 2016، و(30) عام 2017.

وعلى الرغم من أن الكثير من العمليات التي شهدتها بلدان غربية باتت تحيط بها الشكوك بسبب مقتل أغلب منفذيها، وعدم التوصل إلى مختلف الحلقات والخلايا التي تورطت فيها، فإنها – على جانب آخر – باتت أحد محركات تصاعد أدوار تيارات اليمين المتطرف على الساحة الأوروبية، سيما تلك التي شهدت خلال السنوات الماضية تصاعد معدلات الهجرة من منطقة الشرق الأوسط. ومع أن الكثير من العمليات الإرهابية شهدتها بلدان غربية فإنها أسفرت عن مقتل مواطنين مسلمين تصادف وجودهم في مناطق العمليات الإرهابية، كتلك التي شهدتها ساحة لارامبلا ببرشلونة الإسبانية، حيث دهست شاحنة صغيرة عشرات الأشخاص، وراح ضحيتها 14 قتيلا وعشرات من الجرحى، من بينهم 3 جزائريين. هذا فيما لقي رجل مصرعه وأصيب آخرون بجروح، بعد أن قاد شخص شاحنة مستهدفا مجموعة من المصلين خارج مسجد شمال لندن في فينسبري بارك، عندما هموا بمغادرة المسجد بعد صلاة التراويح في 19 يونيو (حزيران) 2017.
ويوضح الشكل السابق عدد الوفيات (fatalities) والمصابين (injuries) خلال العمليات الإرهابية بين عامي 2014 و2017، حيث بلغ عدد المصابين (1.417)، وعدد الوفيات (327).

التدابير الأوروبية لمنع الحوادث الإرهابية

لجأت البلدان الأوروبية إلى الكثير من التدابير الأمنية التي من شأنها التعاطي مع تصاعد تحدي عمليات الدهس والطعن التي تصاعدت وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة، وقد أفضى ذلك إلى تكثيف العمليات العسكرية على ساحة الشرق الأوسط في مناطق تمركز تنظيم داعش، كما تشددت البلدان الأوروبية في التعاطي مع قضية اللاجئين، ووقعت اتفاقا مع تركيا بهذا الخصوص في مارس 2016. وقد تبنت تدابير أمنية غير مسبوقة فيما يخص عملية منح تأشيرات الدخول إلى أراضيها، وتصاعدت عمليات تتبع مواطني البلدان الأوروبية على ساحة المعارك في سوريا والعراق.
وعلى جانب آخر، شهدت الساحات المحلية الأوروبية إجراءات بدت تقليدية وأقرب إلى استنساخ التكتيكات التي يتبعها عدد من البلدان الشرق أوسطية، حيث لجأت الكثير من السلطات الأوروبية إلى تدشين حواجز إسمنتية وسواتر رملية في الشوارع الرئيسية والميادين الكبرى. فقد وضعت لندن، على سبيل المثال، حواجز إسمنتية على أرصفة وجسور وسط لندن في يونيو 2017، واتخذت إجراءات مماثلة حول القصور الملكية، بعد هجوم برلين في ديسمبر 2016، وكذلك اتجهت في أوقات إلى إغلاق الشوارع المحيطة بقصر باكنغهام، خلال مراسم تبديل حرس الشرف، والتي تجذب عادة حشود السياح باستمرار، كما وضعت حواجز إسمنتية حول قصر ويندسور، مقر إقامة الملكة خارج لندن.

وفي فرنسا تم وضع حواجز إسمنيتة مؤقتة باستمرار عند مداخل «التجمعات الكبيرة»، مثل جادة الشانزليزيه، وقد أقدمت بعد ذلك على تبديل الحواجز الرملية في منطقة المشاة على ضفاف نهر السين في باريس بسيارات الشرطة، وكذلك شهدت بعض مناطق ألمانيا إجراءات احترازية مماثلة، وأيضاً كل من بروكسل، واستوكهولم، والتي وضعت بدورها حواجز خرسانية على شكل «أسود» في شوارع المشاة الرئيسية في العاصمة السويدية.
ويبدو من ذلك أن التنظيمات الإرهابية وخيولها المسمومة وقنابلها السائبة المتجولة تستخدم الأدوات التي تتناسب مع الميدان الذي تستهدفه. ففيما تركز على استهداف الأقليات، وفق دوافع طائفية في سوريا والعراق، فإنها تستهدف المؤسسات الحكومية والمقارات الرسمية والعناصر الأمنية في مناطق شرق أوسطية أخرى، هذا في حين تقوم باستهداف الأهداف السهلة بأدوات رخيصة ومتاحة في البلدان الغربية نظرا لتعقد الإجراءات الأمنية المتبعة بها، دون أن يوحي ذلك المشهد بعدم إمكانيات وقوع حوادث إرهاب نوعية في بعض البلدان الغربية على غرار استهداف قطارات لندن ومدريد في عام 2005. فقد يمثل ما تشهده بعض البلدان الأوروبية محض تمويه أو مقدمة لعمليات إرهابية أعنف وأكبر، وقد يدفع ذلك بضرورة أن تتزامن عمليات تحرير الأرض من قبضة التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، مع دعم عمليات التنسيق الأمني بين البلدان الأوروبية، وكذلك دعم قدرات دول الشرق الأوسط في مواجهة التنظيمات المتطرفة حتى تتكامل أطر المواجهة وتتعاظم آثارها وفعاليتها.

* مدير برنامج تركيا والمشرق العربي – مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.