التلعثم... صراع قاسٍ للتعبير عن الذات... وغصة في قلب الأهل - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

صحة, قصة الغلاف

التلعثم… صراع قاسٍ للتعبير عن الذات… وغصة في قلب الأهل

بعض مشاهير العالم عانوا من التأتأة

معالجة النطق الخبيرة ربا الأطرش
محاولات لتطوير برامج علاجية محوسبة للذين يعانون التعلثم
محاولات لتطوير برامج علاجية محوسبة للذين يعانون التعلثم

جدة: معتصم الفلو

•80 % من المتأتئين يعاودون النطق السليم شرط العلاج المبكر.
•طلب الإرشاد واجب الأسرة لمعرفة أسلوب التعامل الأمثل مع الطفل المتأتئ.
•البالغون عرضة للتأتأة مع الأزمات النفسية الحادة والاضطرابات العصبية.
•أرسطو وتشرشل و نيوتن ودارون ومارلين كانوا يعانون من التعلثم.

من يتخيل أن الكثير من المشاهير والعباقرة والموهوبين مثل وينسون تشرشل ومارلين مونرو وإسحق نيوتن وتشارلز دارون، وحتى الفيلسوف الإغريقي العظيم أرسطو كانوا يعانون من التأتأة؟
ومن منا لا يذكر شخصاً، قريباً أو بعيداً، التقاه أو عاش أو درس معه، كان يعاني من صعوبات النطق؟ معظمنا مشاعره مختلطة نحو هؤلاء، فهي تتدرج بين الشفقة والعطف أو التغاضي عن وجود مشكلة أصلاً والتعامل مع الأمر وكأنه غير موجود.
التأتأة هي صعوبة النطق الأكثر تحدياً لأصحابها وللمحيطين بهم، ابتداءً بالأهل والأقارب، وصولاً إلى المدرسة والمجتمع المحلي. إنها الأفكار والعواطف التي لا يتمكن أصحابها من ترجمتها إلى نطق سليم.
فما التأتأة؟ وما تصنيفاتها؟ وهل هي وراثية أم مكتسبة؟ وهل هي قابلة للعلاج أصلاً أم أنها مزمنة؟
«المجلة» استضافت معالجة النطق الخبيرة ربا الأطرش، للإجابة عن تلك التساؤلات بأسلوب علمي، يكشف خبايا التأتأة ويشرح أبعادها النفسية والاجتماعية والطبية، إلى جانب دور الحروب الأهلية في تفاقم هذه الإعاقة، إذ استهلت حديثها بالقول إن «الاكتساب الطبيعي لأصوات الكلام والبنية اللغوية أمر ضروري في حياة الفرد، حيث يتوجب على المتحدث اكتساب الطلاقة الكلامية عند استخدام اللغة، والطلاقة تعني السلاسة أو التدفق الذي يربط الأصوات والمقاطع والكلمات والعبارات معاً، مما يتوجب التفريق بين عدم الطلاقة الطبيعي والتأتأة».

التأتأة علمياً

توضح الأطرش أن التعريف العلمي للتأتأة هو «اضطراب في طلاقة التعبير الكلامي، ويتميز بأنه لا إرادي، مسموع أو غير مسموع، بتكرارات أو تطويلات لأجزاء من الكلام، وبخاصة الأصوات والمقاطع والكلمات أحادية المقطع، وغالباً ما يكون مصحوباً بشَدّ (توتر) في أعضاء الجسم التي لها علاقة بالكلام، وتلك التي ليس لها علاقة بالكلام أيضاً، مما يشير إلى وجود حالة انفعالية سلبية في طبيعتها كالخوف والحرج والسخط، التي تبدو مظهراً لصراع له علاقة بالكلام».
وتضيف: «التأتأة اضطراب الاختيار والابتداء في تنفيذ سلسلة من الآليات الضرورية لطلاقة التعبير المستخرج. وقد وجد الباحثون أن الأشخاص المتأتئين يستخدمون الشق الأيمن من الدماغ في معالجة أي مادة لغوية، وهو الشق غير المخصص للكلام».

معالجة النطق الخبيرة ربا الأطرش
معالجة النطق الخبيرة ربا الأطرش

أما أنواع التأتأة فهي ثلاثة
1. التكرار لمقطع أو كلمة مثل أنا..أنا..أنا أحب..
2. الإطالة في أحد أصوات الكلمة مثل سسسسـ – – – يارة
3. التوقف، أي توقف الصوت أو الهواء، أثناء إصدار الكلمة مثل ك (فراغ) ثم كلمة «كامل».
وصحيح أن الطفل الصغير لا يكون على دراية بمشكلته في البداية، إلا أن غياب هذا الوعي لا يدوم طويلاً، فسرعان ما يجد الطفل نفسه في صراع للتعبير عن نفسه، وبخاصة عندما لا يتم تطوير الكلام ومهاراته بما فيه الكفاية. وهكذا يصبح الطفل أكثر إدراكاً بالتحديات الخاصة والصعوبات التي ترافق الكلام، وسيلاحظ من محيطه أن كلامه غير طبيعي ويختلف عن الآخرين، وقد يكون هناك مصدر للمشاعر السلبية وسلوكيات التجاوز التي تنشأ عند المتأتئ عند معرفته أن طريقة كلامه تختلف بوضوح عن طريقة كلام الآخرين.

مكتسبة أم وراثية؟

التقت «المجلة» بالسيد أحمد. س، وهو شخص في مطلع الثلاثينات من العمر، ويعاني من التأتأة في مرحلة متقدمة. قصة أحمد مثيرة للاهتمام، فوالده يعاني من المشكلة وطفله الصغير يعاني منها أيضاً، لكن لم يحاول لا هو ولا والده الحصول على المساعدة لتحسين النطق، بسبب ظروف الإقامة في مدينة طرفية بالسعودية، لم تفتتح فيها عيادة أو مركز لمعالجة صعوبات النطق إلا منذ أقل من 5 سنوات.
وهنا، قد يتساءل البعض عما إذا كانت التأتأة مكتسبة بفعل ظرف محيط أم أنها وراثية تنتقل عبر الأجيال شأنها شأن داء السكري وغيره، وهنا تشرح الخبيرة الأطرش في التفصيل بقولها: «ظهرت عدة نظريات حاولت تقديم تفسير إلى أن التأتأة تتباين حسب المحفز أو الحدث البيئي. ومع ذلك، تشير بيانات الانتشار إلى أن عامل الوراثة يلعب دوراً رئيسياً في وجود المشكلة، بينما تلعب العوامل التطورية والبيئية الدور الرئيسي في ظهور التأتأة وتطورها. ويعتقد الخبراء أن العوامل الجينية (الوراثية) تجعل الفرد مهيئاً للتأتأة».
أما عن تداخل الوراثة مع البيئة، توضح معالجة النطق أن هناك «أدلة قوية على أن لدى التأتأة أساساً وراثياً (Genetic Basis) للأطفال ممن لديهم درجة قرابة أولية بمصابين بالتأتأة، إذ إن احتمالية إصابتهم بالتأتأة تتضاعف 3 مرات، ولكن تشير الدراسة التوأمية والدراسات المعتمدة إلى أن العوامل الوراثية تتفاعل مع العوامل البيئية كما يحدث مع التأتأة والكثير من الأشخاص المصابين بالتأتأة لا يوجد لديهم تاريخ عائلي بهذا الاضطراب»، إلا أن الجزم بتأثير العامل الوراثي يبقى بعيداً!

البالغون عرضة أيضاً!

يظن كثيرون أن التأتأة تنحصر في الأطفال وتكبر معهم، لكنها في واقع الأمر غير ذلك. فقد يتعرض البالغ لأزمة عصبية أو نفسية، تعرقل النطق السليم. وتشرح الأطرش الأسباب التي قد تؤدي إلى التأتأة لدى البالغين مثل:
التلعثم العصبي: عندما لا تعمل الإشارات بين الدماغ والعضلات الخاصة بالنطق أثناء الحديث بشكل صحيح بسبب أزمة عصبية.
عوامل نفسية: التوتر أو القلق أو الحرمان الشديد والمفاجئ أو الصدمات العنيفة
عند سؤال السيد أحمد. س عن المشكلات التي يعانيها على المستويين الشخصي والاجتماعي، يجيب أنه كان يتعرض للسخرية والتهكم على طريقته في الكلام، مضيفاً أنه لا ينسى موقفاً حصل معه ذات مرة عندما طلبت المدرسة ولي أمره – وهو من المتأتئين – الذي حضر إلى صفه المدرسي وانفجر زملاؤه التلاميذ بالضحك من أسلوب والده في النطق.
أحمد اعتاد على المسألة، انزوى أحياناً وانفتح على الناس في أوقات أخرى، أحس بالشفقة في عيون بعض من يتحدث إليهم، وعامله آخرون باحتقار، وتفهمه آخرون ودعموه، دون إشعاره بالنقص، لكنه اعتاد على الأمر. وعندما أصبح شاباً، خفت معاناته، لكنه يؤكد أن طفولته كانت قاسية ومن ينسيه معاناة الماضي؟
يشعر الشخص الذي يعاني من التأتأة بآثار عاطفية وسلوكية معينة جراء عملية النطق المحبطة. وتورد الأطرش جملة من تلك الآثار أهمها عدم التكيف والشعور بعدم الأمان والخجل وسهولة الاستثارة، إلى جانب الحساسية المفرطة والتوتر وتوقع الرفض من قبل الآخرين والانطوائية، وكذلك عدم الثبات الانفعالي والانخفاض في مستوى الاستقلالية الذاتية والتوافق الذاتي والمهارات الاجتماعية.
ولا يخلو الأمر من أعراض أخرى أكثر صعوبة تشمل الكبت والسلوك الوسواسي القهري والانخفاض في وظيفة التحكم العقلي والمبالغة في ردود الفعل، إضافة إلى مشاعر القلق والضغوط النفسية ورفض الذات واضطراب الهوية وعدم القدرة على الحصول على هوية إيجابية، وكذلك نقص روح المبادرة وتطوير اتجاهات عدوانية نحو الذات والآخرين.
وعموماً يمكن أن يكون لتلك الخصائص تأثيرات سلبية على شخصية المتأتئ ويمكن أن تؤثر على إقامته علاقات سوية مع الآخرين، ويمكن أن تمثل حواجز تمنعه من تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي السليم والفعال، كما يمكن أن يكون لها أثار سلبية على الإنجاز التربوي لدى الطفل المتأتئ.

معاناة الأهل

 دور سلبي للسينما العربية في ترسيخ صورة مشوهة لذوي الاحتياجات الخاصة والذين يعانون التعلثم تحديدا غالبا ما يتعرضون للسخرية في الأفلام الكوميدية

دور سلبي للسينما العربية في ترسيخ صورة مشوهة لذوي الاحتياجات الخاصة والذين يعانون التعلثم تحديدا غالبا ما يتعرضون للسخرية في الأفلام الكوميدية

لا يستطيع الأهل تحمل الصعوبات التي يعاني منها الطفل لوقت طويل، وبخاصة إذا وجد أكثر من طفل لديهم مصاب بالتأتأة، كما توضح خبيرة صعوبات النطق الأطرش، التي تشرح جملة من الإشكاليات المحيطة بوجود طفل متأتئ في العائلة والأساليب المتبعة حيالها: «يجب أن لا يكون الرد على الطفل سلبياً أو ناقداً من أجل توعيته بالحقيقة. كما أن رداً لبقاً حسن النية قد يعرّف الطفل بوجود مشكلة أو قد يزيد الأمر سوءاً لدى الطفل الذي يعرف أصلاً بوجود المشكلة».

وتضيف: «في محاولة لمساعدة الطفل في صراعه، قد يقترح آخرون حلولاً أخرى مثل نصح الطفل المتأتئ بأخذ نفس عميق أو التفكير في الجملة مسبقاً قبل التفوه بها، معتقدين أن مثل هذه الاستراتيجيات قد تساعد الطفل، مما ينتج عنها شعور معمق بعدم الارتياح عند الطفل ويصبح ملازماً لمشكلة النطق».

للأسرة دور مهم في عملية التأهيل، فمنذ البداية يتوجب أخذ معلومات عن الطفل من الوالدين وتقديم برنامج إرشاد أسري، يتضمن معلومات عن طبيعة التأتأة وخطة العلاج. كما يتم نصحهم بشكل أساسي بعدم تصحيح الشخص أثناء التأتأة أو إعطاء أهمية ولفت انتباهه للتأتأة، وبخاصة للأطفال في المرحلة الأولى، فيما يتم إشراك المدرسة في عملية التأهيل، وذلك للأطفال في سن الدراسة.
إن عدم المعرفة العامة حول موضوع التأتأة وتقنيات علاجها، يمكن أن يؤثر سلباً على المتأتئ بعدم تقبل ذاته، مما يؤدي إلى الانطواء والكبت، وهنا تبرز أهمية توعية الأهل كعامل إيجابي مساعد في حياة المريض.
وحول مدى صحة الشعور بالشفقة تجاه المتأتئين، تؤكد الأطرش على أنه «من المهم عدم إظهار أي نوع من أنواع الشفقة عند التعامل مع الإنسان المتأتئ، وعدم إشعاره بأي شيء يزيد من حالته النفسية سوءاً كونها عاملاً مؤثراً في زيادة التأتأة. ويتم ذلك عبر دور التوعية الهام من قبل المختصين والمشرفين على الحالة للأهل وإرشادهم بما يخص مشكلة التأتأة، فنحن – مدربي النطق – نعاني من الدور السلبي للأهل بالتعامل مع ذويهم من المتأتئين، نتيجة عدم التوعية بموضوع التأتأة»، مضيفة أن «الدور الأساسي لوسائل الإعلام بأن تكون عنصراً مساهماً بتوضيح الاضطراب وكيفية التعامل مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة».

هل من علاج؟

المعلومة الجيدة التي تسوقها المدربة ربا الأطرش هو أن 80 في المائة من المصابين بالتأتأة يشفون تلقائياً، إلا أن التدخل العلاجي المبكر مهم جداً. أما بالنسبة للحالات البسيطة والمتوسطة فيتخلصون من التأتأة تقريباً بشكل تام. وبالنسبة للحالات الشديدة، يكون شفاؤهم جزئياً، وذلك بعد تلقي العلاج اللازم، لذلك يجب الحرص على التعامل مع مشكلة التأتأة بشكل جدي وسليم.
وتنفي وجود علاج دوائي للتأتأة، لكن توجد عدة خيارات للعلاج التي تساعد الأفراد على التحكم بشكل أفضل في كلامهم من خلال فريق اختصاصي متكامل، يتألف من الطبيب النفسي والطبيب العصبي وأخصائي النطق واللغة.
وتوضح أنه «توجد الكثير من المحاولات لتطوير برامج علاجية محوسبة للأشخاص الذين يتأتئون والكثير من العلاجات المتاحة، تركز على استراتيجيات التعليم لتقليل التأتأة خلال خفض السرعة وتنظيم عملية التنفس والتطور التدريجي من ردود أحادية المقاطع الصوتية إلى كلمات أطول، وفي النهاية إلى جمل معقدة أكثر».
وتستفيض الأطرش في الشرح: «يساعد بعض معالجي التأتأة على معالجة القلق الذي قد يكون عادة من آثار التأتأة، وبالتالي يؤدي إلى تفاقم أعراض التأتأة. وتشير هذه الطريقة العلاجية إلى نهج شامل بحيث إن التركيز الرئيسي للعلاج هو التوجه نحو تحسين مواقف المتحدث نحو التواصل وخفض أثر التأتأة السلبي الذي يمكن أن يؤثر في حياة المتحدث. وبما أننا يمكن أن نشهد تطورات ملموسة في مجال علوم النطق واللغة، فقد نتمكن من علاج التأتأة في المستقبل باستخدام الأجهزة الكهربائية».
وحول وجود أجهزة تقنية تساعد في علاج التأتأة، تقول الأطرش: «يوجد جهاز يدعى SpeechEasy أو (ميسر الكلام)، الذي يتميز بقدرته الفريدة على مساعدة الأفراد، الذين يعانون من التأتأة، كما يؤمن لهم الاندماج بفاعلية أكبر وأشمل في المجتمع على الأصعدة الاجتماعية والمهنية وغيرها. كما أنه يحسن الكلام دون الحاجة للتحدث بأسلوب يؤثر على معدل الكلام، وله تأثير إيجابي على الحالات التي تعاني من عدم وضوح الكلام، نتيجة التحدث بسرعة زائدة، فضلاً عن أن له تأثيراً عالياً على الحالات التي تعاني من اضطرابات كلامية نتيجة تلف عصبي».
وتختتم بالقول: «يجب أن لا تؤدي التأتأة إلى حرمان الشخص من تحقيق مكانة اجتماعية عالية، فعدد من المشاهير والعباقرة والموهوبين كانت لديهم تأتأة مثل وينسون تشرشل ومارلين مونرو وإسحق نيوتن وتشارلز دارون وأرسطو وكثيرين غيرهم».

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.