مهرجان سوتشي للشباب والطلبة... ملتقى شبابى بعيد عن السياسة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

تقارير, قصة الغلاف

مهرجان سوتشي للشباب والطلبة… ملتقى شبابى بعيد عن السياسة

سوتشي تحتضن المهرجان التاسع عشر للشباب والطلبة بحضور بوتين... و«المجلة» تغطي الفاعليات من قلب الحدث

ضد الصراع والتطرف والتعصب… معاً نحو السلام والتضامن واحترام الحقوق والحريات

بوتين خلال أفتتاحه المهرجان العالمي  للشاب الذي عقد في سوتشي أكتوبر الماضي
بوتين خلال أفتتاحه المهرجان العالمي للشاب الذي عقد في سوتشي أكتوبر الماضي

* شارك في المؤتمر أكثر من 180 دولة بوفود وصل عدد أعضائها إلى أكثر من 50 ألف مشارك.
* لوحظ ضعف التفاعل العربي مع فعاليات المهرجان ومسارات عمله إلا فيما ندر.
* لم تحظ القضايا العربية باهتمام كبير على جدول أعمال فعاليات المهرجان خاصة في برنامجه الحواري.
* ما شهدته سوتشي من تنظيم هذا المهرجان يمثل نقطة ضوء في مستقبل روسيا الواعدة.
* المشاركة في مثل هذه المؤتمرات ليست نزهة وإنما مسؤولية تستوجب العمل الجاد والدؤوب.

سوتشي (روسيا) – أحمد طاهر

فى خضم التحديات التي يموج بها عالم اليوم من صراعات متعددة الأبعاد ومتنوعة المجالات ومختلفة المصالح، وفي إطار رؤية مغايرة لكل ذلك يلتئم المهرجان التاسع عشر للشباب والطلبة الذي يُنظمه الاتحاد الدولي للشباب الديمقراطي (The World Federation of Democratic Youth) والمعروف اختصارا (WFDY)، حيث استضافت مدينة «سوتشي» الواقعة على البحر الأسود جنوب روسيا فعاليات هذا المهرجان التي بدأت من 14 وحتى 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2017 والذي عُقد تحت شعار «معا نحو كوكب واحد»، واتخذ من بتلات زهرة البابونج الخمس رمزيته للتعبير عن قارات العالم الخمس كما ذكر ذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في كلمته في حفل الافتتاح، إذ جاء فيها: «إن بتلات زهرة البابونج الخمس التي ترمز إلى المهرجان تعبر عن تضامن قارات العالم الخمس، وإنى واثق رغم الفروق بين بلدانكم وقومياتكم وأديانكم، من أنكم تجتمعون على القيم والأهداف المشتركة وتطمحون معا للحرية والسعادة».

ورغم دورية انعقاد هذا المهرجان خلال العقد الأخير على غرار ما جرى عقب تأسيسه، فإن هذه الدورة شهدت مستوى جديدًا من التنظيم أعطاها ميزات عدة عما سبقها من دورات انعقاد هذا المهرجان، وهو ما يمكن تسجيله في ثلاثة مؤشرات: الأول، شارك في المؤتمر ما يزيد على 180 دولة بوفود وصل عدد أعضائها إلى ما يزيد على 50 ألفاً من المشاركين والمنظمين وأفراد الطواقم الفنية والضيوف والمتحدثين، ومما يلفت الانتباه تزايد عدد المتطوعين من المشاركين في التنظيم إذ وصل إلى نحو 3500 متطوع من مختلف الأعمار ومن مختلف الأقاليم الروسية بل ومن مختلف بلدان العالم. ومن ثم، تُعد هذه الدورة هي الأكبر من نوعها مقارنة بالدورات السابقة سواء من حيث عدد البلدان المشاركة أو عدد المشاركين، حيث تجاوزت أضخم دورة تم تنظيمها لهذا المهرجان وللصدفة كان أيضاً فى العاصمة الروسية «موسكو» عام 1975، حيث شارك فيه حينذاك نحو 34 ألف شخص. أما المؤشر الثاني، فيتمثل فيما استحدثته هذه الدورة من المهرجان، إذ بدأت فعاليتها مبكرا منذ الأول من أكتوبر من العام ذاته بتنظيم ما أطلق عليه البرنامج الإقليمي «Regional Program»، وتقوم فكرة هذا البرنامج على استضافة عدد من الشباب المشاركين في هذا المهرجان بلغ نحو (2000) مشارك، وذلك للإقامة خلال الفترة التي تسبق تنظيم المهرجان في إحدى المناطق الروسية بدءا من كالينغراد في شمالي غرب البلاد على بحر البلطيق إلى فلاديفوستوك في أقصى شرق البلاد على المحيط الهادي، وقد تم تخصيص «15» منطقة استضافت كل منها عددًا من هؤلاء الشباب ليتعرف خلالها على معالم المنطقة ويشارك في فعالياتها ويتفاعل مع شبابها، وهو ما سمح لهؤلاء الشباب أن يقتربوا بصورة أكبر من المجتمع الروسي بتكويناته المتعددة عرقيا وثقافيا ودينيا، وقد عزز هذا البرنامج من مشاركتهم في مختلف فعاليات المهرجان فيما بعد، حيث تم تخصيص لقاءات عدة لهؤلاء الشباب ليعرض كل منهم تجربته ومعايشته للواقع الروسي. أما المؤشر الثالث وربما الأهم، فتجسد في الاهتمام الكبير الذي أولاه الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» لهذا المهرجان، ذلك الاهتمام الذي تجسد بصورة جلية في حضوره حفل الافتتاح الذي بدأ مساء يوم الأحد الموافق 14 أكتوبر، وكانت كلمته الموجهة إلى المشاركين في المهرجان واضحة في معالمها بأن يظل هذا المهرجان شبابيا بعيدا عن المعارك والصراعات السياسية وإنما يجب أن يكون نقطة للتضامن والتعاون، إذ جاء في كلمته: «لقد استضافت بلادنا مهرجان الشباب والطلبة العالمي قبل سبعين عاما، واجتمع الشباب والشابات آنذاك على وحدة الحلم، وها أنتم اليوم تجمعكم قوة أحلامكم في سوتشي… وأن الشباب الذين استضافتهم بلادنا في هذا المهرجان قبلكم، أثبتوا أن الصداقة الحقيقية قادرة على تذليل كل العقبات، فيما حرارة التواصل الإنساني ليست رهنا للفروق السياسية والثقافية والدينية والقومية». ولم يقتصر اهتمام الرئيس بوتين على المشاركة في حفل الافتتاح فحسب، بل حرص على مقابلة الشباب الفائزين في بعض فعاليات المهرجان فكان هناك لقاء جمع الرئيس «بوتين» وعدد (30) من الشباب الفائزين في المسابقات الفنية كان من بينهم أحد أعضاء الوفد المصري، كذلك في يوم الختام حرص «بوتين» على أن يلتقي مع ممثلي وفود الدول المشاركة في هذا المهرجان، تبادل خلاله الحوار حول مخرجات المهرجان وما دار فيه من مناقشات ولقاءات.
في ضوء هذه المؤشرات الثلاثة بصفة خاصة وفي ضوء ندرة المعلومات والبيانات المنشورة في وسائل الإعلام العربية عن هذا المهرجان بصفة عامة، تثار كثير التساؤلات حول طبيعة هذا المهرجان والجهة المسؤولة عن تنظيمه؟ ومتى تأسس؟ وما هي أهدافه وأنشطته؟ وما هي مسارات عمله؟ وما هو الجديد الذي قدمته هذه الدورة؟ خاصة وأنه قد لوحظ ضعف التفاعل العربي مع فعاليات المهرجان ومسارات عمله إلا فيما ندر، وهو ما سنشير إليه لاحقا في ضوء تقييم الدور العربي في مثل هذه المهرجانات الشبابية.
بداية، يمكن الإجابة على ما سبق من تساؤلات من خلال ثلاثة محاور رئيسية، وهي:

كلمة داريا شاروفا السكرتيرة الدولية للمهرجان العالمي للشباب – سوتشي
كلمة داريا شاروفا السكرتيرة الدولية للمهرجان العالمي للشباب – سوتشي

الأول: مهرجان الشباب والطلبة… التأسيس والأهداف

في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية وما شهده العالم أجمع من دمار وتدمير في حربين عالميتين متتاليتين (الأولى 1914 – 1918) والثانية (1939 – 1945)، تعددت التحركات وتنوعت الجهود نحو ضرورة وضع حد أمام بعض الآيديولوجيات والسياسات التي تُشعل فتيل الأزمات والحروب والصراعات، فكانت نشأة منظمة الأمم المتحدة كبديل لعصبة الأمم التي فشلت في منع قيام الحرب العالمية الثانية، كما نشأت كثير من المنظمات والاتحادات العالمية والإقليمية الهادفة إلى الدفاع عن العدل والسلام والتضامن والتعاون في مواجهة العنصرية والفاشية والاستعمار. وفي إطار هذا التحرك العالمي جاءت فكرة تأسيس «الاتحاد العالمي للشباب الديمقراطي» في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 1945 في العاصمة البريطانية «لندن» وبمشاركة آلاف من الشباب من مختلف دول العالم. ويعد الاتحاد منظمة دولية غير حكومية، أكتسبت بعد ذلك صفة الاستشارية لدى منظمتي «الإسكوا واليونيسكو».
وقد حدد بيان تأسيسه أهدافه ومهامه، إذ جاء فيه أنه «ليس من أجل هذا اليوم، وليس من أجل هذا الأسبوع، وليس من أجل هذا العام، وإنما من أجل بناء عالم نحلم جميعا به من دون تمييز بسبب الجنس أو اللون أو العرق، ومن أجل محاربة الفاشية والاستعمار والاستغلال، ومن أجل التضامن والصداقة بين الجميع لتحقيق العدالة والمشاركة في بناء وتعزيز السلام في العالم أجمع، يتم تأسيس هذا الاتحاد». وتحددت أنشطته في بناء جسور التضامن بين شباب العالم أجمع من خلال لقاءات دولية بين ممثلي مختلف بلدان العالم، وتنظيم مؤتمرات وفعاليات جماعية، إصدار النشرات والمجلات التي توضح للجميع أهداف الاتحاد في محاربة الاستعمار وتعزيز التضامن.
ومن الجدير بالإشارة أن الاتحاد نجح منذ تأسيسه وحتى اليوم في الحفاظ على ديمومة اجتماعاته، حيث اتسمت هذه الاجتماعات في البداية بدورية الانعقاد كل عامين ثم اتسعت الفجوة الزمنية بين هذه الاجتماعات منذ ستينات القرن المنصرم لتعود مرة أخرى بدءا من القرن الحادي والعشرين لتحافظ على دورية الانعقاد كل أربع سنوات،.

الثاني: مهرجان سوتشي… برامج عمل متعددة

في ضوء ما سبقت الإشارة إليه بشأن ما شهده هذا المهرجان من تنوع نشاطاته وتعددها، يمكن أن نرسم أربعة برامج تركزت خلالها فعاليات المهرجان بالإضافة إلى حفلتي الافتتاح والختام، وهذه المسارات هي:
1- البرنامج الحواري (النقاشي) Discussion Program، وهو البرنامج الرئيسي في عمل المهرجان، ويضم عدداً من المسارات الفرعية، يشتمل كل منها على كثير من الفعاليات والأنشطة كالمحاضرات والمؤتمرات العلمية والأكاديمية. وتتمثل هذه المسارات فيما يلي:
-مسار السياسات العالمية ووضع أجندتها وكيفية حماية السلام العالمي، شارك فيها مسؤولون وخبراء من روسيا على رأسهم وزير الخارجية «سيرغي لافروف».
-مسار التصميمات الفنية المتقدمة، شارك فيه متحدثون من روسيا والولايات المتحدة وإيطاليا وتم تنظيم عدد من ورش العمل المتخصصة في هذا المجال.
-مسار تكنولوجيات المستقبل، شارك فيه خبراء من مختلف بلدان العالم، وتركزت المناقشات على دور التكنولوجيا المتقدمة في قيادة المستقبل، والأمن السيبراني، وحماية الإبداع.
-مسار البيئة والصحة، شارك فيه مسؤولون على رأسهم وزير الرعاية الصحية الروسي، وكذلك وزير الموارد الطبيعية والبيئة الروسي، إضافة إلى خبراء ومتخصصين من مختلف بلدان العالم.
-مسار العلم والتعليم العالمي، شارك فيه خبراء ومتخصصون لمناقشة التحديات الكبرى التي تواجه التعليم في ظل التقدم التكنولوجي وطرق تعليم المناهج للطلاب.
-مسار إدارة الاقتصاد نحو التنمية المستدامة، وشارك فيها وزير الاقتصاد الروسي والنائب الأول لبنك روسيا المركزي، وغيرهما من الخبراء والمتخصصين.
كما نُوقش ضمن هذا البرنامج كثير من القضايا المتعلقة بالفضاء الثقافي العالمي، والتنمية البشرية، ومستقبل الصناعة، ومستقبل الطيران والنقل وشبكات الطرق وخلافه، والاعلام الجديد ودور الشباب.
2-البرنامج الثقافى Cultural program، يعد هذا البرنامج أيضاً من المحاور الرئيسية في عمل المهرجان، حيث يشمل كثيراً من الفعاليات منها الحفلات الموسيقية والمسرحيات والأفلام والمحاضرات والمعارض الفنية، إضافة إلى مناقشة مكانة المكتبات العلمية في المستقبل، وكيفية تطوير نظم التصوير الفوتوغرافي وكذلك الصور المختلفة من الفن.
3-البرنامج الرياضي Sporting Program، حيث يستهدف هذا البرنامج السماح بإجراء المسابقات والمنافسات بين الشباب في مختلف أنواع الرياضة (كرة قدم، سلة، هوكي، رياضات محلية…)، وتمت فاعليات هذا البرنامج تحت رعاية وزير الرياضة الروسي.
4-معارض الشباب Youth Expo، تعد فكرة إقامة معارض للشباب من الأفكار الجديدة التي تميزت بها هذه الدورة من المهرجان، حيث هدفت هذه المعارض إلى تقديم صورة تعريفية عن جهود الشباب وإبداعاتهم، وقد تم تقسيم المعرض إلى ثلاثة أجنحة، الأول تناول معرض الشباب للأقاليم الروسية، الثاني، تناول معرض الشباب للتكنولوجيا والاختراعات، والثالث، معرض الشباب للتاريخ والثقافة والفن.

الثالث: مهرجان سوتشي… هامشية الدور العربي

رغم المشاركة العربية المتميزة من بعض الوفود التي وجدت منذ بدايات تأسيس هذا المهرجان واستمر حرصها على المشاركة في جميع دوراته وكذلك جميع فعالياته كما هو الحال في الجانب المصري والسوري، إذ كان للحضور المصري الكبير بوفد ضم ما يزيد على 100 فرد دور كبير في إبراز حجم النشاط الفعال الذي قام به خلال هذا المؤتمر من التعريف بالقضايا العربية بصفة عامة والقضايا المصرية على وجه الخصوص، إذ حرص الوفد المصري على دعوة الجميع للمشاركة في منتدى شباب العالم الذي سيعقد في مصر في نوفمبر 2017 ويستهدف تحقيق التواصل بين شباب العالم من أجل محاربة الإرهاب والتطرف وترسيخ قيم التعاون والتضامن أيضاً. الأمر كذلك بالنسبة للوفد السوري الذي نظم الكثير من الحفلات الوطنية بل وقد ناقشت إحدى جلسات المهرجان القضية السورية، وكذلك القضية العراقية حظيت باهتمام إحدى جلسات المهرجان. ورغم كل ذلك فإن الوجود العربي في مثل هذه المهرجانات لا يزال ضعيفا يدلل على ذلك أمور عدة، منها:
1-لم تحظ القضايا العربية باهتمام كبير على جدول أعمال فعاليات المهرجان خاصة في برنامجه الحواري إلا للقضيتين السورية والعراقية وبالطبع القضية الفلسطينية، خصوصا فيما بعد الأزمة التي أثيرت حول مشاركة إسرائيل ورفع علمها في المؤتمر في ظل الانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، إلا أن القضايا العربية الأخرى مثل القضية اليمنية والليبية رغم الحضور الليبي، وكذلك السودانية لم تحظ بالاهتمام، يؤكد على ذلك أيضاً أن وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف» في كلمته كان تركيزه الأكبر على قضية كوريا الشمالية والبرنامج النووي الإيراني والموقف الأميركي منهما مع إشارات ضعيفة إلى بعض القضايا العربية.
2-تم تخصيص جلسة حوارية عن قضية الصحراء الغربية والتي تناولها المؤتمر تحت عنوان «الصحراء الغربية آخر الأراضي المحتلة في أفريقيا»، وهو ما يثير التساؤل حول انحيازات القائمين على المؤتمر تجاه قضية محل خلاف بين الأطراف المعنية، ولم يحسم الأمر بينهم وإن كانت الدلائل والقرائن السياسية والقانونية والتاريخية كافة تؤكد على مغربية الصحراء، وهو ما استوجب ردا من المغرب الذي شارك بوفد من الشبيبة المغربية على ما أثير في المهرجان، حيث تم توزيع كتاب عن مغربية الصحراء محتشد بالأدلة على سلامة الموقف المغربي قانونيا وسياسيا.

3-لم يكن من ضمن المتحدثين في المحاضرات واللقاءات والمؤتمرات عدد يذكر من الخبراء والمتخصصين والأساتذة من البلدان العربية، إذ في كثير من اللقاءات التي تم تنظيمها لم يكن فيها متحدث من الدول العربية إلا في القضايا العربية، وهو ما يتطلب مزيداً من الحرص على المشاركة والوجود في مثل هذه المنتديات التي تمثل نقطة التقاء مهمة مع العالم الآخر لتوضيح الصورة الصحيحة عن الواقع العربي بعيدا عن زيف الإعلام الغربى والأميركي الذي يرسم صوراً مضللة عن واقعنا العربي في خلطه بين الإسلام والإرهاب، إذ مثّل الخطاب الذي قدمته الوفود العربية في المهرجان دليلا دامغاً على الفصل بين الإسلام والإرهاب من ناحية، والتأكيد على مواقف الشعوب العربية وشبابها في رفضها القاطع لكل الجرائم الإرهابية التي تُرتكب ليس فقط في أراضيها وإنما في بقاع الأرض بأسرها.
4-لم تكن هناك ترجمة عربية للغالبية العظمى من هذه الحوارات والنقاشات إلا في اللقاءات الخاصة بالقضايا العربية فحسب وهو أمر إذا كان مهما إلا أن الأكثر أهمية هو ترجمة ما يقال في القضايا الأخرى غير العربية حتى تتمكن الوفود العربية المشاركة وخصوصا من لا يجيد اللغة الإنجليزية بصورة مطلقة لمتابعة المناقشات والحوارات تجسيرا للفجوة التي تزداد يوما بعد يوم، وبما يمكن الشباب العربي من متابعة ما وصل إليه العلم وما قدمه الشباب من مختلف البلدان من منجزات، ومما يزيد الأمر سوءا أن النشرة اليومية التي تصدر عن المركز الإعلامي التابع للمهرجان لم تتضمن أي أخبار باللغة العربية، فرغم المشاركة العربية فإن كثيراً من أعضاء الوفود العربية لم تستطع متابعة ما جرى من حوارات ونقاشات في مختلف المجالات نظرا لكثرة الفعاليات وتزامنها، فضلا عن كبر عدد المشاركين، وهو ما دفع إدارة المهرجان إلى تحديد أعداد المشاركين في بعض اللقاءات دون السماح لغالبيتهم بالمشاركة كما حدث في لقاء وزير الخارجية الروسي «سيرغي لافروف»، وهو ما أثر بلا شك على المتابعة الإعلامية والصحافية العربية لفعاليات المهرجان، إذ إن متابعة المهرجان لا تعدو مجرد نقل لما نُشر عن المهرجان في بعض الوكالات العالمية والروسية، بما أفقد المواطن العربي القدرة على التواصل مع مخرجات مثل هذه المهرجانات.
نهاية القول إن ما شهدته سوتشي من تنظيم هذا المهرجان يمثل نقطة ضوء في مستقبل روسيا الواعدة، إذ شهد الجميع بما حققته روسيا من تقدم في كثير من المجالات وهو ما اتضح جليا في مستوى التنظيم المتميز للمهرجان وما جرى خلاله من فعاليات كثيرة ومتنوعة اتسمت بالتنظيم المحترف مما سهل من تعامل جميع المشاركين مع فعاليات المهرجان ولقاءاته رغم كبر عددهم.
ولكن رغم كل ذلك ثمة ملاحظتان يجب تسجيلهما:
الأولى تتعلق بالوجود العربي وكيفية اغتنام مثل هذه اللقاءات التي تضم الشباب من مختلف بلدان العالم لتوضيح كثير من الحقائق المغلوطة عما يجري في المنطقة، فينتقل العالم العربي من مخاطبة الذات إلى مخاطبة الآخر، خصوصا وأن هؤلاء الشباب هم قادة المستقبل ومسؤولوه.
أما الملاحظة الثانية، فرغم نجاح المهرجان وإتمام كافة فعالياته بصورة متميزة فإن التساؤل لا يزال مطروحا، ما هو الجديد الذي أضافه مثل هذا اللقاء الدوري، هل الحفاظ على الدورية يُعد مكسبا في حد ذاته؟ أم المكسب المتحقق هو خلق وعي لدى أجيال جديدة من الشباب بأفكار المهرجان وأهدافه؟ أم الجمع بين هذه الأهداف وغيرها؟ ويرتبط بالسؤال السابق سؤالا آخر يتعلق بتحديد ما هي المؤشرات والمعايير التي يمكن أن نرتكن إليها لتقييم مدى نجاح المهرجان في الوصول إلى أهدافه؟ وهو ما يتطلب توجيه رسالتين: الأولى إلى القائمين على تنظيم هذا المهرجان أخذ مثل هذه التساؤلات في الاعتبار حتى لا يكون المهرجان مجرد لقاءات لا تغني ولا تسمن من جوع وإنما يجب كما طالب الرئيس «بوتين» أن يكون للشباب دورهم وبصمتهم في خلق عالم تسوده المساواة والعدل والحرية ويحترم سيادة الدول ولا يتدخل في شؤونها الداخلية كما أكد على ذلك وزير الخارجية الروسي «لافروف» عند حديثه عن سياسة دولته في أهمية «مواصلة التعاون مع المنظمات الدولية والشركاء الغربيين لتسوية الأزمات العالمية وإيجاد حلول لها». والثانية، إلى الوفود العربية التي شاركت في هذا المهرجان، إذ إن الأمر لا يتعلق فحسب بهذا المهرجان وإنما بكثير من الفعاليات التي تشارك فيها البلدان العربية وتعود وفودها وكأن النجاح يتحقق بمجرد الحضور والمشاركة، في حين أن كثيراً من وفود البلدان التي شاركت ربما نجحت في تحقيق أهدافها وحصد نتائج إيجابية لبلادها، وهو ما يمثل رسالة واضحة للبلدان العربية بأن المشاركة في مثل هذه المؤتمرات ليست نزهة وإنما مسؤولية تستوجب العمل الجاد والدؤوب إذا أرادوا استعادة ماضيهم المشرف وتغيير حاضرهم المحزن من أجل بناء مستقبل أفضل لأجيالهم.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.