مخاطر تصريحات ترمب شديدة اللهجة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

فورن أفيرز, قصة الغلاف

مخاطر تصريحات ترمب شديدة اللهجة

أبعدوا خيار الحرب الوقائية مع كوريا الشمالية واستعينوا بـ «الصبر الاستراتيجي»

واشنطن – جون ديلوري

* ركزت إدارة أوباما على العقوبات والضغوط (عبر الصين)، بدلا من العودة إلى الحوار والمفاوضات كما فعل بوش وكلينتون.
* أثارت إشارات إدارة ترمب المتكررة للخيارات العسكرية، والتي بالغت في تضخيمها تغطية إعلامية متواصلة، قلقاً شعبياً وانفتاحاً على الحرب كوسيلة للحل.
* الوحشية لا تشبه التهور العدمي، وهو ما يتطلبه اتخاذ كيم جونغ أون قراراً بشن ضربة ضد الولايات المتحدة.

أكبر تغيير أدخله الرئيس الأميركي دونالد ترمب على سياسة كوريا الشمالية، خطابي، ولكن المضامين الاستراتيجية قد تكون هائلة. في ما يتعلق بالسياسة الفعلية، تدين إدارة ترمب بالفضل في سياسة «المساءلة الاستراتيجية» إلى «الصبر الاستراتيجي» الذي انتهجته إدارة أوباما على نحو أكبر مما يرغب مخططوها أو معارضوها الاعتراف به. والقوة الدافعة في هذه السياسة هي مداهنة بكين حتى تمارس ضغوطا أكبر على بيونغ يانغ، على النحو الذي تم في الدفعة الأخيرة من عقوبات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وفي كثير من التغريدات الرئاسية. في الواقع، بدلا من الانفصال عن الماضي، يبدو أن ترمب ورث سوء فهم بأن الصين هي مفتاح حل مشكلة كوريا الشمالية.

حرب وقائية

ولكن على الرغم من استمرار السياسة الأساسية، فإن هناك تحولا كبيرا في الطريقة التي تتحدث بها الإدارة الحالية عن كوريا الشمالية. يشير ترمب على استحياء إلى ضربات وقائية، ويتحدث كبار مستشاريه صراحة عن «حرب وقائية». أثيرت هذه الأفكار مرارا في الإعلام، وأصبحت طبيعية في النقاش العام. وأصبح ما كان يُطلق عليه خيارا عسكريا، والذي كان هامشيا منذ عام، جزءا من الحوار العام السائد.
هذا أمر جديد، ويستحق مراجعة سريعة لأزمة كوريا الشمالية منذ نهاية الحرب العالمية لمعرفة السبب. المرة الوحيدة الأخرى التي وقعت فيها حرب كلامية من هذا النوع كانت في ربيع عام 1994. في ذلك الحين، عندما كانت بيونغ يانغ على وشك الخروج عن الإجماع النووي، كان وزير الدفاع الأميركي ويليام بيري مستعدا لعرض خطة على الرئيس بيل كلينتون لشن ضربة لتدمير موقع يونغبيون النووي. ولكن تقصلت الأزمة، التي تفاقمت على مدار عام، نتيجة حالة دبلوماسية أثمرت إطار العمل المتفق عليه بين الولايات المتحدة وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية والذي جمد برنامج البلوتونيوم الكوري الشمالي وسمح فيما بعد بتعليق الاختبارات الصاروخية. واختفى الحديث عن الضربات.
بيد أنه تم حل إطار العمل المتفق عليه في أثناء حكم بوش، وعندما كانت بيونغ يانغ تستعد لاختبار صاروخ باليستي طويل المدى في يونيو (حزيران) عام 2006، كتب بيري، وآشتون كارتر، وزير الدفاع المستقبلي، مقال رأي يدعو إلى ضرب الصاروخ عند وضعه على منصة الإطلاق. ولكن كان اقتراح بيري – كارتر بعيدا، كان الاستثناء الذي رسخ قاعدة عدم وجود مصلحة في الخيارات العسكرية تجاه شبه الجزيرة الكورية. وكانت حرب العراق سيئة بما يكفي. فترك بوش الاختبار يتم، وفي فترة لاحقة في العام ذاته ضاعف العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف عن طريق المحادثات السداسية.

خسائر بشرية

ولكن انهارت تلك المحادثات عندما تولى أوباما المنصب، وركزت إدارته على العقوبات والضغوط (عبر الصين) بدلا من العودة إلى الحوار والمفاوضات. وكما فعل بوش وكلينتون من قبله، رفض أوباما أن تكون الحرب حلا. وصرح أوباما لتشارلي روز في عام 2016 قائلاً: «مع أننا قد نستطيع تدمير كوريا الشمالية بترسانتنا»، فقد تسفر الحرب عن «خسائر بشرية» غير مقبولة، وقد تُعَرِّض «حليفنا المهم» كوريا الجنوبية «في الجوار» للخطر.
لماذا إذن أصبح احتمال وقوع حرب كورية ثانية أمراً طبيعياً أمام الشعب الأميركي؟ هل هذا كله خطأ ترمب؟ تتغذى لغة ترمب على «النار والغضب»، وكذلك ما يصدره مسؤولو الحكومة من تصريحات أقل حيوية ولكنها تنذر بسوء مماثل، على التصورات المتغيرة عن التهديد الذي تشكله كوريا الشمالية على الولايات المتحدة، في ما يتعلق بالإمكانيات والنيات. أثارت إشارات الإدارة المتكررة للخيارات العسكرية، والتي بالغت في تضخيمها تغطية إعلامية متواصلة، قلقاً شعبياً وانفتاحاً على الحرب كوسيلة للحل. لن يُغير ترمب من لعبة اللغة التي يمارسها. ولكن يستطيع الشعب، ويجب عليه، أن يفكر في الطبيعة الحقيقية للتهديد، هل يُمثل خطراً واضحاً وحالياً على الأميركيين؟ والأهم من ذلك، هل يستحق كل هذا الحديث عن الحرب كحل؟
إن تحسين إمكانيات الأسلحة في كوريا الشمالية أمر غير قابل للنقاش. وقد حققت الدولة تقدماً واضحاً في بناء صاروخ باليستي عابر للقارات برأس نووية يمكنه أن يضرب مدينة أميركية. يدفع جيفري لويس من مركز جيمس مارتين لدراسات منع الانتشار النووي بأن كوريا الشمالية عبرت بالفعل خط النهاية. ومع أن الدولة تستطيع دائماً المواصلة لتحسين قدرة الردع النووي وتعزيزها، فإنها تُشكل بالضرورة تهديداً مباشراً على الأراضي الأميركية. يراقب الخبراء سير هذه العملية منذ أعوام، وليسوا مندهشين تماما من أننا وصلنا إلى تلك النقطة. ولكن يمكن أن نسامح السكان في دينفر على شعورهم بأنهم يعيشون فجأة تحت ظل سحابة فطر مصدرها كوريا الشمالية.

بالتأكيد لا يعد امتلاك قدرة نووية في حد ذاته تهديداً ولا يبعث على الطمأنينة أيضاً. يعتمد كل شيء على العلاقة بمالكها؛ فقد يمكن لروسيا أو الصين شن هجمات نووية على دينفر، ولكن لا أحد يفكر في هذا الاحتمال. لهذا تعد تصوراتنا عن زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون ونياته عاملاً مهماً.
هناك فكرة واسعة الانتشار بأن كيم مجنون، ويشجعها على الأقل التعليقات التي أصدرتها إدارة ترمب. ووفقا لتفريغ مسرب لاتصال هاتفي مع رودريغو دوتيرتي، سأل ترمب إذا كان كيم «متوازناً أم غير متوازن»، وأشار إليه بأنه «المجنون الذي يملك سلاحاً نووياً». وقالت السفيرة لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي بصراحة أكبر إن «هذا ليس شخصاً عاقلاً». تغذي هذه التعليقات خيال العامة، الذين يرون بالفعل والد كيم كرجل شرير مجنون، ونقلوا السمعة بالتالي إلى ابنه. تصبح الحرب عاقلة إذا لم يكن كيم كذلك، نظراً لأنه قد يقوم بشيء مجنون، بل وحتى انتحاري، مثل البدء في حرب نووية حرارية مع الولايات المتحدة.

نظرية الردع الكلاسيكية

أثبت والد كيم، كيم جونغ الثاني، على عكس الصورة الشائعة، أنه مثقف وعقلاني بتفوق، في تقدير زعماء العالم الذين تعاملوا معه بالفعل، مثل وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، والرئيس الكوري الجنوبي كيم داي جونغ، ورئيس الوزراء الياباني جونيتشيرو كوريزومي. أما كيم جونغ أون، فعدد محدود فقط من الأشخاص من الخارج قضوا وقتاً معه. ولكن لا يوجد دليل على أن قدراته العقلية ضعيفة، ويشكك عدد ضئيل جداً من خبراء كوريا الشمالية في اتزانه العقلي. قد يبدو مجتمع الاستخبارات موافقاً، فقد ذكر مدير وكالة «سي آي إيه» مايك بومبيو في الفترة الأخيرة أنه يرى كيم طرفاً عقلانيا «يستجيب للظروف المعاكسة». وبالتالي لا تتماشى تصورات العامة عن هذا الرأي المغاير مع تقييم الخبراء داخل الحكومة وخارجها.
وكما حدث مع مدير «سي آي إيه»، بدا أن بعض كبار مستشاري الأمن القومي في إدارة ترمب يقبلون افتراض عقلانية كيم. بالنسبة لهم، لا يتعلق السؤال الحقيقي بقواه العقلية بقدر ما يتعلق بمضامين قسوته المتصورة. تحدث مستشار الأمن القومي ماكماستر عن اغتيال أخ كيم غير الشقيق في ماليزيا كدليل على أن الولايات المتحدة تتعامل مع زعيم تجعل منه وحشيته شخصاً غير قابل للتوقع و«خطيراً للغاية». وفي الفترة الأخيرة ذهب ماكماستر إلى القول إن «نظرية الردع الكلاسيكية» كتلك التي منعت اندلاع حرب مع الاتحاد السوفياتي لا تنطبق على «نظام يسجن ويقتل أي شخص يبدو أنه يعارض ذلك النظام، بمن فيهم أفراد عائلة (الزعيم) ذاته، باستخدام غاز الأعصاب سارين في مطار عام». وخرج ماكماستر في التقارير الإخبارية بصفته مؤيداً رئيسياً داخل الإدارة للخيارات العسكرية في التعامل مع شبه الجزيرة الكورية.

تبدو فكرة أن وحشية كيم تضعه في فئة خاصة به وحده وأنه يمثل تهديدا فريدا على الولايات المتحدة خاطئة. على أي حال قامت الولايات المتحدة بردع حكام مستبدين مسلحين نوويا ووحشيين من قبل، من بينهم ستالين وماو. كما أنها تمتعت أيضاً بتحالفات عسكرية وثيقة مع حكام ديكتاتوريين وحشيين، منهم في كوريا الجنوبية. من الصحيح أن وحشية كيم قد تسمح له بقبول وقوع معاناة غير عادية على شعبه من أجل ضمان أمن نظامه وبقاء جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. وبالتأكيد، تعد قدرة البلاد على استيعاب الألم سبباً أساسياً في عدم فاعلية العقوبات في إيقاف سعيها إلى امتلاك سلاح نووي. ولكن وحشية كيم، كما أثبتتها تضحيته بأفراد عائلته لصالح أولويات سياسية وبرخاء شعبه لأجل مصالح أمنية، لا تجعل منه غير قابل للتوقع. كذلك لا تعني أن كيم لا يمكن جذبه عن طريق مبادرة دبلوماسية لتحسين العلاقات. فالوحشية لا تشبه التهور العدمي، وهو ما يتطلبه اتخاذ كيم لقرار البدء بشن ضربة ضد الولايات المتحدة.

يبدو الشعب الأميركي متحمساً أكثر مما ينبغي للتقليل من شأن قدرات كوريا الشمالية العسكرية، وللمبالغة في تقدير استعداد كيم لاستخدامها. قد لا تكون الحرب الوقائية «مأساوية على نطاق غير قابل للتصديق» فحسب، كما أشار وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، بل قد تكون غبية بطريقة مذهلة، نظراً لأنها غير ضرورية ويمكن تجنبها. وبالعمل مع كوريا الجنوبية، تستطيع الولايات المتحدة التعايش مع كوريا شمالية نووية وردعها إذا ما استدعى الأمر ذلك. ويمكن أن تتعامل واشنطن مع بيونغ يانغ بكثافة أكبر مما كانت عليه في الأعوام الثمانية الأخيرة. من خلال المفاوضات المباشرة والتعامل الاقتصادي، عبر تنسيق وثيق مع سيول، تتوفر فرصة جيدة لتغيير مسار بيونغ يانغ الحالي، أو على الأقل وضع حد للإمكانيات لتظل كما هي، ولتكون أقل إثارة للتهديدات من خلال تقليل العداءات.

في الوقت ذاته، قد يكون من الحكمة أن تحرر إدارة ترمب ذاتها من قيود «الصبر الاستراتيجي» وتضع خطة جديدة تتجاهل بكين بدلاً من انتظارها، خطة تبحث فيما يمكن أن يفعله كيم في مقابل رفع العقوبات، بدلا مما سيتوقف عنه خوفاً من فرض الحظر. أبدى كيم منذ توليه السلطة عدم اهتمامه بتوطيد العلاقات مع زعيم الصين شي جين بينغ، وهي الحقيقة التي تقيد نفوذ الصين (وتزيد نفوذ واشنطن). تستطيع الصين استخدام أداة غير حادة بفرض صعوبات اقتصادية عن طريق تقليص التجارة والاستثمارات، ولكنها لا تستطيع التعامل كضامن أو حتى وسيط في اتفاق. يجب أن تتعامل استراتيجية ترمب مباشرة مع بيونغ يانغ، مع التنسيق عن قرب مع سيول وطوكيو.
وبغض النظر عن توجه سياسات الإدارة، قد يكون من الأفضل أن يفكر الشعب الأميركي بعين ناقدة في تصاعد الحديث عن الحرب. لقد تعثرت الولايات المتحدة بخوضها حرباً من قبل، وندمت على ذلك بشدة فيما بعد. وكيم ليس مجنوناً، ولا تستدعي وحشيته شن حرب وقائية. إن الحديث المستمر عن الحرب يساعد فقط على تعزيز أسوأ خطاب في كوريا الشمالية عن عداء أميركا العنيد. والأسوأ كثيرا هو التجاهل الصارخ لحياة الكوريين الجنوبيين واليابانيين الذي تضمنته تعليقات مثل تلك التي أصدرها السيناتور ليندسي غراهام عن ضرورة خوض الحرب الآن حيث يظل الناس الذين يموتون «هناك». يمكن لمثل تلك التصريحات أن تلحق ضرراً دائماً بالتحالف الأميركي – الكوري الجنوبي، وبمصداقية أميركا مع حلفائها وشركائها في آسيا، وجميعهم يراقبون السياسات وأيضاً يسمعون لغة التصريحات.

شعر الرئيس الكوري الجنوبي بالفعل بأنه من الضروري طمأنه شعبه علناً بأن الولايات المتحدة لن تتخذ إجراء عسكرياً أحادي الجانب في شبه الجزيرة دون موافقته، وأنه ببساطة لن يسمح بوقوع حرب كورية ثانية. لذلك الكلام مهم. ويحتاج الأميركيون إلى البحث عن وسيلة لمناقشة تعقيدات التعامل مع التهديد الذي تمثله كوريا الشمالية بقيادة كيم عن طريق خطاب يضع في المقدمة أمن ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها في المنطقة. ويجب أن يعتمد هذا النقاش على تقييم متزن لماهية الخطر الحقيقية.
*(فورين افيرز)

Previous ArticleNext Article
المحرّر السياسي

يتابع الشأن السياسي ويرصد الأخبار والتحولات السياسية في الوطن العربي والعالم. السياسة عند المحرّر السياسي ليست نقل الخبر فقط بل تتعداها الى ما راء الخبر.. كل خبر لا يرتبط بحياة الأفراد والشعوب والأمم لا يصلح أن يكون مادة جديرة بالتحليل أو المتابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.