أزمة اللاجئين السوريين... جسر نحو مناصب سياسية في لبنان - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

شؤون سياسية, قصة الغلاف

أزمة اللاجئين السوريين… جسر نحو مناصب سياسية في لبنان

علوش: اللقاءات مع الحكومة السورية لن تساعد على إعادة نازح واحد

بيروت: فايزة دياب

* تصاعد الأصوات الرسمية والشعبية اللبنانية المطالبة بعودة النازحين إلى مناطق «آمنة» في سوريا «حفاظاً» على أمن لبنان.
* فشل الوزارة في إعداد خطة لإعادة النازحين إلى سوريا سببه المزايدات والخلافات داخل اللجنة المخصصة لبحث عودة اللاجئين والتي لم تتوصل إلى خطة حتى اليوم.
* المبالغة التي ترافق الحملات تستخدم لخلق رأي عام مناهض ضد السوريين، لأسباب انتخابية و«شعبوية».
* التضييق على السوريين لم يتوقف في السنوات الماضية، بين لافتات لا ترحب بوجودهم، وحظر تجولهم ليلاً، وإجبارهم على أعمال السخرة.

مع استمرار الحرب الدموية في سوريا تستمر أزمة اللجوء السوري بالتفاقم في لبنان، لا من حيث عدد الذين توافدوا إلى لبنان منذ بداية الثورة السورية عام 2011 وحسب، بل ومن حيث تصاعد الأصوات الرسمية والشعبية اللبنانية المطالبة بعودة النازحين إلى مناطق «آمنة» في سوريا «حفاظاً على أمن لبنان، ولكي لا يخسر اللبنانيون أرزاقهم وأعمالهم ويخسروا لبنان».

تحت هذه الشعارات نظم عدد من الأشخاص منذ نحو عشرة أيام، وقفة احتجاجية للمطالبة بعودة اللاجئين الذين يفوق عددهم المليون ونصف المليون نازح إلى سوريا، وذلك بالتزامن مع حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب الدولة اللبنانية بالتفاوض مع الحكومة السورية لإعادة اللاجئين بسبب العبء الاقتصادي للنازحين على لبنان.
الدعوات الشعبية ترافقت مع دعوات رسمية من قبل رئيس الجمهورية اللبناني ميشال عون الذي دعا المجتمع الدولي للمساعدة على تأمين عودة آمنة للاجئين السوريين في بلاده إلى المناطق التي عاد إليها «الهدوء» في سوريا، في حين يستمر وزير خارجية لبنان جبران باسيل منذ أشهر بتكثيف حملته لعودة النازحين إلى سوريا، ومن أشهر تغريداته وصفه اللاجئين بالمحتلين للبنان، حيث كتب منذ أيام: «أمام المواطن السوري الشقيق طريق واحدة هي طريق العودة إلى وطنه… وكل أجنبي قابع على أرضنا من غير إرادتنا هو محتل من أي جهة أتى».

الحملات والدعوات المطالبة بعودة النازحين السوريين ليست جديدة، فهي بدأت منذ أشهر عندما طالب «حزب الله» الحكومة اللبنانية بالتفاوض مع الحكومة السورية لتأمين عودة السوريين إلى بلادهم، الأمر الذي رفض من قبل قوى 14 آذار. وفي المقابل حملات التضييق على السوريين لم تتوقف في السنوات الماضية، فقد رفعت اللافتات في بعض المناطق التي لا ترحب بوجود السوريين، إضافة إلى قيام بعض البلديات بحظر تجوال السوريين في ساعة متأخرة من الليل، وأخرى أجبرتهم على القيام بأعمال السخرة مقابل استضافتهم، وحملات أخرى أدّت إلى ارتفاع نسبة الاحتقان بين اللاجئين من جهة واللبنانيين من جهة أخرى.

أمّا النازحون السوريون وبحسب ما يروي الناشط والصحافي السوري أحمد القصير لـ«المجلة»، فإنهم «بشكل عام لديهم وعي ضد التحريض الذي يتعرضون له من بعض اللبنانيين والذي بدأ بعد أحداث عرسال عام 2014، فهذا الوعي الملموس أدّى إلى تلاشي المخاوف من حدوث انفجار بين الشعبين اللبناني والسوري بسبب الاحتقان وحملات التحريض، فالسوريون لم يتصرفوا كما فعل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عندما طالبوا بحماية دولية».

وأضاف القصير: «النازحون السوريون اليوم ينتظرون العودة بفارغ الصبر، وكان الأمل كبيرا بالعودة عندما حصل تفاوض مع النظام لعودة آلاف العائلات إلى منطقة عرسال الورد ولكن الطعن بالاتفاق من قبل النظام السوري وإجبار الشباب للانضمام إلى صفوف جيش النظام، ضرب مبدأ المصالحات والاتفاقات التي كان منوياً إجراؤها لعودة النازحين. ومع هذا يحاول السوريون طمأنة اللبنانيين بأنّهم ليسوا مستوطنين ولا ينتظرون الجنسية ولكن لا يريدون العودة إلى الموت الذي هربوا منه، فهم لا يستطيعون العودة إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري والفصائل المتطرفة. فبالنسبة للاجئين السوريين مفتعل الأزمة لا يكون أساساً في الحل، وعودتهم إلى سوريا تأتي بعد انسحاب (حزب الله) من سوريا، وتأمين حماية من قبل الأمم المتحدة… أمّا مطالبة بعض اللبنانيين الحكومة اللبنانية بفتح حوار مع النظام السوري لعودتهم، فلا يغير من الأمر شيئا لأن المعارضين يعرفون أنّ في عودتهم إلى سوريا مصيرا غامضا وأسود سيكون بانتظارهم».

ولكن هل لبنان البلد الصغير الذي وصل عدد اللاجئين المقيمين فيه إلى ما يقارب المليونين بين فلسطينيين وسوريين، لا يزال يستطيع تحمّل هذا العبء في ظل الأوضاع الاقتصادية الهشة، والظروف الأمنية والسياسية التي تحيط بلبنان والمنطقة، في ظلّ غياب خطة من الحكومة اللبنانية لتنظيم وجود النازحين، وبلورة خطة لإعادة السوريين بالتعاون مع الأمم المتحدة؟

في هذا السياق، أكد وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي في حديث مع «المجلة» أنّ «فشل الوزارة في إعداد خطة لإعادة النازحين إلى سوريا سببه المزايدات والخلافات داخل اللجنة». وأضاف: «إن اللجنة المخصصة لبحث عودة اللاجئين لم تتوصل إلى خطة حتى اليوم، بسبب خلافات أبرزها مع وزير الخارجية جبران باسيل الذي أراد فرض شروط في الخطة التي تم إعدادها في أول اجتماع للجنة، ومن ثم نسف الاتفاق الأولي الذي توافقنا عليه وهو أبدى موافقة على 80 في المائة من الخطة. فقد وضع باسيل كل العراقيل التي منعت الوزارة من الوصول إلى خطة لإنهاء هذه الأزمة».

وبدوره أكد عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل النائب السابق مصطفى علوش أنّ «الاقتراح الذي تم طرحه حول السوريين الذين يترددون إلى سوريا في ظل الأزمة، خصوصا إلى مناطق النظام، فهؤلاء يجب أن يعودوا إلى سوريا، لكنهم لا يشكلون سوى جزء صغير من اللاجئين. وعددهم لا يغير في واقع أزمة اللجوء، فهناك مليون نازح على الأقل لا يستطيعون العودة في هذه الظروف إلى سوريا».

وأضاف علوش: «الحل الوحيد الذي يدفع معظم النازحين للعودة إلى مناطقهم هو استقرار الوضع السياسي والأمني في سوريا، وتأمين الضمان للنازح السوري أن لا يتم اضطهاده بسبب معارضته، أو مذهبه، وأن تتم العودة إلى مناطق آمنة تحت رعاية الأمم المتحدة، وبدء عملية إعادة إعمار لأن الدمار الذي لحق بمدن ومحافظات معظم اللاجئين لا يمكنهم من العودة والعيش بحياة كريمة في مناطق فقدت فيها أدنى معايير العيش الكريم، أما اللقاءات مع وزير خارجية سوريا أو التنسيق مع نظام بشار الأسد فلا يستطيع أن يعيد نازحا واحدا إلى سوريا».

ورأى علوش أنه «ليس هناك أي سبب لكي يكون هناك سجال بين لبنانيين في موضوع عودة النازحين، خصوصا أن جميع اللبنانيين متفقون على مبدأ وضرورة عودتهم، فمنذ البداية لا يستطيع لبنان استيعاب هذا العدد من اللاجئين، ولكن هذا أمر واقع. وبحسب مواثيق الأمم المتحدة التي يلتزم بها لبنان لا تستطيع الحكومة أن تتحرك في هذا الأمر، بانتظار استقرار الوضع الأمني والسياسي في سوريا وإعداد خطة واضحة وشاملة لعودة النازحين من قبل الأمم المتحدة».

وعلى وقع السجال السياسي حول قضية النازحين، أكد مدير الأبحاث في معهد عصام فارس للسياسات العامة والعلاقات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور ناصر ياسين أنّ «العودة بحسب شروط آمنة وطوعية غير مستوفاة حاليا، فهناك غياب تام لأي خطة أو برمجة للمجتمع الدولي لتأمين مناطق آمنة في سوريا، لعودة من هربوا خوفا من الحرب في بلدهم، فالحرب السورية مستمرة والشهر الماضي كان الشهر الأكثر دموية في سوريا في هذا العام، فمن يحدد المناطق الآمنة، وكيف ستكون عودتهم بطريقة تحفظ أمنهم وسلامتهم؟».
ولفت ياسين إلى أنّه «في ظل مطالبة بعض الأطراف اللبنانية بالتنسيق مع النظام السوري لعودة النازحين، لم نسمع من السفارة السورية في بيروت حتى اللحظة إطلاق خطة لعودة السوريين إلى مناطقهم، ولم نسمع أي تصريح أو إبداء رأي من قبل الحكومة السورية والمحسوبين على النظام السوري في دمشق يتحدثون عن العودة ويدعون السوريين الذين هربوا بسبب الحرب أن يعودوا إلى البلاد، فالحديث عن العودة يأتي فقط من السياسيين اللبنانيين حلفاء النظام السوري الذي يتصرف مع موضوع العودة بصمت وتجاهل طبيعي».

وبالأرقام يتحدث ياسين عن المبالغة في توصيف أزمة اللجوء في لبنان، إذ أكد أنّه «بالطبع مرور ست سنوات على الأزمة سيزيد من الضغط الديموغرافي والسكاني في المناطق الأكثر فقرا في لبنان، فأكثر النازحين السوريين هم من الفقراء ويقطنون في مناطق تعاني من الفقر، لذلك فهناك منافسة على فرص العمل القليلة أو المعدومة أصلا في هذه المناطق، خصوصا مع التسرب المدرسي المبكر لدى النازحين الذين يذهبون مبكرا إلى سوق العمل، هذا إضافة إلى الضغط على البنى التحتية ولكنّ هناك تضخيماً لتأثيرات النزوح السوري، فهناك كلام عن أن السوريين أخذوا كل الوظائف من اللبنانيين، ولكن الحقيقة أنّ 4 في المائة فقط من السوريين هم أصحاب مهارات ويعملون بحسب مهاراتهم، بينما 77 في المائة من السوريين يعملون في قطاعات كالزراعة والبناء وهذه القطاعات يعمل فيها السوريون منذ زمن أي منذ ما قبل الأزمة السورية في لبنان».

وتابع ياسين: «6 في المائة فقط من السوريين افتتحوا محال تجارية في لبنان، وهناك فقط 1600 سوري في السجون اللبنانية أي بنسبة 25 في المائة من مجمل المساجين اللبنانيين، أي أنّ نسبة الجريمة ليست الأعلى من قبل السوريين».

وختم ياسين: «المبالغة والتضخيم التي ترافق الحملات تستخدم لخلق رأي عام مناهض ضد السوريين، لأسباب انتخابية و(شعبوية)، للتصوير للشعب اللبناني أن هناك من يريد أن يخلّص اللبنانيين ويحميهم من المدّ السوري، ولكن زيادة التوتر بين الطرفين السوري واللبناني الذي وصل أحياناً إلى عنف جماعي في بعض المناطق، لن يغير في الواقع شيئاً فنحن بحاجة اليوم إلى هيئة محايدة تحدد المناطق الآمنة وتنظم عودة النازحين تحت رعاية الأمم المتحدة».

بحسب المعطيات ومجريات الأزمة في سوريا يبدو أنّ عودة النازحين إلى بلادهم ليست قريبة، ومع اقتراب الانتخابات النيابية في ربيع 2018 يبدو أن قرار بعض القوى السياسية هو استخدام أزمة اللجوء كمادة «دسمة» في الحملات الانتخابية واللعب على وتر «التوطين والطائفية» الذي لطالما استخدمته القوى السياسية «كفزاعة» لتحقيق مآرب «شعبوية» وفي صناديق الاقتراع.

Previous ArticleNext Article
المجلة
مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.