دراسة تكشف مناهج التّجنيد عند التنظيمات المتطرفة - المجلة
  • العدد الأسبوعي
    للدخول على الPDF يرجى استخدام Google Chrome او Safari

قصة الغلاف, ملامح

دراسة تكشف مناهج التّجنيد عند التنظيمات المتطرفة

من أدواته لدى داعش: التّحريات والتّفتيش في الدّماغ والتّثبيت


القاهرة: خالد أبو الروس

* هدف الدراسة هو قراءة أساليب التّجنيد بشكل يتجاوز الظّاهر نحو المبطّن، دون الاستلاب من الموضوعيّة والحياديّة.
* تكفي نظرة سريعة على مواقع تجنيد المقاتلين لمعرفة مدى حرص هذه الجماعات على استغلال الإنترنت.

مناهج التّجنيد وطرائقه تختلف بين جماعة وأخرى؛ وهذا ما تطرّقت له دراسة حديثة للباحثين في الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، وصلاح الدين حسن، بعنوان «أساليب التّجنيد الجهاديّ»، لدى التنظيمات الجهاديّة المسلّحة، والتركّيز، بشكل خاص على التّنظيمات التي نشأت منذ فترة التسعينات وحتى ثورات الربيع العربي؛ بداية من مرحلة بحث المجنِّدين عن العناصر المؤهّلة للتّجنيد داخل صفوف التنظيم وخلاياه السريّة العنقوديّة، والشّروط العامّة التي ينبغي توافرها في العنصر المستهدَف، والمختلفة ما بين جماعة وأخرى، حتّى يؤهَّل لبدء مرحلة أخرى من مراحل العمليّة؛ هي المرحلة التربويّة والتّكليفيّة له.

وأضافت الدراسة: بما أنّ هذه التنظيمات وصلت إلى أعلى مستوياتها في هذه العملية عقب ثورات الرّبيع العربيّ، واستطاعت برمجة عقول انتحاريين، والوصول إلى أعلى مستويات المدّ من التّجنيد للانتحاريين، فهذه الورقات قد تصلح للولوج إلى فلسفة التّجنيد ومنهجه لدى الجماعات الجهاديّة المسلّحة، والخلايا والتّنظيمات الأخرى الّتي تشكّلت في منتصف السبعينات، باعتبار أنّ تلك الجماعات استقت أساليبها في التّجنيد من خلال المخزون الخبراتيّ لسابقيها.

وقالت الدراسة إنها تستند إلى مصادر معتمدة، وهي اعترافات هؤلاء الجهاديين الإسلامويّين أثناء التحقيق معهم، وبعد المقابلات مع عناصر انضوت تحت هذه التّنظيمات، ومجموعة من المستندات والأوراق الخاصّة ببعض الخلايا التكفيريّة المسلّحة، لنصل – في النّهاية – إلى النّتيجة وخاتمة البحث؛ وهي معرفة التّقاطعات ما بين الجماعات السلفيّة الجهاديّة المسلّحة في عمليّات ضمّ العناصر، ومناهج التّجنيد المختلفة لها.
وذكرت الدراسة أنّ الهدف الأساسيّ منها هو قراءة أساليب التّجنيد بشكل يتجاوز الظّاهر نحو المبطّن، دون الاستلاب من الموضوعيّة والحياديّة، لكنّنا أمام واقع اجتماعيّ لتلك التّنظيمات متحوّل جرّاء تأثيرات الظّروف السياسيّة والأمنيّة، التي حولتهم إلى مطارَدين أو مسجونين، ما جعل بعض التّنظيمات مفكّكة، أو خلق جماعات أخرى ليس لها مرتكزات منشورة بشكل مباشر عن عمليّات التجنيد وأساليبها، إلاّ أنّنا باستقراء ما ورد في أساليب التّجنيد للجماعات والتنظيمات الحليفة والشّريكة لها، إضافةً إلى بعض اللّقاءات مع بعض العناصر، أو قراءة أجوبة بعضهم أثناء التّحقيق عقب القبض عليهم، فضلا عن بعض المنشورات الخاصّة، استطعنا تجاوز هذه الإشكاليّة، حتّى وصلنا إلى أنّ جماعات السّلفية الجهاديّة، اختلفت في عمليّة التّجنيد عن سابقاتها من ذات الجماعات ما قبل الثّورات.

فبينما تلك الجماعات القديمة استخدمت وسائل تقليديّة، مثل: المساجد، والمعسكرات الإسلاميّة، وتوزيع الكتب الدينيّة، والأشرطة التّسجيلية، استخدمت الحديثة منها وسائل جديدة، أكثر سريّة، كما أنّ بعضها اعتمد على التكنولوجيا؛ لذا فقد أنتجت تلك العمليّة من التّجنيد، جيلا جديدًا مختلفًا في الآيديولوجيّات والاستراتيجيّات، وهذا ما تهدف الدّراسة إلى الوصول إليه.

وكشفت الدراسة عن أنه عقب ثورات الرّبيع العربيّ؛ ظهرت تجارب جهاديّة جديدة، وعقب الثورة السوريّة، ودخول تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) إلى الموصل في العراق؛ تعمّقت ما تسمّى سياسة إمساك الأرض، وإقامة إمارات إسلاميّة، وبدت تجارب التّجنيد، من هنا، متنوّعة بشكل جديد، فبعد أن كان هدف التّجنيد ضمّ عناصر لتنظيمات هرميّة، أصبح الهدف منه أوسع، ما بين التّجنيد للهجرة إلى دولة الخلافة، وإمارات إسلاميّة أخرى، أو التّجنيد من أجل الانخراط في خليّة متّصلة بالتّنظيم، أو مجموعة منفردة، أو تحويل العنصر المستهدَف إلى ذئب متوحّد، فاختلفت، من هنا، أساليب التّجنيد عن نظيرتها السّابقة.

التجنيد عند الإخوان

قالت الدراسة إن جماعة الإخوان تعتمد في التجنيد على تصنيع محاضن، تعدّ الوسيلة النّاجحة لتجنيد العنصر، وتواصله مع الجماعة، وتعميق أخوته ومحبّته لقياداتها، وتوحيد فكره وتصوّراته عن القضايا المختلفة، ومنها المسجد الذي يعدّ محضنًا تربويًّا عامًا لعمل الجماعة، لذلك؛ تعطي له أهميّة خاصّة تعقد فيه جلسات وحلقات لتعلّم تلاوة القرآن وتثقيف النّاس في أمور دينهم.

أما المحاضن الخاصّة فهي مجال التّركيز لدى التّنظيم، على الأسرة، وهي من أهمّ مكوّنات نظام الجماعة الإداريّ، التنظيميّ والتعليميّ، وأركانها التّعارف، والتّفاهم، والتّكافل، والثّقة، والتريض، والتّدريب، وجذب الأتباع الجدد، بالإضافة إلى الكتائب ويعتبر هو معهد الترّبية الروحيّة، الذي تجتمع فيه عدد من الأسر في مكان خاصّ لعدّة أيّام وفق منهج خاصّ، أيضا الفرق الرياضيّة والكشفيّة وهو نظام أشبه بمنظّمة شبه عسكريّة للجماعة، وكذلك المعسكرات.

ويعتمد نظام المعسكر على امتداد لنظامَي الكشّافة والجوّالة، وهو محضن يتخصّص لترسيخ معاني الجهاد في صورة عمليّة، وإعداد الأفراد وتأهيلهم للعمل العسكريّ، بالإضافة إلى المؤسّسات الخاصّة مثل المدارس والحضانات، والمؤسّسات الاجتماعيّة والتربويّة. وأخيرا الكتلة الطّلابية في الجامعات والمدارس، مع الكتلة النقابيّة للمحامين والأطبّاء والممرّضين والصّحافيين والمحاسبين والسّائقين.

التّجنيد الجهاديّ

نقلت الدراسة عن منظّر «القاعدة» المعروف باسم (عبد الله العدم) أنه يقول في حزمة من أوراقه حول القواعد والأسس الواجبة لاختيار المجنَّدين بالتّنظيمات الجهاديّة، أو كما يسمّيها هو بنفسه التّنظيمات التي تستهدف جعل كلمة الله هي العليا، وتأسيس دولة الإسلام على أنقاض الدّول الكافرة: إنّ التّجنيد يتمّ عبر مجموعة من القواعد، أهمّها، التّحريات وتعني: البحث للتّأكد من أنّ (المستهدَف) يملك المواصفات المطلوبة ليكون «عنصرًا قادرًا على حمل الأمانة».

وفي البداية، يجب جمع المعلومات عن المرشَّح للتّجنيد، والتحرّي عن كلّ تفاصيل ماضيه مهما كانت صغيرة؛ إن كان قد انضمّ إلى تنظيم ما وانشقّ عنه، فلا بدّ من معرفة سبب الانضمام والانشقاق، وإن كان انضوى تحت لواء حركة سياسيّة، فينبغي الوصول إلى ملابسات انضمامه ثمّ خروجه؛ حيث لا يمكن، بحال من الأحوال، أن يضمّ التّنظيم أشخاصًا لهم سيرة ذاتيّة غير نقيّة، بما يمكّن أجهزة الدّولة «الكافرة» بالطّبع من الضّغط عليهم.
فلو أنّ المرشَّح للانضمام إلى الإخوة كان قد ترك تنظيمه السّابق لتورّطه فيما يشين، سرقة أو اختلاسا أو أيّ سلوك شاذّ، فيجب التغاضي كليًّا عن فكرة انضمامه؛ لأنّ فيها خطرًا كبيرًا، ذلك أنّ الأمن قد يضغط عليه ويجبره على التّجسس على التنظيم، مقابل عدم فضحه والتّنكيل به.

وتضيف الدراسة عنصرا آخر وهو:

التّفتيش في الدّماغ: إذا انتهت الخطوة الأولى، وثبت بالدّليل القاطع أنّ المرشَّح لا «تشوبه شائبة»، تبدأ الخطوة الأخرى، وهي: التّفتيش في دماغ (المستهدَف)، بهدف التعرّف إلى قناعاته، والوقوف على رؤاه الثقافيّة والفكريّة، بعد ذلك تشكيل «لجان تقصّي حقائق»، يتولّى أفرادها مهمّة جمع المعلومات عن المرشّح، عبر لقاءات مع الأقارب والأصدقاء وزملاء الدّراسة أو العمل.

فهم يجمعون كل معلومة مهمّة مهما بدت بسيطة، نوع الطّعام الذي يحبّه، علاقته الزوجيّة، مدى برّه بوالديه، مواظبته على الصّلاة، الشّيوخ الذين يقتفّي فتاواهم، ثمّ يحذرون من اختيار عنصر يمتلك مرجعيّة فكريّة ميّالة إلى فكرة الديمقراطيّة؛ فهي، بطبيعة الحال، لا تتّسق مع «مشروعهم»، كما أنّها تدفع مؤيّديها إلى الجدال، بما يتنافى مع شرط أن يلتزم المجنَّد بالسّمع والطّاعة، التزامًا «أعمى أصمّ أخرس».
وتستطرد الدراسة أن العنصر الأخير وهو التّثبيت، عقب التأكّد من أنّ المرشّح صالح للانضمام للتّنظيم، تبدأ خطوة التّثبيت التي تركّز على ضرورة عدم تراجعه أو انشقاقه عنه؛ لأنّ المنشقّين، بما يحملون من أسرار، يمثّلون خطرًا كبيرًا على الجماعة، وربما يستطيع الأمن في أيّة دولة أن يستغلّ ما لديهم من معلومات، ليوجّه لهم ضربات قاصمة.

الطوائف المستهدفة للتجنيد

تقول الدراسة: يرى دعاة التنظيمات الجهاديّة، من خلال خبراتهم في التّجنيد؛ أنّ هناك طوائف تعدّ تربة خصبة للتجنيد مع توفّر عنصر الأمان، وهناك طوائف أخرى لا تصلح، ولكلّ قاعدة استثناءاتها، وهذه الطّوائف ذكرها أبو عمرو القاعدي (مسمّى حركيّ) في بحثه المنشور بعنوان «دوره في فن التجنيد» على عدد من مواقع الجهاديّين، أولهم غير المتدينين وهذا القطاع المفضّل لدى الدّعاة وربّما غيرهم.
وتضيف الدراسة في حصر طوائف التجنيد، المتحوّلين من الجماعات الحركيّة إلى السلفيّة؛ لأنّ من يترك تلك الجماعات، في وجهة نظر الجهاديّين، يتركها بسبب مخالفاتها، وغالبًا لا يستمع لمخالفتهم إلاّ من السّلفيين أو من علماء السلفية، أيضا الشّباب البعيد عن الدّين؛ حيث تجده متدينًا أو غير متديِّن فيه عيوب، فيُجنّب أو فيه سمات، كذلك قواعد الجماعات الإسلاميّة عمومًا، مثل: أفراد الدّعوة والتّبليغ، والإخوان، وغيرهم طلبة الجامعة، وطلبة المدارس؛ فميزة هذا القطاع لدى الجهاديّين، هي صفاء ذهنهم غالبًا، وأنّهم غير معروفين أمنيًّا.

التّطبيقات العمليّة لبرامج التّجنيد الجهادي

وتؤكد الدراسة على أنه حين تنتهي الخطوات والمراحل العمليّة التجنيديّة، يقوم المسؤولون عن تلك العمليّة بتطبيق عمليّ للمحاسبة، أوردها أبو عمر القاعدي بالكامل في أوراقه، مطالبا العضو الجديد الذهاب وإحضار ورقة وقلم، ثمّ خذ نفسًا عميقًا، وتذكّر أسماء النّاس الذين حادثتهم من قبل في الجهاد، من استجاب منهم ومن لم يستجب، واسأل نفسك، واستفد من المعلومات السّابقة الذّكر، ثمّ تذكّر كيف أصبحت أنت سلفيًّا جهاديًّا، وتذكّر الطريقة العشوائيّة التي تبنيت بها الفكر.

واختلفت عمليّات تجنيد الجهاديّين وفق الأوراق، فلم تعتمد على التّزكية أو الارتكازات مثل المساجد، واعتمدت على أماكن بديلة، بأن لا تكون من الأماكن المتعارَف عليها؛ كالجمعيّات الدينيّة وغيرها، بل اعتمدت على العالم الافتراضيّ (الإنترنت).

التّجنيد الإلكترونيّ؛ الطّريقة والحدود

تكشف الدراسة عن أنه تكفي نظرة سريعة على مواقع تجنيد المقاتلين لمعرفة مدى حرص هذه الجماعات على استغلال الإنترنت لإبراز هويّتها وتوضيح أهدافها ورؤيتها، إضافة إلى تصوير أكثر معاركها إثارة، مع تخصيص جزء كبير لسرد السيرة الذاتية لأبرز قادتها، علاوة على تحديثات الأخبار المتعلّقة بأنشطة المنظّمة، وإعداد أناشيد الجهاد والتّحريض، وبثّ البيانات والخطابات ومقاطع الفيديو والتّسجيلات الصوتيّة.
ويلاحظ تركيز التّجنيد عبر الإنترنت على فئات القاصرين والمراهقين، عن طريق بثّ موادّ تسترعي انتباه هذه الفئات؛ كألعاب الفيديو، وقصص الأطفال، والأناشيد، وبموازاة ذلك، يتمّ نشر رسائل وإعلانات تحرّض على العنف وتروّج لارتكاب أعمال إرهابيّة، لينتهي الأمر ببعض المستهدَفين إلى الدّخول في اتّصال مباشر مع العناصر المتطرّفة، والانضمام إلى صفوفها.

Previous ArticleNext Article
المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن.
ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي.
وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا
بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Time limit is exhausted. Please reload CAPTCHA.