اتفاقيات الهجرة في ليبيا... خطر يهدد الدولة وهوية شعبها - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ملامح

اتفاقيات الهجرة في ليبيا… خطر يهدد الدولة وهوية شعبها

التوطين يمنح الجماعات الإرهابية الفرص للنمو والتوسع

المهاجرون غير الشرعيين الذين أنقذهم حرس السواحل الليبي عند وصولهم إلى مركز احتجاز في تاجوراء الشرقية – 6 أغسطس 2017
المهاجرون غير الشرعيين الذين أنقذهم حرس السواحل الليبي عند وصولهم إلى مركز احتجاز في تاجوراء الشرقية – 6 أغسطس 2017
المهاجرون غير الشرعيين الذين أنقذهم حرس السواحل الليبي عند وصولهم إلى مركز احتجاز في تاجوراء الشرقية – 6 أغسطس 2017

طرابلس: عبد الستار حتيتة

* تؤدي عمليات التوطين للمهاجرين إلى تحوُّل ليبيا من بلد فاعل، إلى بؤرة توتر وتصدير للمشكلات وخلق للقلاقل.

عندما قررتْ إيطاليا أخذ نصيبها، ضمن دول أوروبا الاستعمارية، في بداية القرن العشرين، وقع اختيارها على ليبيا التي اعتبرها الساسة الإيطاليون الشاطئ الرابع لشبه الجزيرة الإيطالية، فكانت نشاطات «بنك دي روما» هي الأداة التي مهدت للدخول لليبيا منذ العام 1905، الذي افتتح فرعا له في طرابلس وبدأ نشاطه في رهن أراضي المواطنين الليبيين مقابل تقديم القروض بدعوى التطوير، ودعم النشاطات الاقتصادية.

وزير الداخلية الإيطالي، ماركو مينّيتي
وزير الداخلية الإيطالي، ماركو مينّيتي

لكن الأمر سرعان ما ظهر على حقيقته، وذلك مع رسوّ أساطيل البحرية الإيطالية على مختلف المدن الشاطئية الليبية عام 1911 بما عرف ببداية الغزو الإيطالي لليبيا والذي وجد مقاومة شرسة من الليبيين وثّقها التاريخ في عدة ملاحم لا يتسع المجال لتناولها في هذا السياق، وفقا لما جاء في تقرير مطول أعدته، أخيراً، مؤسسة «العدالة أولا» الليبية.
واليوم وإن كان التاريخ لا يعيد نفسه، إلا أن أحداثه تتكرر، وتتجدد وفقا للمعطيات والظروف الموضوعية، فإن المتابع لما يعد ويرسم في دوائر صنع القرار في روما لا يمكنه إلا استدعاء الذاكرة، والربط بين ما كانت عليه الأوضاع في بداية القرن الماضي، وما تعيشه المنطقة اليوم، لا سيما العلاقة بين ضفتي البحر المتوسط الشمالية والجنوبية.
ولعل ذريعة مكافحة الهجرة «غير الشرعية» ووقف تدفقها من ليبيا إلى أوروبا بشكل عام وإلى إيطاليا بشكل خاص، هي البديل العصري «لاستثمارات بنك دي روما» قبل ما يزيد على مائة عام.

ملف الهجرة

قد يبدو موضوع التعامل مع ملف الهجرة، بريئا بل وإنسانيا في ظاهره، إلا أن المتفحص في تفاصيله، والباحث عن خلفيات ما يتخذ من قرارات في شأنه، وما يرسم من خطط ومخططات لإدارته، يكتشف دون عناء أن وراء الأكمة ما وراءها، ولعل مذكرة التفاهم التي أقدم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، على توقيعها مع الحكومة الإيطالية، كانت بمثابة قمة جبل الجليد التي كشفت ما تحتها من تفاصيل وخبايا تصل إلى درجة الفضيحة السياسية، والتي رفضت شعبيا ورسميا وقضائيا.
إلا أن الحكومة الإيطالية استخدمتها كغطاء مقبول، ولو شكليا، أمام برلمانها. وباشرت نشاطها غير آبهة بما تتركه من آثار على الضفة الجنوبية حيث الدولة الفاشلة، والحكومات المتصارعة، والشعب المغلوب على أمره، والمشغول بالتزاماته المعيشية اليومية، كما تقول المؤسسة التي يرأسها الليبي المعروف حسن طاطاناكي.

الداخلية الإيطالية

ولعل ما كشف الحقيقة هو الفرحة المبالغ فيها، والنشوة التي عبر بها وزير الداخلية الإيطالي، ماركو مينّيتي، عن الانخفاض المهول في عدد المهاجرين الواصلين إلى الشواطئ الإيطالية، والذي انخفض إلى أقل من خمسين في المائة خلال شهر أغسطس (آب) الماضي فقط (بعد شهر من توقيع المذكرة)، وما أعقب ذلك من ردات فعل رسمية من أعضاء بمجلس النواب الإيطالي، وما صدر من تقارير حقوقية وإنسانية من المنظمات المهتمة بقضية المهاجرين والاتجار بالبشر، والتقارير الإعلامية التي صدرت من كبرى الصحف العالمية، والتي اتفقت جميعها في غموض الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة المفاجئة.
وقد كشفت تقارير إعلامية، من عدة مصادر، تورط السلطات الإيطالية بالتواطؤ مع مسؤولين في حكومة الوفاق الليبية، في تقديم مبالغ مالية نقدية ودعم لوجيستي ضخم لقادة ميليشيات تنشط في عمليات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، حيث أظهرت معلومات متطابقة أن الحكومة الإيطالية دفعت مبالغ مالية نقدية تقدر بملايين الدولارات لقائد ميليشيا معروف في أوساط شبكات التهريب بـ«العمو» والمصنف ضمن أكبر مسؤولي التهريب في ليبيا، علاوة على ارتباطه بمجموعات متطرفة تمتهن الإرهاب، إضافة لقربه من قيادي في الجماعة الليبية المقاتلة في تلك المنطقة.

مؤسسة «العدالة أولا»

وتقول مؤسسة «العدالة أولا» إنه إذا كانت هذه الحقائق فضحت المسؤولين في ليبيا وإيطاليا، على حد سواء، فإنها في حقيقة الأمر دقت نواقيس خطر يهدد مصير الشعب الليبي في الحاضر والمستقبل، لما لهذه الاتفاقيات من آثار مباشرة وغير مباشرة يمكن سردها في عدة نقاط من أهمها تهديد البناء الديموغرافي لليبيا والمنطقة، وضرب النسيج الاجتماعي بتوطين ملايين المهاجرين الذين كان هدفهم العبور من ليبيا إلى أوروبا لأنهم لن يجدوا بدّاً من البقاء في ليبيا.
وضرب الاقتصاد الليبي الذي يعاني في الأساس من تشوهات وتصدعات بسبب السياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومات الليبية المتعاقبة. والتسبب في استشراء الجريمة وتفاقمها وانتشار «شبكات» التهريب والاتجار بالبشر متعددة الجنسيات، وتحول ليبيا إلى ما يشبه محطة «الترنزيت» في هذا النشاط. إضافة إلى تفكك الوحدة الوطنية، وضرب ليبيا كدولة واحدة، وغياب الهوية الليبية، والتفريط في الشخصية الثقافية والطابع الخاص للمنطقة.

كما تؤدي عمليات التوطين للمهاجرين إلى تحول ليبيا من بلد فاعل مع محيطه، إلى بؤرة توتر وتصدير للمشكلات وخلق للقلاقل، وتحولها إلى منطقة خطر تهدد دول الجوار بشكل خاص، ودول المنطقة وحوض المتوسط بشكل عام. وكذا التسبب في إيجاد بيئة ومناخ مبنيين على هذه المعطيات والمتغيرات، يوفر بطبيعة الحال مجالا لغيره من النشاطات الأخرى كالجماعات الإرهابية والمتطرفة للنمو والاتساع.
وهذا ما يجعل الدعوة وبشكل ملح، تُوَجَّه للقوى الوطنية الحقيقية في مختلف أشكالها كأفراد أو منظمات بضرورة تضافر الجهود للحيلولة دون تطبيق مثل هذه الاتفاقيات المهينة والجائرة، بل والعمل على ملاحقة المسؤولين عنها قضائيا وقانونيا ومعاقبتهم وفقا لما تحكم به المحاكم المختصة وما تمليه القوانين والشرائع الخاصة بمثل هذه الجرائم.

Previous ArticleNext Article
عبد الستار حتيتة

كاتب وأديب وصحافي بجريدة الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.