كيف يمكن للمواطنين والقادة مكافحة الفساد؟ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

اقتصاد, قصة الغلاف

كيف يمكن للمواطنين والقادة مكافحة الفساد؟

الكسب غير المشروع يعيد هيكلة الحكومات في العالم

حركة مكافحة الفساد في الولايات المتحدةحركة مكافحة الفساد في الولايات المتحدة
حركة مكافحة الفساد في الولايات المتحدة

واشنطن – سارة تشايس*

* الفهم العميق للأميركيين العاديين يتماشى أكثر مع مبدأ روح العصر المكافحة للفساد الذي اجتاح العالم في العقد الماضي
* من الصعب قياس الفساد ومن السهل تجاهله من خلال التحجج باختلاف المعايير الثقافية.
* يمكن للمعايير والعادات التي تروج لها المؤسسات الدولية أن تساعد في بعض الأحيان.
* «بلاتا أو بلومو» (الفضة أو الرصاص). أخذ المال أو أخذ رصاصة قاتلة.. إنه خيار المافيا القديم أمام الموظف العام.
* يجب على الإصلاحيين أن يطوروا رؤية ملهمة ترفع قيماً أخرى غير النمو المادي وتراكم الأموال.

صاح المرشح الجمهوري لرئاسة الجمهورية دونالد ترمب في مسيرات الحملات الانتخابية في 2016: «جففوا المستنقع!»، وصخبت الحشود، فاز ترمب. وانتقد المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز في مسيراته الخاصة: «إن نظامنا السياسي فاسد» ويصل معدل موافقته إلى نحو 60 في المائة، وهو ما يحجّم أي مسؤول آخر منتخب على المستوى الوطني. وعلى الرغم من أن الكثير من جوانب السياسة الأميركية قد تكون مربكة، فإنه من الواضح أن الأميركيين غاضبون أكثر من الفساد عما كانوا عليه منذ ما يقرب من قرن، بطرق لا يستوعبها الكثيرون من التيار السياسي. فلم يكن هذا الموضوع محوريًا في أي من منابر الأحزاب الرئيسية. ويميل كبار المسؤولين إلى خلط ما هو قانوني بما هو غير فاسد، فيتحدثون بلغةٍ مختلفةٍ تمامًا عن لغة ناخبيهم.

روح العصر

وعلى الرغم من أن المؤسسة السياسية، التي تتضمن قضاة المحكمة العليا، قد تتشبث بفكرة قانونية عن الفساد، فإن الفهم العميق للأميركيين العاديين يتماشى أكثر مع مبدأ روح العصر المكافحة للفساد الذي اجتاح العالم في العقد الماضي.
ففي البرازيل، عززت احتجاجات الشوارع الضخمة المستمرة على مدى عامين قوة الشرطة الفيدرالية وقاضي مكافحة الفساد سيرجيو مورو، حيث قاموا بالتحقيق وتقديم مرتكبي جرائم رفيعي المستوى إلى العدالة في شبكة من فضائح الفساد. وقد أدى عملهم بالفعل إلى اتهام الرئيسة ديلما روسيف وخليفتها ميشيل تيمر. وهزت حركة مماثلة غواتيمالا حيث ساعدت لجنة مدعومة من الأمم المتحدة الادعاء العام على توجيه الاتهامات إلى عشرات المسؤولين بمن فيهم أوتو بيريز مولينا الذي كان رئيسًا للبلاد حتى 2015 عندما استقال وتم القبض عليه بتهمة الفساد. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، واجهت رئيسة كوريا الجنوبية باك جيون هاي نفس هذا المصير.
وفي بلدان مختلفة مثل بلغاريا وهندوراس والعراق ولبنان وماليزيا ومولدوفا ورومانيا وجنوب أفريقيا، حيث لم يتم إسقاط الحكومات، أظهر المواطنون طاقة جماعية ملحوظة في احتجاجاتهم ضد الفساد. وإذا ما أُخِذت هذه الاحتجاجات المتباينة معًا، فإنها تزداد إلى المستوى المنخفض من الاعتصامات في جميع أنحاء العالم. وفي بلدان أخرى، أخذت حكومات مثل الصين مبادرات تستهدف المسؤولين غير المؤتمنين.

التظاهر ضد الفساد

وعلى الرغم من التظاهر بتأييد إيجاد حل لمشكلة الفساد منذ عقود، فإن زعماء الدول الغنية والمتقدمة لم يعيروا هذه المسألة اهتماما أكبر من كونها قلقًا في السياسة الخارجية من الدرجة الثانية. ففي النهاية، من الصعب قياس الفساد ومن السهل تجاهله من خلال التحجج باختلاف المعايير الثقافية وقيمة «المدفوعات التسهيلية» في تمهيد الطريق للبيروقراطية. ولكن في الآونة الأخيرة، أصبح من الصعب إنكار أن الفساد يكمن في جذور الكثير من المشكلات العالمية الأساسية، مثل انتشار التطرف الديني العنيف أو الصراع الأهلي والإصابات الجماعية التي شهدتها سوريا وجنوب السودان، ناهيك بأزمات اللاجئين التي أعقبت هذه المشكلات. كما يلعب الفساد دورًا رئيسيًا في التهديد الوجودي العالمي الحقيقي: وهو تدمير البيئة.
عند الحديث عن العلاقة السببية بين الفساد ومثل هذه القضايا، غالبا ما يُطرح علي أسئلة على هذا النحو: «حسنا، الفساد شيءٌ سيئ، ولكن هل هناك ما يمكن القيام به حيال ذلك؟ هل هناك أمثلة عن الدول التي سحبت نفسها من حافة الهاوية؟». قام العالم السياسي روبرت روتبرغ بالتأكيد بالإجابة على نفس الأسئلة مرات كثيرة خلال مسيرته المتميزة. وقد نشر الآن إجابة شاملة ومفصّلة.

ديلما روسيف
ديلما روسيف

إن إجابة كتابه على السؤال الثاني مهمة: فبعض الأماكن قد خفضت إلى حدٍ كبير من الفساد. وبعض الأسماء في تلك القائمة هي قصص نجاح مألوفة، مثل هونغ كونغ وسنغافورة. وآخرون – مثل بوتسوانا وجورجيا ورواندا – قد يفاجئون بعض القرّاء. يختبر روتبرغ هذه الحالات جنبا إلى جنب مع كلٍّ من البلدان التي تواجه صعوبة في مكافحة الفساد والبلدان التي تعتبر مثلاً يُحتذى به مثل الدنمارك وفنلندا، لمعرفة ما ينفع ويعطي نتيجة. وتنتشر استنتاجاته في جميع صفحات الكتاب ثم يبوبها في النهاية في برنامجٍ واحدٍ من 14 خطوة.
ويقدم الكتاب وجهات نظر موثوقة حول مجموعةٍ متنوعة من الأجهزة التي تطبقها أنظمة مختلفة لمهمة مكافحة الفساد. ولكن تحليل روتبرغ فشل في توضيح حقيقة أن استنتاجه الأساسي هو ما يفسر بأن: الفساد ليس مشكلة كبيرة بالنسبة للحكومات إذ إنه نهجٌ للحكومة، يختاره عددٌ كبيرٌ جدًا من الحكام اليوم. وقد تكون اقتراحاته مفيدة للبلدان التي شهدت بالفعل بعض التحولات الحادة التي غذّتها مشاعر مكافحة الفساد، مثل البرازيل وبوركينا فاسو وغواتيمالا وكوريا الجنوبية وتونس وأوكرانيا. ومع ذلك، فإن كتاب «علاج الفساد» يصبح أقل فائدة عندما يتعلق الأمر بالكليبتوقراطيات القاسية، مثل أنغولا وأذربيجان. ويقلل روتبرغ أيضًا من دور البلدان المتقدمة في تسهيل ممارسات الفساد التي تنتهجها هذه الأنظمة. ويتجاهل الواقع الملحّ نوعًا ما للدول المتقدمة – بما في ذلك الولايات المتحدة – التي بدأت انحدارها الواضح نحو الكليبتوقراطية.

تطهير المؤسسات

قال روتبرغ إنه ولمحاربة الفساد، فإن الإطار القانوني المحلي الجيد هو «بداية على الأقل»، طالما أنه يحدد بوضوح السلوك غير القانوني وعواقبه. وفي حالة سنغافورة النموذجية، تشمل قوانين مكافحة الفساد «غرامات مالية صارمة وسجن لمدة خمس سنوات بالنسبة للمجرمين المدانين». ويمكن لموظفي الخدمة المدنية الذين تثبت إدانتهم بارتكاب أعمال فساد أن «يفقدوا وظائفهم ومنافعهم ومعاشاتهم التقاعدية». وبصرف النظر عن معاقبة أفعال الفساد، يقوم القانون السنغافوري بتطبيق ما كان الدستور الأميركي على الأقل مصمم جزئيًا على القيام به: وهو منع الفساد قبل أن يحدث. (هذا هو الغرض من بند المكافآت الذي يحظر على المسؤولين الأميركيين تلقي هدايا من حكومات أجنبية – وهو حاليًا موضوع اهتمام متجدد بسبب ثلاث دعاوى قضائية تم رفعها على ترمب بسبب انتهاكه لهذا البند من الدستور).
ويضيف روتبرغ أنه يحظر على الموظفين العموميين في سنغافورة «اقتراض المال أو إلزام أنفسهم ماليًا بأي شخص يستطيعون إبرام عقود واتفاقات رسمية معه»، سواء كانت لديهم نيات فاسدة أم لا. وقال روتبرغ إن التشريع الواسع في بوتسوانا يحدد في هذا المجال تعريف «غير المشروعٍ» بأنه «أي هدية أو فائدة أو قرض أو مكافأة أو أي مكتب أو عمل أو عقد أو أي مدفوعات أو تصريف التزامات أو قروض، [أو] أي خدمة أخرى». ولكن يشير روتبرغ إلى أنه في كثيرٍ من الأحيان تكون هذه القوانين مجرد حبر على الورق وما يهم حقًا هو ما إذا كانت ستنفذ وكيفية تنفيذها.
والعلاج الآخر الذي يختبره هو لجان مكافحة الفساد. ففي هونغ كونغ في السبعينات، حققت اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد خطواتٍ كبيرة ضد التقاليد التي طال أمدها في تقديم الهدايا غير المشروعة والاستفادة من المناصب الرسمية. ولمساعدة اللجنة على تنفيذ مسؤولياتها، وضعت التشريعات عبء الإثبات في حالات الثروة غير المبررة على عاتق المتهم. وقد تم تعزيز استقلالية اللجنة من خلال تخصيص ميزانية سنوية ثابتة وسخية لها. وكتب روتبرغ أن حقيقة تقديم الجماعة لتقارير مباشرة إلى الحاكم الاستعماري الذي أرسلته المملكة المتحدة، وهو مسؤول غير قابل للفساد بسبب ولائه إلى لندن. كما خضعت اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد لإشراف مجموعة من المواطنين البارزين والمسؤولين المنتخبين. وتم توكيلها مهمة منع الفساد والتثقيف العام، فضلاً عن التحقيق في المخالفات. وفي غضون سنواتٍ قليلة من إطلاقها، كانت اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد قد حققت في الكثير من شبكات الفساد، حيث عملت ما تسمى بالمافيا الثلاثية يدًا بيد مع الشرطة. وزارت إدارة قسم الوقاية التابعة للجنة الوكالات الحكومية وقامت بتحليل عمليات السماح والتفتيش، وأوصت بإجراء تحسينات. وفي وقتٍ لاحق، ساعدت في إصلاح البورصة وقانون الأخلاقيات المهنية للمحامين.

دول أفريقيا

ويرى روتبرغ بأن مثل هذه اللجان ليست علاجًا كافيًا. في الكثير من البلدان، بما في ذلك الكثير من دول أفريقيا، لم تكن لجان مكافحة الفساد فعالة على الإطلاق: فقد تم تسليحها لمعاقبة المعارضين للأنظمة الفاسدة. ففي مالاوي، على سبيل المثال، أفاد روتبرغ أن المراقبين المحليين «يعتقدون أن الهجوم الذي اندلع ضد الفساد في الفترة بين 2004 – 2006 كان أساسًا ممارسة للاضطهاد السياسي»، لأن بعض أهدافه الرئيسية كان ترتيب أعضاء في حزب المعارضة.
وتظهر أيضًا تدابير الشفافية، مثل إلزام موظفي القطاع العام بالإعلان عن أصولهم، في قائمة التدابير التي اتخذتها عدة بلدان ذكرها روتبرغ على أنها الأكثر تحسنًا. وكذلك الأمر عند القيام بتبسيط الإجراءات البيروقراطية (لإزالة ما قد يتطلب رشوة لتنفيذه) وزيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية (لتقليل الحاجة المادية لطلب أو قبول الرشى). ويمكن للمعايير والعادات التي تروج لها المؤسسات الدولية أن تساعد في بعض الأحيان أيضًا. ففي جورجيا ومقدونيا والجبل الأسود، أدت شروط الأهلية لعضوية الاتحاد الأوروبي، التي تسعى إليها البلدان الثلاثة، إلى تحفيز الحكومات للقيام بإصلاحاتٍ هامة. (ولكن يبدو حتى الآن أن جهود الجبل الأسود تستهدف صناديق الاقتراع أكثر من تحويل الطريقة التي تتصرف بها السلطات بشكل حقيقي.
وتتضمن قائمة التدابير الفعالة أيضًا عدة خطوات جذرية، بما في ذلك تطهير الموظفين في الوكالات التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها فاسدة تمامًا. ويفيد روتبرغ بأنه عندما تولى ميخائيل ساكاشفيلي السلطة في جورجيا في 2004، «قام الإصلاحيون الجدد بإقالة جميع موظفي وزارة التعليم وتعيين موظفين جدد عن طريق الامتحان التنافسي». كما أقالوا 15 ألف ضابط في الشرطة. وفي عهد رئيس رواندا بول كاغامي، تمت إقالة جميع أعضاء السلك القضائي والذي بلغ عددهم 503 أعضاء في 2004. وفور انتخابها مباشرةً في 2006 كرئيسة لليبيريا، طردت إيلين جونسون سيرليف تقريبًا كل موظفي الخدمة المدنية الذين عملوا في وزارة المالية خلال النظام السابق.

دولة المافيا

إن الطبيعة القاسية لهذه التدابير تكشف عن ضعف أساسي في الطريقة التي يصوغ بها الكاتب مشكلة «علاج الفساد». ويصور روتبرغ، مثله مثل الكثير من المؤلفين قبله، الفساد على أنه قوة تآكل غير مكتملة تنتقل إلى الحكومات التي قد يفترض القراء أنها سليمة على خلاف ما هي عليه فعليًا. والاستعارة التي يحافظ على التوصل إليها هي الاستعارة الطبية. فيقول، الفساد هو « الطاعون الذي يصيب وينتشر ويشل». عالج المرض، كما يقترح عنوان الكتاب، ويمكن للجسم السياسي المعافى أن يخرج ويلعب.
ولكن من أين يأتي المرض؟ في شرح كيف يمكن أن يؤثر مثل هذا المرض، يقاوم روتبرغ إغراء التفسير أخلاقيًا والمجازفة بأنه قد يتصرف المسؤولون الفاسدون بعقلانية. ويكتب روتبرغ: «من خلال اعتماد استراتيجية واعية من الإثراء الذاتي عبر السلوك الفاسد، فهم بالكاد يعملون ضمن توقعات متعادلة مع فئتهم وحالتهم».
ومع ذلك، فإن صورة الانتهازية المنتشرة وغير المنسقة تستوعب طبيعة الفساد المعاصر. فبدلاً من وصفه بأنه ضعف أو اضطراب، يوصف بأنه الأداء الفعال للنظم المصممة لإثراء الأقوياء. ويلفت روتبرغ هذا الواقع الأساسي في نهاية الكتاب، عندما يعيد صياغة تقييم قدمته لجنة مكافحة الفساد التي تدعمها الأمم المتحدة في غواتيمالا: الحزب الوطني الحاكم في ذلك البلد «كان عصابة إجرامية أكثر من كونه حزبًا سياسيًا». وكتب روتبرغ أن دوره كان «سرقة الدولة». وشكلت النخب في غواتيمالا، «منظمة إجرامية – مؤامرة كليبتوقراطية قادرة على التقاط تيار وطني للدخل، مافيا تدير الدولة».

الأمن الروسي يعتقل ناشط سياسي خلال مظاهرة ضد الفساد في موسكو
الأمن الروسي يعتقل ناشط سياسي خلال مظاهرة ضد الفساد في موسكو

هذا هو ما يبدو عليه الفساد في 60 بلدًا على الأقل، حيث قمت بالبحث في المشكلة: نظام التشغيل المتعمد للشبكات المتطورة التي تعنى بالإثراء الذاتي والنجاح الملحوظ في تحقيقها. وبالنسبة للمسؤولین في هذه البلدان، غالبًا ما لا تمثل أفعالهم الفاسدة ردودًا عقلانیة لبیئةٍ متساهلة، کما يشرحها روتبرغ، بل هي شرط المهنية. إذا كنت ضابط شرطة في أفغانستان أو نيجيريا، أو أحد موظفي الجمارك في أوزبكستان، أو أحد كبار المسؤولين في وزارة البيئة في هندوراس، فإنك تدين لرؤسائك ببعض الأمور: بالتأكيد جزء من الرشى الصغيرة، وربما بعض الأعمال الموقعة والمختومة تسمح لهم بالقيام بنشاطات مخالفة للقوانين. والذين لا يؤدون هذه المهام المخصصة يتم تخفيض رتبهم أو تهميشهم، إذا كانوا محظوظين. في بعض الأحيان يتم إطلاق النار عليهم. إنه خيار المافيا القديم: «بلاتا أو بلومو» (الفضة أو الرصاص). أخذ المال أو أخذ رصاصة قاتلة.
وتأتي هذه الشبكات بأشكال مختلفة وفي بلدان مختلفة. ويمكن أن تكون منظمة جدًا أو منتشرة إلى حد ما، بدرجاتٍ متفاوتة من التنافس الداخلي وتعطيل الحياة اليومية حيث لديها تأثير. وبحسب المصادر المتاحة لها، فإنها تستحوذ على مصادر دخلٍ مختلفة، بما في ذلك السياحة الفاخرة أو مبيعات النفط أو الصادرات الزراعية عالية الجودة، مثل التمور النضرة من تونس، والفاصولياء الخضراء من كينيا، أو الأفيون الذي يحتاج حصاده الكثير من القوى العاملة في جنوب أفغانستان كل ربيع. وتنسج الشبكات معًا فئاتٍ يميل الناس في البلدان المتقدمة النمو إلى الانفصال عنها في أذهانهم: القطاع العام والقطاع الخاص والأسواق السوداء وأسواق الأوراق المالية والمهنية والشخصية.

أسرة كرزاي

فكر في الأدوار التي لعبتها أسرة كرزاي في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وقد أتيحت لي الفرصة لمراقبتها في أماكن قريبة عندما قمت بتولي إدارة منظمة غير حكومية أنشأها قيوم كرزاي وهو الأخ الأكبر للرئيس حامد كرزاي. ظلت عائلة كرزاي في الحكم نحو 13 عامًا. لعب قيوم دور السمسار خلف الكواليس، وكان له حصة في اتحاد فاز بملايين الدولارات بعقود من الحكومة الأميركية. وكان الأخ الآخر، الذي أعلن عن نفسه أنه رجل أعمال غير سياسي، يمتلك مصنعا للإسمنت وجزءًا من أكبر مصرف خاص في البلاد. والأخ الثالث كان مسؤولاً محليًا ووسيطًا رئيسيًا للاتجار بالأفيون في المنطقة.
وفي بلدان مثل أذربيجان، فإن التداخل بين القطاعين العام والخاص أكثر اكتمالاً، إذ تسيطر الأسرة الحاكمة على ما لا يقل عن 11 مصرفًا واتحادات كثيرة تشغل الجزء الأكبر من المشتريات العامة. وتبقى الكليبتوقراطية في سعي رئيس الهندوراس خوان أورلاندو هيرنانديز جاهدًا لسيطرة أكثر تنظيمًا إلى حد ما: فالجهات الفاعلة في القطاع الخاص والمسؤولون الحكوميون وتجار المخدرات يتبادلون الخدمات وتتداخل في كثيرٍ من الأحيان ولكنها تحافظ على درجة معينة من الانفصال.
وفي مثل هذه الشبكات، يتمثل دور الأعضاء الذين يشغلون مناصب في القطاع العام في صياغة القوانين واللوائح وتكييف إجراءات إنفاذهم بطرق تخدم أهداف الشبكة. وفي المقابل، يحصلون على نهب الخزائن العامة أو سحب الإيرادات الحكومية. ويحصلون أيضاً على تخفيضات في الرشى التي تنتهك على مستوى الشارع أو في الأسهم في الشركات التي تستفيد من ممارساتهم.
ويقول روتبرغ إنه إذا كان نشاطهم «يدمر آفاق التنمية»، و«يتناقض مع النمو الاقتصادي والتحسين الاجتماعي» في بلدهم، فهذا لا يهمهم أبدًا. فهدفهم هو كسب المال بدل تحسين آفاق بلدهم.

وحش المستنقع

على الرغم من أن الاستعارات المَرَضية التي يستعملها روتبرغ تلغي هذا الواقع، فإن برنامجه المقترح لمكافحة الفساد يتشكل تماما منه. فأول خطواته الـ14 لبلدٍ يحارب الفساد هو أن «يسعى أو ينتخب أو يختار زعيمًا سياسيًا تحويليًا». وبعبارةٍ أخرى، فإن إصلاح بلدٍ فاسد بشدة لا يتطلب سوى تغيير النظام. وبهذا المعنى، يقدم «علاج الفساد» تحذيرًا حاسمًا: فبمجرد الإطاحة بحكومتك، تأكد من اختيار رئيسٍ جديدٍ للدولة على أساس نياته الملموسة في ما يتعلق بالفساد. وعلى سبيل المثال، لا تتشتت بهوية زعيمٍ محتمل بعيدٍ عن السياسة أو بموقفه بشأن القانون الديني: انظر من كثب إلى المحتوى الفعلي لمنهجه في مكافحة الفساد.
وعلى الرغم من أن تغيير النظام قد يكون ضروريًا لإصلاح مكافحة الفساد، فإنه من الواضح أنه ليس كافيًا. فشبكات الفساد تتسم بالقدرة على الصمود. وقد نجا الكثيرون من الجهود الدؤوبة للإطاحة بهم، بدءًا من سجن قادتهم إلى الثورات العنيفة ضد سلطتهم. وفي بعض الأحيان، أيّدوا الإطاحة بالقيادة من أجل النهوض مجددًا بشكلٍ أفضل. وفي حالاتٍ أخرى، مثل الصين، حاولوا أن يستبقوا الشعب بخطوة من خلال اتخاذ تدابيرٍ على أعلى مستوى لمكافحة الفساد، ولكنها تخدم مصالحهم الخاصة.ومن خلال التركيز بشكلٍ كبير على القيادة الشخصية، يعترف روتبرغ ضمنًا بهذه الظواهر دون مواجهة آثارها. ويطرح سؤالاً حاسمًا: ما هي العلاقة بين الكليبتوقراطية والممارسة الديمقراطية؟ لقد تم تطوير الديمقراطية الحديثة، في النهاية، كوسيلة لضمان الحكومة من أجل المصلحة العامة. ومع ذلك، فإن عددًا كبير من قادة البلدان «الأكثر تطورًا» الذين ذكرهم روتبرغ في كتابه هم مستبدون. إذا كان من الصعب جدًا إصلاح القيادة الراسخة، فهل من الممكن للديمقراطية التي نمت بشكلٍ منهجي على الفساد أن تغير مسارها؟
لقد أصبحت الولايات المتحدة حقل تجارب لهذا السؤال. فقد انتقلت البلاد إلى نوعٍ من الكليبتوقراطية الأرستقراطية منذ سنواتٍ كثيرة، يمكن القول في الثمانينات عندما ضربت البلاد حمّى إلغاء القيود. عندها، انفجرت مهنة الضغط، وبدأت الصناعات في كتابة تشريعات تؤثر على قطاعاتها وتمت خصخصة الخدمات العامة مثل السجن والقتال في الحرب وتم إلغاء قيود المال في السياسة وبدأ الرؤساء بتعيين المصرفيين في المناصب التنظيمية العليا. واستحوذ الاقتصاد على التبادلات التجارية في واشنطن.

 كرزاي
كرزاي

وكان العام الماضي نقطة تحول في هذه العملية. ففي يونيو (حزيران) 2016، ضيّقت المحكمة العليا بشكل كبير على التعريف القانوني للرشوة عندما أسقطت إدانة الفساد ضد محافظ فيرجينيا السابق بوب ماكدونيل. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يسمع أنصار المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون – بما في ذلك الكثير من المدافعين التقدميين لإصلاح تمويل الحملات – وهم يدافعون عن صحة التبرعات الأجنبية المشكوك فيها لمؤسسة كلينتون. وعلى الرغم من أن مؤيدي ترمب قد يعتقدون خلاف ذلك، فإن انتصاره وصعوده إلى البيت الأبيض لم يمثل تغييرًا للنظام، بل أكمل ما كان موجودًا بالفعل قبل فوزه. فقد دعا الرئيس كبار المديرين التنفيذيين للشركات ليس فقط لتقديم المشورة أو صياغة التشريعات بل أيضًا للانضمام فعلا إلى فريقه. ولن تؤدي مثل هذه الرئاسة إلا إلى ترسيخ نظام تزويرٍ انتقصه ترمب ذات مرة.
ويناقش روتبرغ أنه بالنسبة للأميركيين، كما هو الحال بالنسبة لشعوبٍ كثيرة أخرى، فإن إسقاط فردٍ واحدٍ في الحكم لن يكون كافيًا لإصلاح الجمهورية التالفة. يجب على الأميركيين عدم خداع أنفسهم في التفكير في أن كل ما يجب القيام به هو إسقاط ترمب أو التصويت لبديلٍ ديمقراطي أو جمهوري في 2020. فالشبكة التي يثبّتها ترمب في واشنطن تستغل نظامًا سمح للأميركيين بتطويره. وتم تمكين هذه الشبكة الآن وستثبت مرونتها.

تحويل المسار

أنا مرتابة قليلاً من طرْق «مجموعة أدوات» في تحديد هذه المشكلات عميقة الجذور. ولكن إذا كان الإصلاحي الملتزم (أو بالأحرى شبكة من الإصلاحيين) قادراً على الاستفادة من السخط الكبير على الحكم الكليبتوقراطي وكسب السلطة في الولايات المتحدة، فينبغي أن يركز المصلح على وضع معايير سلوكية من شأنها أن تنهي مثل هذا الفعل قبل وقوعه بدلاً من التركيز على معاقبة الفساد العلني. ومن شأن هذه الحركة الإصلاحية أن تضع حدًا لممارسة كتابة قواعد الألعاب السياسية والاقتصادية لمصلحة أولئك الذين يمتلكون السلطة المفرطة في كلا المجالين. وستقوم بوضع وإنفاذ القوانين من أجل توفير معيشة كريمة لأولئك الذين يقومون بمهام غير مقدّرة مثل (المدرسين، أو الذين يهتمون بالمسنين أو صغار المزارعين) أو الذين اختاروا بناء حياتهم بعيدًا عن القيم النقدية.
وسيبدأ برنامج للسياسة العامة بتحقيق هذا النوع من التغيير عبر وضع قيود صارمة على المساهمات في الحملات الانتخابية وإنهاء عدم الكشف عن هوية المساهمين التي يتمتع بها الكثير من المانحين السياسيين البارزين. وقد يبدو التحول إلى التمويل العام فقط للحملات جذريًا، ولكن هذا هو الحل الأنسب. يجب التشديد على أنظمة الضغط وتطبيقها بقوة. ويجب تعريف تضارب المصالح على نطاق أوسع. ويجب أن تتم معاقبة المخالفات الأخلاقية بسرعة وبطريقة غير حزبية، وكذلك تغيير هيكل الحوافز الذي يكافئ حاليًا المخالفين وليس مجرد عزل المجرمين. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الاتفاق غير الرسمي الذي يحكم الممارسات الأخلاقية لأصحاب المناصب الرسمية ليس له أنياب في مواجهة من يثبت ارتكابه مخالفة. ولسوء الحظ، أصبح من الواضح الآن أن مكتب أخلاقيات الحكومة في الولايات المتحدة يحتاج إلى سلطات تأديبية، وليس فقط استشارية. وعمومًا، يجب تزويد الوكالات التنظيمية الاتحادية بمزيدٍ من الموارد والاستقلال.

ولكن القواعد السلوكية ليست مجرد مسألة تشريعية. بل هي مسألة ثقافية، ويجب على أولئك الذين يسعون إلى تحسين سلامة الحكومة الأميركية أن يتصدوا للتحولات الثقافية التي جعلت الانزلاق نحو الكليبتوقراطية الأميركية ممكنًا. فعلى سبيل المثال، يمكنهم وضع ميثاق تفصيلي للسلامة والضغط على المسؤولين المنتخبين عبر الطيف السياسي للتوقيع عليه. وقد يتضمن التعهد بالإفراج عن جميع الإقرارات الضريبية والإفصاح عن جميع الانتماءات الخارجية وقضاء حد أدنى معين من الوقت في التفاعل مع المكونات العادية والعمل من أجل فرض قيود أكثر صرامة لتمويل الحملات وتضارب المصالح والرقابة. ويمكن أن يستخدم الناخبون هذه التعهدات كخط أساسي لتقييم أداء ممثليهم.
والأهم من ذلك، يجب على الإصلاحيين أن يطوروا رؤية ملهمة ترفع قيماً أخرى غير النمو المادي وتراكم الأموال، وهي رؤية تحتفل بالرضا عن وجود ما يكفي، على سبيل المثال، أو الجهد المبذول لإصلاح الأشخاص المُساء إليهم أو حتى رعاية كل ما هو جميل حولنا. عليهم أن يسعوا إلى تغيير الطريقة التي يفهم بها الأميركيون ويقيسون مستوى نجاح مجتمعهم.(فورين أفيرز)

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي
يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.