باحث يحذر من خطر «الحروب العدمية الصغيرة» على استقرار العالم - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

ثقافة, قصة الغلاف

باحث يحذر من خطر «الحروب العدمية الصغيرة» على استقرار العالم

قال في كتاب جديد إن الحقبة المقبلة قد تشهد إرهاباً كاسحاً

غلاف الكتاب الجديد عن الليبرالية والإرهاب

القاهرة: خالد أبو الروس


* سوف تحتل حروب العدمية الصغيرة عناوين الصحف في القرن الحالي.
* خسرت المجتمعات البشرية القديمة معاركها مع الليبرالية وضد عقيدتها عن السيادة والتملك طوال التاريخ الحديث.
* طالب الكتاب بضرورة أن نستوعب كل الدروس المعاشة داخل تجربة الحياة الليبرالية في عصر الإرهاب.

يتوقع الدكتور أحمد فاروق، باحث الفلسفة السياسية بجامعة عين شمس بالقاهرة، في كتابه «الليبرالية والإرهاب» الصادر حديثا عن مركز الحضارة العربية للنشر والدراسات، بالعاصمة المصرية، أن يدخل العالم حقبة جديدة يطلق عليها اسم «ما بعد الليبرالية». لكن، وخلافا لما جرى طرحه من قبل، يربط الباحث هذا الأمر بتطور مشكلة الإرهاب.

يحذر الكاتب بداية من أن القوى العدمية في المجتمعات الغربية، ذات الصوت الأعلى من صوت الديمقراطية – الليبرالية، قد تهيمن على المستقبل القريب، لتحفر على وجه زماننا حكايات صغيرة عن المآسي المحلية وعمليات إبادة البشر الإقليمية، وتخلق مناخا من عدم الاستقرار يتميز بالحروب الصغيرة المتعددة الضارة بالتكامل الكوني.

أما على المدى البعيد، فسوف نجد أن قوى الليبرالية الرأسمالية، وفقا للكاتب، تشكل الأساس لقوة دفع الحضارة الغربية التي تتسم بالبطء والثبات، وهو ما يعني أنه لا قبل لأحد بإيقافها، وبذلك سوف تحتل حروب العدمية الصغيرة عناوين الصحف في القرن الحالي.
ويتكهن المؤلف بأن نهاية التاريخ ستكون صامتة في آخر المطاف، أما المجانسة التي يقوم بها عالم الليبرالية الرأسمالية، فقد تخلق سلاما عاما يؤيد انتصار التجارة وأسواقها، ويوفر لمن يسيطرون على المعلومات والاتصالات والترفيه سيطرة مطلقة على مصير البشر، وإذا لم نقدم بديلا للصراع بين العدمية (الثقافات الأخرى من المنظور الغربي المتمركز على الذات) وعالم الليبرالية الرأسمالية، فإن الحقبة التي نقف على اعتابها هي حقبة ما بعد الشيوعية، وما بعد التصنيع، وما بعد القومية، وإن كانت كذلك حقبة طائفية مخيفة ومتعصبة، قد تصنع في نهاية الأمر حقبة ما بعد الليبرالية.

يؤرخ الدكتور أحمد فاروق في كتابة في نحو ثلاثمائة صفحة للأسباب التي أدت إلى نشأة الليبرالية من رحم الحروب والنزاعات المسلحة بين الأمم والجماعات المختلفة. صحيح أن موضوع النزاعات قديم قدم البشرية ذاتها، لكننا مع الليبرالية دلفنا فصلا جديدا من فصول التطور الإنساني، فمعها ظهرت إلى الوجود القدرة على الابتكار في القتل، وكذلك القدرة على الابتكار في التبرير الفكري له.

ويؤكد الكتاب على أنه ومن خلال تطور الفكر السياسي الليبرالي عبر موجاته المتلاحقة، أضيفت للبرنامج الليبرالي فكرة غزو الطبيعة من أجل السيطرة عليها وإخضاعها، وهو غزو من شأنه إذا ما تحقق أن يحسم معركة السيادة والتملك بالضربة القاضية، وسوف يغدو الإنسان بعد قرون طويلة من المعاناة والألم سيدا ومالكا للطبيعة، ولكن بشرط أن يتبع النصائح والتوصيات التي يقدمها له العقل الليبرالي، وبهذه الطريقة تشكلت العقيدة الليبرالية في القرون الثلاثة السابقة على الثورة الفرنسية.

ويتابع الدكتور فاروق في كتابه أن تلك الأفكار عبرت عن نفسها في الثورة الفرنسية وخلال حروبها من أجل نشر عقيدتها – وهي عقيدة علمانية وحداثية بطبيعة الحال – في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، ومع أن الثورة الفرنسية قد هزمت وحوصرت أفكارها بعد هزيمة نابليون عام 1815 ميلادية، فإن عقيدتها – الليبرالية الحداثية – وأسسها الفلسفية، ظلت حية في مذاهب وأفكار فلاسفة السياسة.

وعندما لا تموت الأفكار أو حتى تطمر في الكهوف بعد هزيمة من يحملون لواءها، فإنها تنتقل بسهولة ويسر خارج حدودها حاملة معها حماسة المشاهد المتفرج الذي يجلس أمام الشاشة دون أن يتأثر فعليا بالمناخ المحيط بالأفكار والحروب، وكلفة ذلك كله الباهظة على الحياة السياسية والاجتماعية، وهي كلفة باهظة لدرجة أنها قد تؤدي إلى اضطراب، وقد توقف الحياة الإنسانية برمتها.

ويضيف الكتاب: وهكذا خسرت المجتمعات البشرية القديمة معاركها مع الليبرالية وضد عقيدتها عن السيادة والتملك طوال التاريخ الحديث، وعبر سحر الأفكار تغرق الحماسة بها، المجتمع الذي تسيطر على خياله في نزاع بين القديم والحديث بصورة تنتهي بالحسم لصالح الحديث حتى لو كان الثمن لذلك هو البناء الاجتماعي ذاته.

وأوضح الكتاب أنه عندما أنجزت الليبرالية هذا التحول في المزاج الإنساني العام، أصبحت بمثابة القوة المحركة لحياة العالم، على نحو مكنها من السيطرة على الخيال الإنساني، ومكنها كذلك من القدرة على الاختلاق: اختلاق الأصدقاء والأعداء، وفيما استولت الليبرالية على قلوب وعقول النخب السياسية والثقافية التي صنعتها لم تجد من تحاربه، وقد اضطرها ذلك إلى اختلاق الأعداء مجددا، كما حكمت القدرة على الاختلاق، المعارك والحروب الليبرالية منذ بدايتها وحتى آخر معاركها الكبرى في النصف الثاني من القرن العشرين، قاصدا بذلك معركتها ضد النموذج الشيوعي للتحديث وخصوصا في الاتحاد السوفياتي السابق، ففي تلك المعركة بالتحديد قامت الليبرالية باختلاق هذا الوحش الغامض غير القابل للتعريف المسمى باسم الإرهاب.

كما استخدمت الليبرالية كل ما تملكه من قدرات مادية ومعنوية – من نقود ونفط وحتى أفلام هوليوود – في خلق أو بالأحرى اختلاق هذا الوحش الخرافي الجديد، فرانكشتاين عصرنا، واستطاعت بواسطته دفع المواجهة مع الاتحاد السوفياتي السابق إلى حافة الهاوية، فسقط، وتهاوت مع سقوطه تجربة التحديث الشيوعي بالكامل.

ويذهب الباحث في كتابه إلى القول بأن هذا الوحش الأسطوري – المسمى بالإرهاب – ظل ينمو على الرغم من زعم الليبرالية بأنها في نزاع وجودي معه، وها هو يغدو بشكل يومي كما لو كان يحدد مصير العالم ومستقبله، ويمتلك هذا الوحش الآن جاذبية آسرة – مثله في ذلك مثل الفاشية والنازية – باعتباره المدافع عن الفقراء ضد قوى الهيمنة والإمبريالية، بعدما اتخذت هذه القوى أشكالها الجديدة في ظل الانفتاح الاقتصادي بحيث انتظمت عولمة الإرهاب مع عولمة الاقتصاد.

ويؤكد الكاتب في كتابه أن نظرة فاحصة على هذا السطح المضطرب لعالمنا ستخبرنا العكس: فالإرهاب الذي تجدد به الليبرالية نفسها هذه الأيام، أصبح رأس الحربة في الموجة الجديدة من موجات الليبرالية للسيطرة على العالم! وهي سيطرة تتم انطلاقا من العقيدة الليبرالية في السيطرة على الطبيعة، وبالتالي تنظر للعالم باعتباره جزءا من الطبيعة يجب غزوه والسيطرة عليه لإنجاز مشروع الحداثة الأصلي، كما شكلته الفلسفة السياسية الليبرالية بداية من مكيافيللي وحتى جون ستيورات مل، في القرن التاسع عشر.

ويمضي الكاتب قائلا: بهذه الطريقة يعمل الإرهاب المعولم جنبا إلى جنب مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمجتمع المدني العالمي والأمم المتحدة لفرض قواعد اللعبة الليبرالية على العالم بدموية كاسحة، وخبث مدمر، يدفع المرء إلى التساؤل: هل تستحق الحماسة لنشر طريقة الحياة الليبرالية الحديثة كل هذا الثمن الباهظ من أرواح بشرية ومقدراتهم الطبيعية؟ وهل البشرية حقا في حاجة ماسة إلى الديمقراطية الليبرالية كي تزدهر وتغدو قادرة على الاستمرار والتطور؟ فعندما تنتصر الليبرالية وقيمها في عصر الإرهاب – في معركة القلوب والعقول – على هذا النحو المذهل يجب علينا التوقف أمام هذه الحماسة التي تضحي بحياة ملايين البشر دون أن تذرف دمعة واحدة، لكي نعرف ما إذا كانت تستحق فعلا كل هذه التضحيات، ولعل سبيلنا للقيام بذلك هو البدء من البداية، بمعنى أنه يجب علينا الانطلاق في تحليل نقدي واسع وكامل لليبرالية بداية من مكيافيللي حتى نتمكن من فهم طبيعة الحداثة السياسية، وكيف تشكلت؟ وما هي رهاناتها الإنسانية والغايات التي تسعى إليها من خلال المشروع الحديث؟!

ويضيف الكتاب: ههنا يكون من الطبيعي أن تكون قدرتنا على التساؤل بشكل نقدي خافته، خصوصا وأن كل الزخم الإنساني اليوم متمركز حول الليبرالية، لكن شخصا ما يجب عليه أن يبدأ هذا العمل، وأن يشرع في التناول النقدي لليبرالية كفلسفة سياسية عصرية في عصر الإرهاب، وأن يواصل العمل في هذا الطريق حتى نتمكن من الخروج الطوعي من الدائرة الليبرالية… الدائرة الليبرالية في عصر الإرهاب، لأن الخروج الطوعي أو الإرادي من هذه الدائرة قد يكسبنا القدرة على التعامل بعقلانية مع مستقبل يبدو فارغا ومجهولا الآن…
خصوصاً أن الليبرالية مع الحماسة الملازمة لها ما زالتا تلقيان بظلالهما المقيتة على قدرات البشر في استشراف المستقبل: مستقبل الاجتماع الإنساني وسياساته المدنية في عصر الإرهاب، ونحن قد صرنا نعرف الآن ما يعوقنا عن القيام بعملنا: إنها الحماسة التي تثيرها في نفوسنا الليبرالية وحروبها من أجل السيادة والتملك، فها نحن نتحرر كل يوم من وضعية المشاهد والمتفرج على هذه الصراعات والحروب ونعيشها بوصفها واقعاً يومياً مريراً من وقائع حياتنا وعالمنا في عصر الإرهاب، والذي يضربنا بعنف يكاد يكون مطلقا.
وطالب الكتاب بضرورة أن نستوعب كل الدروس المعاشة داخل تجربة الحياة الليبرالية في عصر الإرهاب، فالإرهاب كما تدلنا كتب التاريخ الحديث والمعاصر، وخصوصا تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة، ولد مع الليبرالية ونشأ في حضن محاولاتها من أجل فرض الهيمنة والسيطرة على البشرية عبر الحروب والنزاعات المسلحة.

ولعل الكتاب يعطي الفرصة نحو قراءة هذا السفر الكبير لليبرالية قراءة نقدية، قد تمكننا من الخروج من دائرتها السحرية بأساطيرها الجديدة والقديمة، وبطبيعة الحال فإن السبيل الطبيعي للدراسة هو التعليم، فالتعليم هو المخرج من تلك الدائرة التي تعيد إنتاج نفسها عبر تحكمها في الخيال الإنساني أيضًا هو وحده القادر على إعادة تشكيل الخيال الإنساني، هذا لأنه الاكتشاف الإنساني الذي صنع القدرة على تحدي الذات من أجل تهذيبها وصقلها لكي تتكيف وتتلاءم مع الحياة السياسية، وذلك قبل أن تولد الحياة السياسية وتسود وتصبح جزءا أصيلا من الشروط الإنسانية العامة.

وأشار الكتاب إلى أن التعليم في هذا السياق وليد الاهتمام بالذات، وشرط الاهتمام بالذات هو الاجتماع الإنساني بما هو اجتماع سياسي، وضرورة بوصفه اجتماعا سياسيا، وواحدا من المسلمات الكبرى للحياة الإنسانية، وهي ضرورة لم تعد بحاجة للبرهنة عليها في عصر يمتلك الإنسان فيه كل مقومات الحياة الفردية التي من المفترض أن تغنيه عن الحياة السياسية والاجتماعية، لكنه لم يفعل وربما لن يفعل إلا إذا تحول ولم يعد إنسانيا.

وتابع الكتاب: ولذلك تعاود قضية التعليم الصعود إلى مسرح الأحداث في وقت الأزمة، وهذا ببساطة يرجع إلى أن التعليم هو سيبل الإنسان للخروج من أزمته، هذا ما تخبرنا به الخبرة الإنسانية قديما وحديثا: «عليك بالتعليم إذا أردت أن تتجاوز المحنة التي تتعرض لها الحياة السياسية والاجتماعية».

وكشف الكتاب عن أنه لا يهم هنا مصدر المشكلات ولا طبيعتها ولا حجمها ولا حتى مدى عمقها وتجذرها في البنية السياسية والاجتماعية، فسوف تكون لدينا القدرة على تشخيص حاضرنا – هكذا تدلنا الخبرة الإنسانية – ولكن بشرط واحد فقط وهو أن نبدأ في الحال التخطيط والتنفيذ الجاد لبرامج هدفها هو التعليم. خصوصا وأن التعليم هو السبيل الذي سلكته البشرية لكي تنتقل من الشفاهية إلى الكتابة: التعليم هو الذي أدخل البشرية حضارة الكتابة، وبذلك التحول أصبحت الكتابة هي المدخل لمناقشة وتسجيل كل أطياف الخيال الإنساني، تلك الخبرات التي نتجت عن انخراط الإنسان في تجربة الاجتماع السياسي.

ومن أبرز ما يسجله الكتاب حول تجارب الاجتماع السياسي الإنساني هو أن الطغيان، إضافة إلى استغلال بعض المشاركين في هذه التجارب للحاجات المشروعة في تسويغ الطغيان والدفاع عنه بتبريرات مضحكة، وهكذا تأخذ الكتابة على عاتقها منذ نشأتها وحتى اللحظة، مهمة تقويض الطغيان والاستبداد عن طريق فضح أكاذيبه من ناحية، وتقديم بدائل جديدة عن صور الحياة السياسية والاجتماعية التي بمقدورها مساعدة الإنسان في البحث عن الكمال وتحصيل السعادة داخل الاجتماع السياسي من ناحية أخرى. فقد كانت الكتابة – وما زالت – منذ نشأتها هي السبيل إلى التنوير، والتنوير هو الطريق للحياة الكريمة.

ويضيف الكتاب: وقد يكون البحث عن الكمال عن طريق التعليم هو سبيل البشرية نحو الخروج من الدائرة السحرية لليبرالية، التي خرجت منها النزعات الظلامية المتعصبة، فالدائرة كظلها تكره الكتابة والقراءة والتنوير، وتكره كذلك بحث الإنسان عن الكمال.
وفي كل الأحوال يعتقد الكاتب أحمد فاروق في كتابه أن أسباب هذه الكراهية تعود إلى الظن المخادع بأنها – أي الليبرالية الغربية – قد وجدت الكمال وحققته، وأنه على البشر، كل البشر دون استثناء، اتباع البرنامج الليبرالي لكي يصلوا إليه، إنها تجربة تنتهي لتتحول إلى عقيدة جامدة لا تمتلك القدرة على فعل أي شيء آخر غير أن تفرض كينونتها بالقوة والإرهاب على جدول أعمال الاجتماع السياسي الإنساني.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.