لماذا تدعم قوات الأمن العراقية الفنون؟ - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

فورن أفيرز, قصة الغلاف

لماذا تدعم قوات الأمن العراقية الفنون؟

المبادرات الثقافية تخدم الأهداف الدفاعية الرئيسية

نحاتون يعملون على تماثيل لهم فوق منضدة في شارع المتنبي ببغداد في 11 أغسطس 2017. (غيتي)
كريم وصفي، المدير السابق للأوركسترا السيمفونية الوطنية العراقية، يعزف على آلة التشيلو الخاصة به بجوار حطام في حي الأعظمية السني في بغداد في 15 مايو (أيار) 2015 في احتجاج رمزي على العنف (غيتي)
كريم وصفي، المدير السابق للأوركسترا السيمفونية الوطنية العراقية، يعزف على آلة التشيلو الخاصة به بجوار حطام في حي الأعظمية السني في بغداد في 15 مايو (أيار) 2015 في احتجاج رمزي على العنف (غيتي)

واشنطن – كيندل بيانكي

* بعيداً عن الروح المعنوية للقوات، يساعد العمل مع المجتمع الفني وزارة الدفاع في تعزيز دعم الجيش العراقي بين المواطنين.
* تُقوِّض المبادرات التي تساعد في تعزيز الهوية الوطنية داعش، عن طريق بديل لأشكال الهوية الدينية والطائفية وعن طريق تسليط الضوء على التهديد المباشر الذي يُشكِّله التنظيم على التحف الثمينة.
* كان دعم الفن مفيداً لجهود بغداد الرامية إلى الإشارة إلى المدنيين أن لديها سيطرة كافية على الأمن وأنه من الآمن لهم العودة إلى حياتهم اليومية.

بمجرد إتمام القوات المسلحة العراقية استعداداتها للتقدم إلى غرب الموصل في فبراير (شباط) 2017، أعلنت صحيفة «خيمة العراق» التابعة لوزارة الدفاع عن إحياء مسرح الجيش العراقي، وهو مؤسسة كانت فيما مضى تعقد عروضاً وفعاليات موسيقية ومسرحية على مسرحها الذي يعود إلى أيام صدام حسين. وأقرت الجريدة بأن هذه المهمة المشتركة بين وزارتي الدفاع والثقافة مهمة طموحة وحيوية في الوقت نفسه لأنها «تُوثِّق انتصارات جيشنا من أجل رفع الروح المعنوية لمقاتلينا الأبطال».
قد يبدو إطلاق مشروع كهذا في خضم مثل هذه الإراقة الدموية مفاجئاً في أفضل الأحوال وإهدارا للموارد في أسوئها. ولكن كشف مسح لإعلان وزارة الدفاع عن أن الفنون والمبادرات الثقافية – في الواقع – جزء مفصلي في استراتيجيتها لمحاربة داعش وإعادة بنا البلاد. وجذب دور الفنون والثقافة في استعادة الأمن الانتباه من مشكلات مثل التمرد السني التالي أو مستقبل الميليشيات الشيعية في العراق. ولكن من منظور عراقي يمثل هذا الدور قضية أمنية في حد ذاته.
وركزت الوسائل الإعلامية لوزارة الدفاع العراقية التي تشمل جريدة «خيمة العراق» والبرنامج التلفزيوني «حماة العراق» تركيزاً ملحوظاً على المحتوى المرتبط بالفنون والثقافة. فبين يوليو (تموز) وأغسطس (آب) 2017 فقط ظهر نحو 90 محتوى في الوسيلتين الإعلاميتين سالفتي الذكر. ويشمل هذا المحتوى أشعاراً مؤيدة للجيش ومقالات عن حملات لاستعادة المدن من خلال الفن وإعلانات عن فعاليات ثقافية احتفالاً بالانتصارات على داعش – وحتى برنامج تلفزيوني جديد يعرض بطريقة درامية جهود المواطنين العراقيين لاستعادة مدينة الضلوعية من داعش بمساعدة قوات الأمن. وتتضمن هذه الفعاليات في بعض الأحيان مشاركة مباشرة من أفراد القوات المسلحة ومن حين لآخر رعاية وزارة الدفاع، ففي يوليو استضافت الوزارة مهرجان احتفال بالنصر على خشبة المسرح الوطني تميَّز بعروض موسيقية ومسرحية تُكرِّم القوات المسلحة ومن قتلوا أثناء المواجهات. يخدم دعم الوزارة للفنون أهدافا متعددة: تحفيز الجنود وبناء الدعم العام والقومية ومواجهة الراديكالية والإشارة إلى تحسن الوضع الأمني لتعزيز ثقة المواطنين.

تعزيز الأهداف الأمنية

إن استخدام الدولة للفن من أجل رفع الروح المعنوية ليس بالأمر الجديد في العراق، فخلال الحرب العراقية الإيرانية – على سبيل المثال – كافأ نظام صدام البعثي الشعراء والكتاب الذين ساهموا في الجهود الدعائية للحرب من خلال جوائز وخدمات أخرى، كما نشر مجموعات أدبية عبر سلاسل أدب الحرب التابعة لوزارة الثقافة. وتغلغل استيعاب حزب البعث للفن تقريباً كل مظاهر المجال الثقافي في ذلك الوقت.
وبعد سقوط صدام في عام 2003، بدأ الفنانون في التعبير عن أنفسهم تعبيراً أكثر حرية على الرغم من حالة انعدام الاستقرار التي أعاقت عملهم. ولكن دفعت التطورات الأخيرة الحكومة العراقية إلى إعادة دخول المجال الفني. ففي عام 2014 بعدما اجتاح داعش الموصل أطلقت هيئة الإعلام والاتصالات توجيهاً دعا وسائل الإعلام إلى «بث برامج تنشر الحماسة والروح القتالية ضد الإرهاب بالإضافة إلى الأناشيد الوطنية». قال سامر طه سالم، مالك عراقي لأحد الاستوديوهات الموسيقية، لصحيفة «لوس أنجليس تايمز» إن هذا التوجيه أدى إلى زيادة إنتاج الموسيقى الوطنية. وأضاف سالم: «قبل ذلك، كان مدربو كرة القدم العراقيون يشغلون أغاني وطنية للاعبين قبل انطلاقهم إلى الملعب، وهو الأمر نفسه الآن مع قواتنا».

وغالباً ما تحتوي مقاطع الفيديو التي تصدرها وزارة الدفاع على موسيقى وطنية أنتجتها الوزارة بنفسها أو شجعت فنانين مستقلين على تأليفها. وأعلنت «خيمة العراق» – على سبيل المثال – في أبريل (نيسان) 2017 عن إصدار أغنية عن إنجازات جهاز مكافحة الإرهاب العراقي ضد داعش. وقال المغني عمر العلي التابع لوزارة الدفاع في مقابلة إن الأغنية ستقدم «تحفيزاً روحياً لأبطالنا المقاتلين» وإنه «بصفتي فناناً، من واجبي الوقوف بجانب بلدي وجيشي وتقديم كل الدعم لهما». كما استخدمت الوزارة الشعر كتكتيك لرفع الروح المعنوية، فقد نشرت «خيمة العراق» بصورة أسبوعية أشعاراً تُمجِّد الوطن والجيش العراقيين، صاغها في بعض الأحيان المقاتلون أنفسهم، تحت عناوين من مثل «أبطال العراق» و«رجال الدرع» و«نصركم احتفال». وعلى الرغم من صعوبة قياس العلاقة بين الفن والروح المعنوية للقوات، تُسلِّط مزايا الشهرة التي تعود على الفنانين من إنتاج هذا النوع من المحتوى الضوء على الشهرة والنجاح الساحقين لهذا النوع الأدبي.

نحاتون يعملون على تماثيل لهم فوق منضدة في شارع المتنبي ببغداد في 11 أغسطس 2017. (غيتي)
نحاتون يعملون على تماثيل لهم فوق منضدة في شارع المتنبي ببغداد في 11 أغسطس 2017. (غيتي)

وبعيداً عن الروح المعنوية للقوات، يساعد العمل مع المجتمع الفني وزارة الدفاع في تعزيز دعم الجيش العراقي بين المواطنين. حيث تواجه القوات المسلحة مشكلة في صورتها العامة ذات صلة باتهامات بالاعتداء والفساد والقتل خارج القانون تراكمت على مدار السنين. وعادة ما يكون الفنانون – من ناحية أخرى – صوتاً موثوقاً به في المجتمعات المحلية وفي كل المنطقة. فدعمهم له وزن وثقل تستفيد قوات الأمن منه عن طريق بث مقاطع فيديو لهم وهم يتحدثون عن دعمهم للقوات. في أغسطس 2017، حضر ممثلو الجيش العراقي معرضاً للوحات تُصوِّر انتصارات الجنود العراقيين على داعش. وصرَّح أحد الفنانين في مقطع فيديو لوزارة الدفاع يغطي هذه الفعالية «هذا أقل ما يمكننا عمله… لدعم قواتنا المسلحة». وقال آخر: «هذه المبادرة… [تُعبِّر عن] حب الجيش العراقي والامتنان له وتقديره… والتضحيات التي قدموها نيابة عن بلادنا وتحرير الموصل».
في الواقع، قد يساهم التعاون مع المجتمع الفني في تحقيق نتيجة إيجابية. وعلى الرغم من الصعوبة الواضحة التي نواجهها عند عزل آثار الانتشار الثقافي عن التأثير الثقافي الناجم عن انتصارات الجيش على داعش، تشير الاستطلاعات إلى أن الحكومة العراقية شهدت صعوداً في شعبيتها خلال الأشهر الأخيرة. ووفقاً لمسح أجري في أبريل، يدعم 71 في المائة من السنة العرب حيدر العبادي، رئيس الوزراء الحالي، مقابل 5 في المائة من الفئة نفسها دعموا نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق، منذ ثلاث سنوات فقط.

كما تستخدم وزارة الدفاع الفنون والثقافة لغرس الحس الوطني بين المدنيين. وخلال عهد حزب البعث، دعم صدام الفخر الشعبي بالتراث الثقافي العراقي (الذي يشمل إرث الإمبراطوريات السومرية والآشورية والأكادية والبابلية) من أجل تعزيز الهوية الوطنية العراقية. ويبدو أن المؤسسة الأمنية العراقية قد اعتمدت هذا التكتيك في الوقت الحاضر. فقد أشارت «خيمة العراق» أكثر من مرة إلى الإنجازات المذهلة للحضارات العراقية القديمة. كما سلطت الضوء على حملات المجتمع لاستعادة مدينة نمرود الأثرية (التي دمرت داعش جزءا منها) والتبرع بكتب لمتحف الموصل وتقييم الأضرار إلى لحقت بالتراث الثقافي حول بغداد وإعادة التحف إلى المتاحف الوطنية في العراق. تساعد هذه المبادرات في تعزيز الهوية الوطنية التي تُقوِّض داعش عن طريق توفير بديل لأشكال الهوية الدينية والطائفية. وبالفعل، انخفض تأثير الطائفية وقوتها – على الأقل إلى حد ما – حيث أظهرت الاستطلاعات الأخيرة أيضاً أنه للمرة الأولى منذ 2003 فإن أعداد السنة العرب الداعمين لرئيس الوزراء أكثر من أعداد الشيعة العرب.
كما تواجه المؤسسة الأمنية العراقية داعش عن طريق تسليط الضوء على التهديد المباشر الذي يُشكِّله هذا التنظيم على التحف الثمينة والفخر الوطني الذي تستثيره المؤسسة في المواطنين. في أبريل، شارك جهاز مكافحة الإرهاب العراقي في رعاية محاضرة لمناقشة تدمير داعش للمواقع الأثرية في العالم العربي. وربط أحد ممثلي الجهاز بين أفعال داعش وجهود ترمي إلى تحويل العراق إلى دولة مختلفة وأطلق على التدمير «محاولة أفغنة المجتمع الموصلي» بينما أضاف أن قوات الأمن قد بذلت «جهداً مهولاً… للحفاظ على الهوية العراقية». تجعل قوات الأمن بهذه الطريقة من داعش تهديداً للهوية الثقافية العراقية وتجعل من نفسها حامية هذه الهوية. باختصار، خلق تدمير داعش الهائل للكنوز التاريخية والفنية مساحة مكنت قوات الأمن من ارتداء عباءة القومية العراقية.

وعلاوة على هذا، دعا المجتمع المدني والحكومة والفنانون العرب ومُعلِّقون آخرون إلى دعم الرياضة والفن وأنشطة ثقافية أخرى للمساعدة في مواجهة الراديكالية خاصة بين الشباب. ويبدو أن وزارة الدفاع استجابت إلى هذه النقطة واسترعت انتباهها. ففي يوليو 2017 – على سبيل المثال – نشرت «خيمة العراق» قصيدة بعنوان «ليس للطائفية… العراق للجميع». وأصدرت في الشهر نفسه مقالة عن حملة شبابية للرسم على جدران الموصل تهدف إلى «تعزيز السلام والوجود الآمن ورفض كل ما يؤدي إلى التمييز والإرهاب». ووصفت كيف ظهرت موهبة أحد الرسامين من مشقة العيش تحت سيطرة داعش في إشارة ضمنية إلى أن المشاركة في الفن بديل قابل للتطبيق عن الانخراط في العنف.
وأخيرا، كان دعم الفن مفيداً لجهود بغداد الرامية إلى الإشارة إلى المدنيين أن لديها سيطرة كافية على الأمن وأنه من الآمن لهم العودة إلى حياتهم اليومية. وتهدف غالبية الدعاية الإعلانية للوزارة إلى توصيل هذه الرسالة. فقد عرض أحد مقاطع الفيديو الرسمية في يونيو (حزيران) – على سبيل المثال – سوقا في الموصل عادت إلى الحيوية والانتعاش بعد تحريرها من داعش. وصرَّح أحد المعلنين: «اليوم نُوثِّق لكم ثمار النصر، فكل شيء حظره داعش أثناء سيطرته عاد اليوم إلى الحياة». يلعب الأطفال خلفه ويظهر أيضاً في الخلفية رجل شرطة يُلوِّح مهدداً ببندقية كبيرة.

يمثل إبراز مشهد ثقافي حيوي طريقة أخرى لبناء الثقة في الوضع الأمني. قد يكون هذا صحيحاً في أي مكان آخر بالعالم ولكنه قوي قوة خاصة في العراق التي أهلكت الحرب فيها على مدار الأربعة عشر عاماً الماضية المشاهد الفنية والثقافية، منذ نهب المتاحف في 2003 حتى التدمير المتعمد من داعش للتحف التارخية والاعتداء على الحياة الفنية. وبالتالي يساعد وجود الفن في حد ذاته بما يشمل اللوحات الجدارية الجديدة على جدران المدينة التي تُصوِّر الانتصارات على داعش ومعرض الفن الذي يُحلِّق فوق ركام مركز الفنون القديمة في الموصل – على بناء الثقة بين المدنيين أن الحكومة قادرة على استعادة الحياة الطبيعية في أجواء تتميَّز بالحرية. وتحقيقاً لهذه الغاية، سلطت وسائل الإعلام التابعة لوزارة الدفاع الضوء على إعادة افتتاح مجموعة من المؤسسات الثقافية المختلفة بعد الحرب. فقد نشرت الجريدة التابعة لوزارة الدفاع في يوليو مقالة عن إعادة افتتاح قصر ثقافي في الصويرة «بالتزامن مع احتفالات النصر [على داعش]»، وأعلنت في أغسطس عن إعادة افتتاح مسرح في بغداد – كان مغلقاً لأسباب أمنية منذ 2003 – تحت حماية قوات الأمن وبمساعدة لوجستية منها.

الفن ما بعد عهد داعش

سوف تعتمد قدرة قوات الأمن العراقية على الحفاظ على النظام ما بعد عهد داعش اعتماداً كبيراً على قدرتها على استغلال الفن والثقافة لصالحها. ولكن قوات الأمن العراقية ليست الطرف الوحيد الذي يستخدم الفن كأداة للعلاقات العامة، فقد تبنَّت ميليشيات الحشد الشعبي الاستراتيجية نفسها. فقد بذلت جهودها الخاصة لاستمالة المجتمع الفني ودعم الفنون حتى إنها استضافت مهرجاناً دولياً للسينما في سبتمبر (أيلول) 2016 تحت شعار «سينما تواجه الإرهاب». كما وظَّف الجهاديون السنة المواد الفنية كأداة للدعاية، فقد استخدمت داعش الشعر لتعزيز دعوتها بين المُجنَّدين المحتملين واستخدمت أيضاً أحد أشكال الموسيقى غير المحتوية على آلات موسيقية تُعرف باسم النشيد لتحفيز مقاتليها في المعارك.
وعلى الرغم من أنه ينبغي على الحكومة العراقية الاستمرار في دعم الفنون كأداة لإعادة البناء، يجب عليها تجنب تحويل المجتمع الفني إلى اللسان الناطق باسم الدولة. وسيُقوِّض قمع الحريات في الفنون، مثلما فعل صدام في السابق، الحيوية الثقافية التي تدعو لها الحكومة وتُبشِّر بها بوصفها حجر أساس الهوية الوطنية العراقية. يملك العراقيون اليوم فرصة استخدام الفن في التقدم بالبلاد إلى الأمام، ولكن ينبغي عليهم السير بعيداً عن تكرار أخطاء الماضي.

نُشرت هذه المقالة أولاً على موقع ForeignAffairs.com الإلكتروني.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.